بسم الله الرحمن الرحيم

مفتي الحكومة

بقلم  : منير محمد الغضبان

شيء جميل أن يطل علينا وزير الأوقاف الجديد ليكون هو الناطق باسم النظام لا أن يكون الناطق الأمني هو الذي يتكلم لكني ذكرت بيت الشعر المعروف ، وأنا أقرأ إجابته :

رب يوم بكيت منــــه فلما                              صرت في غيره بكيـــت عليه

فالناطق الأمني يتكلم باسم الأمن ، أما وزيرنا فهو يتصدر الجواب باسم الإسلام

1-     فقد سأله محاوره في صحيفة الأنباء : ما رأيك في البيان الذي أصدره رئيس تنظيم الإخوان المسلمين علي صدر الدين البيانوني في لندن والذي أسماه المشروع السياسي لسورية المستقبل رؤية جماعة الإخوان المسلمين في سورية .

وكان الجواب :

كان على صدر الدين البيانوني أن يتقي الله فيما يقول فالكلمة أمانة .

إذن ليس لديه جواب على المشروع السياسي ، ولم يطلع عليه ، ولم نسمع كلمة واحدة عنه وإنما أصدر وعظا  على طريقة خطباء المساجد الواعظين وكأنه على المنبر ، أيها الناس اتقوا الله فيما تقولون فالكلمة أمانة وعيب أن يكون الجواب السياسي الذي يريد أن يعبر عن وجهة نظام الدولة بمشروع سياسي من مائتي صفحة بهذا الاستهتار أو هذا الغباء أو التغابي وقد عرض كل تصورات الإخوان المسلمين عن الإصلاح في سورية واحتمل إعداده سنوات طوالا أن يكون الجواب: كان عليه أن بتقي الله فيما يقول فالكلمة أمانة .

2-     وتابع الجواب : وأن يبدأ هو بنفسه ويعترف بخطأ الإخوان المسلمين الاستراتيجي والتكتيكي في سورية .

والخصم ليس هو الذي يصدر الأحكام بالأخطاء . والدولة التي أصدرت قرارها بإعدام كل من ينتمي للإخوان المسلمين . ومضت في سياسة الاستئصال لهذا الفصيل الإسلامي ليست هي التي تطالب بالاعتذار هذا في عالم البهائم . أن يطالب الجزار الضحية بالاعتذار أما في عالم الفقه والشرع والسياسة فاللجنة الوطنية المحايدة النزيهة التي لا تمثل وجهة نظر مسبقة لأحد هي التي تملك أن تسأل وتحقق وتحكم ، وعلى ضوء حكمها يعتذر المخطئ ويعرف المظلوم والظالم هذا ما دعا إليه المراقب العام للإخوان المسلمين في سورية في كلمته وقال : نحن جاهزون لقبول الحكم الذي تصدره هذه اللجنة ، إنها خطوة متقدمة إلى الأمام على طريق المصالحة الوطنية . فلا تهدر الدماء في سبيل المصالحة ولا يتم تدمير المدينة باسم المصالحة ، ولا تراق دماء عشرات الألوف ، ويهجر ثلث سكانها وكأن شيئا لم يكن .

كان المأمول من وزير الأوقاف الناطق الإسلامي باسم الحكومة أن يقول نحن جاهزون لذلك إن كان لا يخاف من الإدانة أما اتباع سياسة تقاذف الاتهامات والاحتماء بحراب السلطة لأنها الأقوى ودعوة الضحية للاعتذار هو منطق الطغاة لا منطق المصلحين في ظرف تتكالب قوى الشر على شعبنا وأمتنا ، وعلينا أن نكون يدا واحدة في مواجهة العدو .

الذي يفيء إلى الحق ويدعو إلى القضاء النزيه لا القضاء العرفي وإلى أحكام العدالة لا أحكام قانون الطوارئ هو الذي يجب أن يحيا ويشكر وهو يتكلم تحت مطرقة القهر .

والذي يرفض إلا أن يبقى السلطان الحاكم كما ينص عليه دستوره لقرابة نصف قرن هو الذي يجب أن يدان .

3-     ونتابع الجواب العجيب للناطق الإسلامي باسم الحكومة :

4-     (.... وعليه أن يبدأ هو بنفسه ويعترف بخطأ الإخوان المسلمين الاستراتيجي في سورية لا منذ أيام حماة وأحداثها إنما قبل الاستقلال )

فإذا كان الإخوان المسلمون كتنظيم سياسي لم يوجد إلا عند الاستقلال فعن أي شيء يعتذرون قبل وجودهم ، وبعد وجودهم خلال ربع قرن تقريبا عن أي شيء يعتذرون لسيادة الوزير؛ يعتذرون عن الديمقراطية التي أعادوها لسورية وساهموا في إعادتها عام ثلاثة وستين بعد انقلاب عسكري ثم عاد الجيش فاغتالها في الثامن من آذار وقدم الحزب القائد للحكم ؟

في السابع من آذار كان في سوريا مجلس نيابي يمثل كل أطياف الشعب وفئاته في انتخابات حرة ضرب فيها رئيس الوزراء بالبطاطا والبندورة ، وبعد ساعة من وصوله إلى بيته أطلق سراح هؤلاء ، وكان البعثيون والإخوان المسلمون هم الذين يقودون الشعب السوري من خلال البرلمان وفي الثامن من آذار اغتيلت الديمقراطية ووضعت في الثلاجة لمدة أربعين عاما أو تزيد ، فعن أي شيء يعتذر الإخوان المسلمون قبل أحداث حماة ومنذ ما قبل الاستقلال .

هل هو زخم المستوزر الجديد الذي يريد أن يعلن أنه أشد الناس حنقا على الإخوان المسلمين ، حتى من أجهزة الأمن اليوم التي تطلق سراح المعتقلين السياسيين ليقدم صك براءته أمام الحاكمين بأنه ملكي أكثر من الملك ؟ لا ندري. الجواب عنده .

5-     ويتابع وزيرنا جوابه:

(أريد أن أسأل السؤال الذي يطرح نفسه فهناك سبب وسبب من الذي بدأ بمن أي من الذي فتح النار على الآخر ، ومن الذي جمع الأسلحة في مدينة حماة )

شيء طيب إثارة هذه الأسئلة وغيرها . ولكن من السائل؟. القضاء الحر النزيه أم السلطة الغاشمة المستبدة التي ذبحت من الوريد إلى الوريد ثم بدأت بالتحقيق من جديد ؟)

ويتابع الوزير الخطير تساؤلاته :

(هل نسي البيانوني أن على الحاكم أن يحمي الدولة .ألم يقرأ الأحكام السلطانية للماوردي أو الفراء . وإن الحاكم عليه أن يحمي ويؤمن حماية البلاد والعباد .)

لا والله يا وزيرنا الخطير ما نسي البيانوني  أن على الحاكم أن يحمي الدولة . لكنه لم يسمع بأن على الحاكم أن يدير الدولة . إلا عند نيرون وأمثاله الذي أحرق روما . من أجل لذته .

ويتساءل وزيرنا : ألم يقرأ الاحكام السلطانية للماوردي والفراء ؟

ما شاء الله كان . لقد تجلى بحر علمك . فلم تتعلم من الإسلام إلا جواز تدمير حماة وقتل خمس وعشرين ألفا منها . وتشريد مائة ألف ورميها بالصواريخ والطائرات . لتباد أحياء بكاملها في مواجهة بضع مئات يحملون الرشاشات وقذائف الآر .ب. ج يدافعون عن أنفسهم

هذا لم نقرأه في الأحكام السلطانية ولا عند الفراء. إنما قرأناه عند إسرائيل في  جنين وطول كرم وغزة وكل المدن الفلسطينية . وقرأناه عند أمريكا في الفلوجة وفي الموصل .

هذا هو الإسلام الأمريكاني الديمقراطي الجديد الذي يتباهى به وزيرنا أنه من الإسلام فهنيئا له بهذا الفهم .

لقد قرأنا في الأحكام السلطانية عند الفراء أن الإمامة عقد بين الحاكم والمحكوم ( وصيغة العقد أن يقال : بايعناك على بيعة رضى على إقامة العدل والإنصاف والقيام لفروض الامانة ) وقرأنا في الأحكام السلطانية للماوردي أنه ألف كتابا للحاكم ( ليعلم مذاهب الفقهاء فيما له منها فيستوفيه . وما عليه منها فيوفيه ، توخيا للعدل في تنفيذه وقضاءه ، وتحريا للنصفة في أخذه وعطائه

4_ ونتابع صيحة الإٌيمان العميقة عند وزيرنا وهو يصرخ غيرة على الإسلام :

فالمخطئ هو الذي يجب أن يعتذر والذي أخطأ بحق الإسلام وشوه صورته لا بد أن يعتذر وأن يتوب إلى الله أولا . وأن يعلن أنه ارتكب خطأ بحق وطنه وإسلامه .)

إنا والله أول التائبين عندما يقول القضاء كلمته لا المحاكم الميدانية .. وإنا أول التائبين فيما فرضته ظروف الاستئصال من خطأ ، أما دولتك وحزبك . فهم أرفع وأطهر من الخطأ والتوبة . هم القديسون الذين لا يخطئون . وكيف يخطئون وهم شعب الله المختار لقيادة سورية منذ أربعين عاما . ولو أضاعوا الجولان . ولو أفقرواالشعب. ولو ذبحوا  الأمة .فهم الحزب القائد الذي لا يمس كما نص الدستور الأقدس

وحتى لا يفوت القارئ أفكار الوزير العظيمة أنقل له قوله :

(وهم قلة قليلة لا وزن لهم في الشارع وحتى العربي وقد فشلوا على كلا المستويين العربي والدولي )

وهي شهادة نفخر بها من الوزير الهمام . ونسأله طالما أن الإخوان قلة قليلون فاشلون . لم لا تفتحون أشرعة الديمقراطية . حتى يفتضح الإخوان في انتخاب حر نزيه . ويعطيكم الشعب ثقته فتحكمون باسمه ؟

لماذا تملكون خمسة عشر جهازا أمنيا وتفرضون نتائج الانتخابات قبل الانتخابات بأن تكون الأكثرية منكم ؟

وأخيرا فطريق الحل مفتوح كما يرى سيادة الوزير .

البوابة الأمنية مفتوحة لمن شاء أن يتوب ويعلن براءته من الإخوان المسلمين ويدخل سورية مجرما تحت المراقبة في نفسه ومأكله ومشربه وقضاء حاجته .

إذا كان هذا جواب السلطة على المشروع الذي تقدمت به جماعة الإخوان المسلمين . وما نظن ذلك .

فهذا يعني أن السلطة ممعنة في طريقها الإرهابي لشعبها وفصائله كلها التي تطالبها بالمؤتمر الوطني المفتوح لكل أطياف الأمة . ممعنةأن تبقى وحدها في السلطة على منهج فرعون :

(( ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد ))

وهي ماضية على الطريق الصدَامي لتدمير شعبها ودولتها قائلة : أنا أو الطوفان .

وإن كان الوزير هو أقل من أن يكون ناطقا باسم السلطة الحاكمة وهذا ما نظنه ولا نزال نقدر أن يرتفع صوت عاقل فيها ، ويكون الرجل الرشيد يصيخ إلى شعبه وأمته ، ويفتح صدره لأصوات عقلائها ومفكريها ورجالاتها ، فيكون المنقذ فيها ، ولا يملك ذلك إلا رأس الدولة الذي يتحول بذلك إلى قائد تاريخي يقود شعبا لا حزبا ، ويواجه الطفيان بالانسان لا بالسجان ، وبالشعب لا بالحزب ، وبالعدل لا بالقتل ،وبالحق لا بالخنق  (( فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض  ))

فهل من مجيب ؟ أم : لقد أسمعت لو ناديت حيا ؟؟

((والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون ))