مصطلح ممنوع التعريف!

  عبد اللطيف مهنا

 

لم يعد مصطلح "الحرب على الإرهاب" أسير شعار ترفعه قوة عظمى متفردة بأحادية القطبية وبقرار العالم فحسب، كما لم يعد مجرد سيفها المسلول الذي بات صليله يغزو أذان البشرية صباح ومساء، وتنام البشرية لتصحو، شاءت أم أبت على صداه وكفى، وإنما غدا ما تكرّس اليوم عنواناً لحقبة تاريخية خطرة يعبرها عالم قلق، أسقط في يديه وهو يشهد تبديداً زاحفاً ومنظماً يبدو أنه سوف يأتي على كل ما سبق وأن راكمته البشرية في القرون الأخيرة من أعراف وقوانين وشرعيات توسم بالدولية... الكلمة الأولى في هذا المصطلح تتضمن جوهر ما يشهده العالم الراهن، أي حرب بمعناها التقليدي، لم تضع أوزارها بعد ولا يبدو ذلك قريباً في كل من أفغانستان والعراق، وأخرى بالمعنى الأمني الصرف، هي أكثر اتساعاً بحيث لم تترك بقعة في أطرافه البعيدة والقريبة دون أن تطالها، توازيهما وتخدمهما حرباً سياسية وديبلوماسية وثقافية ودعاوية حامية الوطيس... أي لها كل ما يجعلها حرباً شاملة وفريدة متعددة الأوجه لم يشهد تاريخ الإنسانية لها مثيلاً... أما الكلمة الثانية، أي الإرهاب، والتي هي ليست وليدة هذه الحقبة بالذات، فلها من الغموض المقصود مع سبق الإصرار، ما لا يجب أن تقوى كل القواميس الدولية على كشفه أو توضيحه، وبالتالي صعوبة مقاربة تفسيرها أو تعريفها.  فمنذ أيام الرئيس الأمريكي الراحل رونالد ريغن، أي قبل أن يعلن الرئيس الأمريكي الحالي جورج بوش الابن حربه الكونية على ما يسمى الإرهاب. تعالت الأصوات في أكثر من مكان في العالم تطالب بتوافق، والأفضل أن يكون في إطار هيئات الأمم المتحدة، على تعريف محدد لمصطلح الإرهاب، يكون جامعاً مانعاً ما أمكن، ويتوخى منع الخلط بين مفهومي الإرهاب والمقاومة، أي التفريق بين مسألة اعتماد المقهورين للعنف المبرر دفاعاً عن النفس، وذوداً عن وطن، أي لدواع  تحرّرية، وسعياً لانعتاق من نير قهر واحتلال. وذاك غير المبرر لانتفاء جملة هذه الأسباب، ولدوافع يمكن وصفها بالإجرامية، أو لأنها حالات عنف عبثي وغير مبرر أو تتناقض مع القيم والأعراف والمواثيق والقوانين الدولية.

هذه الأصوات لم تلاق آذاناً صاغية في حينه، لدواع أدرك الجميع يومها أن الخلط المقصود، المشار إليه، كان أمراً مبيتاً، ينسجم مع الاستهدافات التي كانت أصلاً وراء فكرة إشاعة المصطلح والحرص على سيولته والإصرار على تعميمه، ومن ثم محاولة الإفادة سياسياً واستراتيجياً من عملية رفعه، وبالتالي من توظيفاتها الانتقائية. وجاءت أحداث الحادي عشر الأمريكية الرهيبة لتضيع هذه الأصوات نهائياً في لجة ضجيج إعلان النفير وبدء الحرب على هذا العدو الغامض وغير المرئي، واتساع ساحاتها بالتالي لتشمل كل المعمورة، متخذة تجليات وتداعيات مختلفة ومعروفة قلنا أن العالم بات راهناً يعيش أصداءها، حيث أنجبت حتى الآن حربين متصلتين، أولهما في أفغانستان والثانية في العراق، ومن يدري حلول ثالثتهما أو رابعتهما في أي مكان بعد؟!

مع الزمن، وعبر آلة إعلامية وديبلوماسية وثقافية متشعبة وهائلة، توازيها ضغوط سياسية وعسكرية لا تتوقف ولا تكل، ويدعمها تواطؤ الضعفاء ضمناً مع الأقوى لأسباب عديدة، أولاها العجز وآخرها الخوف وبينهما الانتهازية، انمحت نهائياً من قاموس الخطاب الدولي الفوارق التي كان المطلوب تمييزها بين مفهومي الإرهاب والمقاومة، ولم تعد، بفضل التلويح بالعصا وسؤدد غياب المنطق، مسألة التمييز بينهما أمراً مقبولاً. ولم يكتفى، والحالة هذه، بأن يختلط الحابل بالنابل على حساب تلك الأعراف والمواثيق والقوانين الدولية المشار إليها بدايةً، والتي جهدت البشرية ودفعت ثمناً باهظاً لإقرارها والتوافق عليها، بل أصبح الاحتلال دفاعاً عن النفس وغدت مقاومته فعلاً معادياً "للسلام"، كما هو الحال راهناً في فلسطين، وبات الغزو عملية خيرية يضحي فيها الغازي من أجل سواد عيون من يتجشم عناء من يغزو بلاده، لا لشيء إلا لوجه الله، وفي سبيل نشر الديمقراطية لا أكثر. كما هو الحال في العراق هذه الأيام!

ويبلغ هذا المنطق المقلوب مداه عندما يوصف شارون بأنه رجل سلام، ويتهم الإسلام بأنه دين يدعو للكراهية ويحض على الإرهاب، وعليه فالمطلوب هو إعادة النظر في مناهج تدريسه لتنقيحها أو تنقيتها مما يراه أصحاب هذا المنطق شوائباً  استدعت ما اتهموه به.

بيد أن الأمر يأخذ منحى أكثر خطراً حتى على الديمقراطية الغربية التي يرفع محاربو الإرهاب لوائها وتزحف جيوشهم عند اللزوم لبسطها في الأماكن المراد أن تصل هذه الجيوش إليها، حين تسن جملة من القوانين التي تضيّق على الحربات المدنية في المجتمعات الغربية ذاتها، وتحوّل بالتالي شرائح في تلك المجتمعات إلى مجموعات مشبوهة بسبب انتماءاتها العرقية والدينية والثقافية التي تربطها بالعالم الإسلامي. ولا يكتفى هنا بالحرب على الجمعيات والمؤسسات الخيرية، تحت طائلة تجفيف منابع دعم الإرهاب. بل تصل الأمور إلى درجة غير مسبوقة من التصعيد، منها مثلاً الشروع في ملاحقة مؤسسات نقدية عربية عريقة مثل البنك العربي، الذي يتعرض راهناً في نيويورك إلى دعوى قضائية تطالبه بمليارات الدولارات بزعم دعمه للمقاومة الفلسطينية، وإن تفرض الولايات المتحدة حجراً على نشر تقرير التنمية العربية الثالث، المعد باسم برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، لاعتراضها على بعض ما جاء فيه حول فلسطين والعراق بما لا يتفق والرؤية الأمريكية الإسرائيلية. والمعروف أنها سبق وأن تدخلت فغيرت في التقرير الثاني السابق ما شاءت، واستغلت التقرير الأول الأسبق كذريعة أخلاقية مطلوبة في تبرير سعيها للهيمنة على المنطقة عبر دعوتها الخاصة للتغيير، أو إعادة جدولة ما تدعوه الشرق الأوسط الموسع وفق الأجندة والمصالح الأمريكية وانطلاقاً من الوطن العربي بالطبع. لكن استلال قانون محاربة اللاسامية من جعبته الأمريكية ورفعه في وجه العالم الذي اعتمده المشرّع  مؤخراً في الكونغرس، بمعناه الذي يعني ملاحقة كل من ينتقد إسرائيل في العالم، يعد نقلة لها ما يترتب عليها في هذا السياق الذي يجد العالم نفسه فيه يواجه، بالإضافة إلى ما يشبه ما يمكن وصفه "الهولوكوست" الإرهابي، هذه الحرب الأمنية الكونية، التي أشرنا إليها، والتي تخوضها قوة حولها نزوعها الإمبراطوري إلى شرطي يرى نفسه مسؤولاً وحده عن ضبط الأمن في مقاطعة كونية سائبة... والآن، وبعد أن تعثرت هذه الحرب، بمعنى أن تكلفتها فاقت مردودها، وأن العالم لم يعد أكثر أمناً، كما كان قد بشّر ووعد به الرئيس بوش قبيل غزو العراق، وقبله أفغانستان... بل تقول بعض الإحصائيات الأمريكية أن 60% من الأمريكيين غير راضين عن أسلوب إدارة الحرب في العراق مثلاً، والتي تُصوّر كجزء من الحرب على الإرهاب، بعد أن تساقطت، كما هو معروف، كل الحجج والذرائع التي سيقت لتبرير عملية شنها، وعليه فأن 51% منهم مع استقالة داعيتها الأكبر وزير الحرب رامسفيلد... بعد هذا كله، هل من احتمالات لأن تعيد واشنطن حساباتها، وتجنح إلى الإفادة من تجربة متعثرة ومكلفة لا يختلف اثنان على كونها مثقلة بسلبياتها وتزداد تعقيداتها مع الوقت، لتغيّر على الأقل من أساليبها، أو تخفّف من غلواء جموحها؟!

نحن هنا لا لنطرح سؤالاً يقول: متى ستضع مثل هذه الحرب الكونية أوزارهاً؟! فلعل من الغباء طرح مثل هذا السؤال، كونها تشن أصلاً ضد عدو لا مرئي، وحيث نشهد تصاعد نفوذ اليمين أو ما يعرف بالمحافظين الجدد في الحياء السياسية الأمريكية، والذي توّج  بإعادة إدارة هذه الحرب الكونية مرة أخرى إلى البيت الأبيض، عبر إعادة انتخاب الرئيس بوش لفترة رئاسية ثانية فيما يشبه البيعة. وإنما نحن نتساءل فقط عن احتمالات إعادة النظر في سير هذه الحرب وجدوى أساليبها من قبل أصحابها وهم يشهدون تعثرها لا أكثر، وهو الأمر الذي لا يبدو أن المحافظين الجدد المنادين بالقرن الأمريكي، والذين لا يعرفون ترجمةً لشعارهم المرفوع "حرب على الإرهاب" سوى إخضاع العالم لنزوعهم الإمبراطوري، في وارد طرحه على أنفسهم. بل لعل تعثر البرنامج الأمريكي في العراق عبر تردي الأوضاع  فيه لاتساع  وتعاظم المقاومة للاحتلال هناك، وآخر التقارير الأمريكية نفسها تحصي خمسة آلاف عملية ضد الاحتلال قام بها العراقيون خلال اثني عشر شهراً فقط، لعل ذلك سوف يزيد من عنادهم وتشبثهم بتوجهاتهم الإمبراطورية، المستندة إلى خلطة من الأيدلوجيا والمزاعم والمبررات التي لا تلتفت إلى كارثية افتقارها إلى المصداقية، وذلك كعملية هروب إلى الأمام. لأن فشل المشروع الأمريكي في العراق مثلاً سيرتد إلى نحورهم، بمعنى أنه سيكون فشلاً سوف يذهب بهم بل وسيجبر من يخلفهم في سدة الحكم على إعادة النظر في مجمل الشعار المرفوع، وسبل استخداماته لإنجاز المشروع الإمبراطوري المنشود، والذي لا يعدّ العراق إلا جزءاً من تفاصيله، وأن لن يغيّر هذا، إن حصل، في جوهر سياسات واستراتيجيات ومصالح قوة عظمى وحيدة ومتفردة، ولا تجد من يقابلها أو يرد عليها بما يخفف جموحها. وحيث أنه من المبكر القول أننا نقترب من مثل هذه النتيجة، لكن لا أحد في العالم لا يدرك بعد، وحتى الكثيرين في واشنطن نفسها، أن المشروع الأمريكي في العراق قد وصل إلى ما هو أشبه بالطريق المسدود، لأن البرنامج العسكري والسياسي الأمريكي هناك يواجه عقبات يبدو أنها لم تكن مسبقاً في الحسبان، ولا أدل على ذلك من إحدى المفارقات التي تشي بالتناقض الذي ينبئ بأزمة حقيقية عندما يصرون على عزل غير منطقي للجوار العراقي أو تحييده وإبعاده أو منعه من التدخل في شأن له تداعياته عليه وعلى المنطقة برمتها، وفي نفس الوقت الطلب من هذا الجوار المساعدة في ضبط الأمور، أو إيقاف المقاومة العراقية المختصرة عندهم بالزرقاوي، وإعانتهم عبر تسهيل تمرير المشروع السياسي للاحتلال هناك، أو تبرير التعثر في المستنقع العراقي بتحميل هؤلاء الجيران أسبابه ومن ثم كيل التهديدات لهم!

إذن الحرب على العدو اللامرئي لم تؤت أكلها بعد وهي تدخل عامها الخامس، كما أن طالبان في أفغانستان لا زالت تطل بين الفينة والأخرى في ثنايا شعاب جبال الهندكوش، أو عبر بيانات الملا عمر، كما أن الرئيس جورج بوش الابن وفي مستهل حقبة رئاسته الثانية يضطر إلى المساجلة العلنية مع بن لادن كما فعل مؤخراً، وهاهي الإدارة الأمريكية تصر على انتخابات عراقية يطالب عراقيو الموالاة والمقاومة بتأجيلها...  إذن هذه "الحرب على الإرهاب"، أو هذا الشعار "السائل"، أو هذا السيف "الاستباقي" المسلول، أو ما قلنا أنه العنوان لحقبة زمنية مفصلية في عالم قلق بل خائف واجف أسقط في يده... وجل التسميات أو النعوت التي من الممكن أن نصف به هذا المصطلح ممنوع التعريف... إلى أين؟!

سؤال من المبكر بعد الإجابة عليه... لكن وحتى يمكن ذلك، وهذه مهمة البشرية جمعاء، علينا كعرب أن ندرك كم من المخاطر الوجودية سوف تهددنا طيلة انتظارنا لتلك الإجابة... أرضاً وبشراً وقضايا... والأهم حضارة وهوية ومستقبلاً... ما العمل؟؟!!