الحرس القديم في النظام السوري ...

ما يزال خطابهم خشبيا.... ويقولون ما لا يفعلون ....

 

الطاهر إبراهيم

فغر كثير من الحضور أفواههم دهشة مما سمعوه من نائب الرئيس السوري الأستاذ "عبد الحليم خدام" في محاضرة له بعنوان "الوضع السياسي العربي" ألقاها في جامعة قطر يوم 6 من كانون أول الجاري، عند ما وجّه انتقادات شديدة إلى "النظام السياسي العربي الذي لم يعط الشعوب حقها في صنع مستقبلها مما أوجد حالة تعسف في السلطة ضد أفراد وجماعات" . كما حذر مِنْ "أنه إذا استمر هذا القهر والظلم والشعور بالمذلة والفقر، وإذا لم تجر مراجعة للأوضاع فسينمو التطرف".

ومع أن أكثر الحاضرين كانوا من غير السوريين، لكن معرفتهم بالأستاذ "خدام" على مدى ثلث قرن، شغل نصفه وزيرا للخارجية والنصف الآخر نائبا أولا لرئيس الجمهورية، جعلت البعض، وهم يعرفون "البئر وغطاءه"، يتساءل عن الباعث الذي دفع الأستاذ "خدام" إلى التنديد "بهذا القهر والظلم والشعور بالمذلة والفقر"؟.

أما من حضر من السوريين فقد تساءل عما إذا كان هذا التنديد حقيقيا ولا يقتصر على دول عربية بعينها، بل يشمل سورية أيضا؟ وعندها بمَ سيجيب الأستاذ "خدام" بمن سيقول له: كيف ذاك وأنت واحد ممن يصنعون القرار السياسي في سورية؟.

بل إن بعض الحضور من المطلعين على ما يجري على الساحة السورية "فركوا" أعينهم حتى يتأكدوا أن المحاضر هو نفسه الأستاذ "خدام"، الذي شن ،قبل ثلاث سنوات، حملة شعواء على نشطاء المجتمع المدني، الذين دعوا إلى الإصلاح السياسي وتصحيح الأوضاع في سورية في ما سمي في حينه "ربيع دمشق"،وأُلقِيَ بعشرة من صفوة هؤلاء النشطاء ،بعد محاكمات صورية، في معتقلات الرأي في سورية.

وهؤلاء يؤكدون أن سجل نائب الرئيس السوري لا يبشر بخير بحيث يمكن أخذ خطابه على محمل الجد. ويعيدون إلى الأذهان سلوكه القريب أثناء محاولة تعديل الدستور اللبناني للسماح للرئيس اللبناني "إيميل لحود" بتمديد مدة رئاسته لثلاث سنوات، عندما خرج علينا الأستاذ "خدام" نفسه ليندد بالدعوات التي أطلقتها المعارضة السورية لتعديل المادة (8) من الدستور السوري التي قصرت الحياة السياسية على البعثيين فقط، ومكنت لحزب البعث من احتكار الحكم في سورية خلال أربعة عقود.  

وبعيدا عن إساءة الظن والتشكيك في نوايا نائب الرئيس السوري يبقى التساؤل مشروعا حول حقيقة أن يتنبه مسئول ،مارس التعسف ضد الآخر، إلى وجود "حالة تعسف في السلطة ضد الأفراد والجماعات"، بل ولا تزال حالة التعسف قائمة، ثم لا يعمل هذا المسئول على إلغاء "حالة التعسف" تلك، وهو في موقع متقدم في مراكز صنع القرار، وإلا فإن كلامه لن يخرج خارج قاعة المحاضرات.

بعض المراقبين يعتبرون موقف السيد "خدام" من نشطاء المجتمع المدني "هفوة" منه عن غير سابق مثال، على الأقل في عهد الرئيس بشار الأسد، ويذكرون بدوره في تقريب وجهات النظر بين الأحزاب القومية والحركات الإسلامية على الساحة السياسية العربية. 

غير أن هناك مراقبين آخرين،وإن رحبوا بانتقاده "النظام السياسي العربي الذي لم يعط الشعوب حقها في صنع مستقبلها"، يعتبرون ذلك القياس بعيدا، ويعتبرون سلامة الخط القومي أمرا لازما ولكنها غير كاف، ولا يبرر التعسف مع المواطنين.

وكما اعتبر السوريون إطلاق 112 معتقلا سياسيا سوريا ،الذي تم مؤخرا، خطوة جيدة، وفي الاتجاه الصحيح. ولكنهم يعتبرونها خطوة واحدة على طريق الألف ميل، وستبقى معزولة ويتبدد أثرها سريعا من نفوس السوريين إذا لم تتبعها خطوات أخرى مهمة. لأن توزيع الماء بالقطارة على السوريين لن يروي العطشى ولن ينبت الكلأ. كما أن السعي وراء خطوات إعلامية تبقى غير ذات جدوى طالما أن الواقع المعاش يراوح في مكانه المتعثر، هذا إذا لم نقل أنه يتراجع إلى الوراء، وهو ما يؤكده الاستمرار في اعتقال آخرين مما يبقي الحالة النفسية لدى المواطن السوري في أزمة.

سجلت هذه الخواطر وأنا أطلع في كل يوم تقريبا ممن غادر القطر السوري على المعاناة التي يكابدها أهالي كثير من المعتقلين السوريين، بعد أن انقطعت أخبار أولادهم عنهم.

الذين يطلق سراحهم بالعشرات وخلال بعض المناسبات يؤكدون أن من بقي في المعتقلات لا يتجاوز المئات، بينما هناك أسر أكثر من عشرة آلاف مفقود ما تزال تعيش في حلم أن يقرع بابها يوما ما لتستقبل عزيزها الذي انقطعت أخباره. لكن الصمت الرسمي لا يبشر بخير.

 ولعل أقسى ما في هذه المأساة، أن أهالي المفقودين لا يعرفون هل مفقودوهم  في عالم الأموات، فيقبلون العزاء بهم، وتتزوج زوجاتهم ويقسم إرثهم،؟ وإن كانوا أحياء فقد بلغت مدة اعتقالهم أكثر من عشرين سنة وهي مدة الحكم المؤبد، ويستحقون أن يفرج عنهم.

وننهي هذه العجالة ، وقد قصرتها على مأساة المعتقلين السوريين وذويهم، بالعودة إلى ما ورد في خطاب الأستاذ عبد الحليم خدام في الدوحة، ونحن نتمنى أن يكون ما جاء فيه بداية جديدة لتصويب المسيرة وتصحيح الأخطاء. غير أن الدلائل كلها تؤكد أنه من نوع الخطابات الخشبية التي تملأ إرشيف وزارة الإعلام،وأن رموز حزب البعث في سورية ما يزالون يقولون ما لا يفعلون!.

الطاهر إبراهيم   كاتب سوري يعيش في المنفى