عندما كان غيره شمعة ناحلة

كان ممدوح عدوان علما في رأسه نار

 

الطاهر إبراهيم

 

موت الإنسان ،أي إنسان لا على التعيين، يوقظ المرء من سبات الحياة على الحقيقة الخالدة وهي أنه صائر ،لا محالة، إلى هذا المصير. لكن موت من تعرفهم يضيف أمورا أخرى إلى تلك الحقيقة تختلف باختلاف نوع المعرفة وربما سبب المعرفة.

ولقد جاء خبر موت "ممدوح عدوان" الشاعر والكاتب والمسرحي السوري، ليعيدني إلى الوراء ربع قرن كامل، ويعيد إلى ساحة النقاش في ذاكرتي أحداثا وشخصيات، تبين لي أن طول العهد لم يستطع أن يمحها من الوجدان ،وإن كان تتابع الأحداث جعلها تتوارى إلى حين.

كنت للتو قد خرجت ،في آذار من عام 1980 ،من المعتقل بعد أن قضيت فيه حوالي ثمانية أشهر ظننتها دهرا. وقد تبين لي في ما بعد أنها كانت عقوبة حبس عن الغداء عوقب بها طالب ابتدائي لم يكتب وظيفته، قياسا على ما قضاه المعتقلون الدهريون من أمثال "عماد شيحا" عميد المعتقلين في العالم.

أسمعني أحدهم،وكنت مدعوا عنده على غداء، شريطا مسجلا لاجتماع الكتاب والصحفيين مع أعضاء الجبهة الوطنية التقدمية في المؤتمر الشهير في نهاية السبعينيات. وكان أبرز ما في هذا الشريط قول أحد الصحفيين ،في كلمة له أمام ذلك المؤتمر، "الإعلام السوري يَكذُب حتى في درجات الحرارة".حركْتُ "ذال" يكذب بالرفع،كما نطقها المتكلم في شريط التسجيل. ما يعني أن المتكلم متحدر من المناطق الساحلية السورية أو قريبا منها.ولما رأى مستضيفي إعجابي بصدق وجرأة هذا الصحفي، أخبرني بأنه الشاعر "ممدوح عدوان".

لم تنقطع عني ،بعد ذلك، أخبار هذا الكاتب الشاعر، خصوصا وأنه من الفئة المبدعة التي رفضت أن تبيع رأيها وموقفها للنظام السوري فكان أن أبعد بشكل أو بآخر، وحورب حتى في مورد رزقه، ورضي أن يعيش أطفاله على الكفاف ،في وقت كان من هو أقل إبداعا يغرق في نعيم المناصب والرواتب.

وأنقل هنا بعض الكلمات التي رثاه بها رفيق دربه المبدع "حكم البابا" قال: (كان يتلقى شتى الاتهامات مرّة ممن يملكون الهامش ، فتُهَمَهم جاهزه ، وعقابهم حاضر ، فمُنِع من الكتابة ، ومنع من السفر ، وسحب جواز سفره ، ونقل من جريدة الثورة كصحفي لمترجم في وزارة الاعلام ، وفرزت سيارة مخابرات لمتابعته ، ولكن ممدوح عدوان لم يستسلم ، وفي حين كان يكبر كل يوم كان أعداؤه يصغرون يوماً بعد يوم) ( كلنا شركاء 20/12/2004 ).

 ولا يفوتني هنا أن أتساءل كم هي كرتونية تلك الحكومة ،بوزارة إعلامها وبأجهزتها الأمنية، التي تضيق ذرعا بكاتب قد أقعده المرض العضال، لا حول له ولا قوة إلا قلمه. وقد كان أجدر بها،إن لم تقم بتكريمه والسهر على صحته ككاتب مبدع كما تفعل الدول المتحضرة، فعلى الأقل أن تتركه يتكلم، لينفس عما في صدره. لكنه الاستبداد الذي لا يقبل إلا بكلمة نعم، ولا يصيخ سمعه إلا للتسبيح بحمده، والويل كل الويل لمن يقول لا.

لم تستطع الحكومة بكل جبروتها أن تلوي ذراع "ممدوح عدوان" أو أن تجعل قناة ظهره تلين لإغراءاتها، بكل ما تعني هذه الإغراءات من المنصب والجاه والمال. وبقيت قامته مرفوعة لا تنحني طالما أنه يستطيع الاتصال بمحبيه عن طريق ما يكتب أو يترجم.حتى إذا أوشك المرض أن يقعد به عن الوصول إلى قرائه شعر بالحنين إليهم. فقد نقلت زوجته إلى "حكم البابا" قولها: (كم كان يشعر بالأسى لأن أحداً لم يطلب منه في أيام مرضه أن يكتب زاوية أسبوعية لصحيفة أو مجلة، وكبرياؤه يمنعه من أن يطلب ذلك من أحد..).

لقد أصر على أن يقف الموقف العنيد الصلب طيلة حياته الفكرية والأدبية والصحفية، وقد كان هناك آخرون ينطوون على مواقف لا تبعد كثيرا عن مواقف الفقيد "ممدوح عدوان"، ولكنهم ما جرؤوا على الجهر بها، وآثروا السلامة، فبقي بعضهم في المنصب ردحا من الزمن.

فهذا نقيب الصحفيين المزمن الشاعر "صابر فلحوط" ينتهز الفسحة التي أشاعها ربيع دمشق كي يفرغ ما كان يعتمل في صدره، فيقول في مداخلة له في مؤتمر نقابة الصحفيين في حلب: "يأتي الوزير ويقول انشروا هذا الخبر" أي دون أن يتم التأكد من صحة هذا الخبر. واستطرادا فإن "فلحوط" يتمتع بشاعرية مبدعة كانت ستجعله في مصاف الشعراء العرب، ولكنه آثر الكرسي الدوار والمركب الناعم، والنقابة "المزمنة".

أما الصحفي "حسن م يوسف" ،الذي يعمل في جريدة تشرين، فقد صور الحالة المزرية التي وصل إليها الإعلام السوري عندما قال: " قال لي أحد المواطنين: أنتم عملاء للحكومة. وبعدها بأيام غضب أحد الوزراء منا فقال: أنتم عملاء لإسرائيل... فنحن عملاء للحكومة ولإسرائيل في آن واحد".

لقد آثر الفقيد أن ينأى بنفسه عن النفاق. فانزوى مع قلمه في ظلمة مكتبه المتواضع، ولو أراد -لأسباب يعرفها الجميع وأعف عن ذكرها حتى لا يقال أني أنفخ في نار الطائفية- لكان وزيرا مزمنا للإعلام، شأنه في ترفعه هذا شأن الكثيرين الذين أبوا بيع أنفسهم ومواقفهم رخيصة في سوق المناصب من أمثال الدكتور "عارف دليلة" الذي يدفع في سجنه ضريبة الكلمة. 

وعودا على بدء، فإن البعض يتساءل عن مغزى هذه الاحتفالية التي شكلتها مقولة الفقيد "ممدوح عدوان" آنفا حتى تتصدر في أكثر من مقال كتب في رثاء الفقيد؟.                           وحتى ندرك هذا المعنى، لا بد من النظر إليها ووضعها ضمن المناخ السياسي السائد. فقد كانت مغامرة جريئة جرت فصولها في عرين السلطة وأمام مجموع الصحافيين السوريين الذين التقوا أعضاء الجبهة الوطنية التقدمية في نهاية السبعينيات، في وقت كانت الأفواه مكممة والصحف مؤممة، وكان ينظر إلى كل من هو غير بعثي على أنه رجعي وعدو للثورة.

الشباب من الصحافيين الحاليين قد لا يدركون مغزى هذه المغامرة، بعد أن فتح أمامهم العمل الصحفي في ميادين شتى داخل سورية وخارجها. فقد أصبح الواحد منهم يعمل ،وهو جالس في بيته، في أكثر من صحيفة خارج سورية. أي أن رزقه لم يعد مربوطا ب"حبل سري" يتصل في نهايته ،بشكل أو بآخر، برحم وزارة الإعلام السورية.

أما عندما قال "ممدوح عدوان" ما قال، فقد كان الصحفيون داخل سورية محكومين في عملهم ومورد رزقهم لوصاية وزارة الإعلام، لأنه لم يكن في سورية صحافة ولا صحافيون إلا من خلال الوحيدات الثلاث (البعث والثورة وتشرين). ومن يحاول كسر هذه الوصاية والخروج من شرنقة وزارة الإعلام، فإن قلمه يكسر، وأطفاله يجوعون، ويفصل من عمله من دون ذكر الأسباب، هذا إذا كان مرضيّ الوالدين، وإلا ففي السجن متسع له ولأمثاله.

كان ممدوح عدوان شجاعا عندما جبن غيره وخاف.وكان جريئا ومقداما عندما تلكأ غيره وقعد. قال كلمته وهو يعرف مصيره في وقت خنس غيره وراء مكتبه، "لا من فمه ولا من كمه". لقد كان نارا فوق علم، عندما كان الآخرون شمعات لا تضيء إلا لنفسها، وتنطفئ من أول نسمة هواء تهب عليها.

الطاهر إبراهيم   كاتب سوري يعيش في المنفى  عضو مؤسس في رابطة أدباء الشام