زوبعة "صينية" في فنجان العلاقات الأمريكية الإسرائيلية!

 

 

    عبد اللطيف مهنا

 

تثور هذه الأيام زوبعة في فنجان العلاقات التحالفية، بل شبه العضوية، بين الولايات المتحدة وإسرائيل. كان من الممكن أن يقيّض لها أن تظل في حكم المكتومة باعتبارها قد تخدش هذه العلاقات الوثقى، وأن لا تتردد خارج أروقة البنتاغون ووزارة الحرب الإسرائيلية، بيد أنه كان لها حظاّ من التسريب ربما بعض المدروس، وربما غير المرغوب، لتدور هذه الزوبعة فيما يشبه الأزمة، فتغدو مثاراً للجدل على صفحات الصحف الإسرائيلية أكثر من الأمريكية، كما وتجد صداها في أروقة الكونغرس الأمريكي، بحيث تصبح على أجندة بعض لجانه.

إنها ما يقع تحت مسمى أزمة أحدث الأسلحة المتطورة المصدرة إلى الصين من قبل إسرائيل ومن وراء ظهر الولايات المتحدة الأمريكية ودون علم منها... تبدأ الحكاية ببيع تل أبيب خمس طائرات تجسس هجومية متطورة من دون طيار، تستخدم ضد الأهداف المعادية الحسّاسة، مثل محطات الرادار، ووسائل مختلف أجهزة المراقبة وبأنواعها، وتنتهي بعودة هذه الطائرات مرة أخرى إلى مصدرها الإسرائيلي بغية الترميم وإعادة التأهيل، حيث طلبت الولايات المتحدة من حليفتها المدللة الاحتفاظ بها وعدم إعادتها إلى الصين، وبررت واشنطن طلبها هذا بمنطق يقول أن مثل هذه الأسلحة قد تشكل خطراً على أمنها، وإنه كان يجب على تل أبيب التشاور المسبق مع الولايات المتحدة قبل بيعها، الأمر الذي لم يحدث، وعليه فإن إسرائيل قد خرقت في هذه الحالة اتفاقاً قائماً بين الطرفين حول عدم بيع مثل هذا النوع من الأسلحة المتطورة، التي، كما أشير، قد تضر عملية نقلها أو بيعها لدول غير صديقة ومنها الصين بأمن الولايات المتحدة، ولعل الأسوأ أنها فعلت ذلك دون علم حليفتها، الأمر الذي يعني أنه لن يقلل من ضرر ذلك، وقد حدث ، سوى عدم إعادة هذه الطائرات إلى الصين، وفق ما جاء في الطلب الأمريكي المشار إليه.

ويزيد من حنق الولايات المتحدة حيال هذه الأمر، أن إسرائيل لا تقابلها بالمثل في هكذا حالات، إذ أن تل أبيب سبق وأن طلبت مراراً من الولايات المتحدة عدم بيع أي نوع من الأسلحة، بما في ذلك التقليدية منها، إلى العرب، على سبيل المثال، ترى فيها ما يهدد أمنها، أو قد يتسبب في الإخلال بالتوازن في القوة المائل أبداً لصالحها. وقد استجابت الولايات المتحدة مراراً لذلك، الأمر الذي حدث عكسه تماماً من جانب إسرائيل في هذه الصفقة الإسرائيلية الصينية التي نحن بصددها. وحيث يقول الأمريكان، أن الإسرائيليين لو شاورونا في الأمر ٍلأكّدنا عليهم عدم الإقدام على ذلك،  يذكّرون الحليفة المدللة العاقّة بأن الأوروبيين مثلاً سبق وإن استجابوا منذ عام لرغبة الولايات المتحدة بالمساهمة من قبلهم في ضرب نوع من الحصار التسليحي ضد الصين... بماذا يرد الإسرائيليون؟

لعل جلّ ما يزعج الإسرائيليين في الأمر هو كون هذه الطائرات المطلوب عدم إعادتها لمشتريها قد غدت عملياً تشكل جزئاً من المنظومة الدفاعية الصينية، وعليه فإن عدم إعادتها سيعني نشوب أزمة صينية إسرائيلية لا محالة، وهذه الحالة لا تريدها تل أبيب التي تسعى بدأب للزحف شرقاً في علاقاتها الاستراتيجية المنشودة باتجاه توثيقها بالقوى العالمية الأسيوية الصاعدة مستقبلاً، مثل الصين والهند، وذلك سيراً على خطى ما يعرف  بالمؤسسين ومنهم بن غوريون، الذي التقط اللحظة المناسبة بعيد الحرب العالمية الثانية لينقل تحالفه الأوروبي غرباً عبر الأطلسي، أي إلى الولايات المتحدة الوريثة المقبلة في حينه للإمبراطوريات الأوروبية الاستعمارية الآفلة. كما يقلقهم الإصرار الأمريكي على ما يطلبونه منهم، وعليه يرون أن الحكاية، وفي كلا الحالتين: أأعادوا الطائرات إلى مقتنيها الصيني من عدمه، سوف تلحق ضرراً بهم، لا سيما وأن اللوبي المعادي للصين في الكونغرس الأمريكي قد بدأ في التحرك، إذ شُكّلت لجنة خاصة لبحث الأمر، فقد كان مما ورد في توصياتها: أن مثل هذه الأسلحة المتطورة المباعة من قبل إسرائيل إلى الصين قد تتسرب أو تجد طريقها إلى الدول المارقة، وتحديداً كل من إيران وكوريا الشمالية، كما أنها قد تصيب بخطرها الجنود الأمريكان المدافعين عن تايوان في حالة وقوع عدوان صيني محتمل عليها. ويزيد التقرير فيقول: إن ضرر تلك الطائرات الخمس من دون طيار، أي مدار الأزمة ومثار الجدل الراهن، في حالة إعادتها إلى الصين، قد يلحق أيضاً بالسفن الأمريكية التابعة للأساطيل المتواجدة في المحيطات والبحار المجاورة... أما بماذا يردّ الإسرائيليون؟

فبجملة من التبريرات التي تسربت إلى الصحافة الإسرائيلية فحازت على سخريتها من تلك التبريرات أو كانت مثاراً للتندر بها، من ذلك مثلاً: محاولة إنكار أن هناك اتفاقاً أصلاً بين الطرفين حول عدم تصدير الأسلحة المتطورة إلى طرف ثالث قد يشكل خطراً على أمن الولايات المتحدة، وفي نفس الوقت القول بأن الطائرات المعنية ترتكز في صناعتها على التكنولوجيا الألمانية المتعاونة مع الإسرائيلية وليس التكنولوجيا الأمريكية، وعليه ليس ثمة خرقاً للاتفاق الذي ينكرونه أصلاً... ولعل المفارقة هنا أنهم، وهم يقولون مثل هذا حول صفقة طائرات "هارفي" مجال الجدل الراهن، يتناسون أنهم قد سبق وأن باعوا طائرات "الفالكون" أمريكية التكنولوجيا والمنشأ إلى الصين، حيث ادعت تل أبيب في حينه أنها قد أبلغت واشنطن بالصفقة في الوقت المناسب! بل هناك من المعنيين الإسرائيليين من يسرب للصحافة قولاً مثل: إننا أخبرنا واشنطن "ولكنهم لم يفهمونا لسبب ما"!!!

ويمكن إضافة إلى ما تقدم الإتيان بمسلسل من سوابق أخرى من ذات العيار مثل: بيع صواريخ "باتريوت" إلى الصين نفسها، وكذلك صواريخ أخرى متطورة، والذي انتهى ببيع "الفالكون" التي ورد ذكرها.

وهنا يقتضي التنويه بأننا لا نعالج تجارة الأسلحة الإسرائيلية بشكل عام، والتي لها نصيب وافر مما تدعى السوق السوداء الدولية للسلاح، ولا الصفقات السرية التي يعقدها سماسرة سلاح إسرائيليون ذوي ماضي وانتماءات "موسادية" اشتهرت أسماء كثيرة من بينهم، والذين يجوبون العالم بحثاً عن زبائن، وإنما نقصر حديثنا على الصفقات الرسمية و"الصينية" تحديداً. 

وعودة إلى موضوعنا هذا، لعل أطرف الحجج الإسرائيلية الأقرب إلى التندر هي ما يرى بعض الإسرائيليين من أن الحكاية "الصينية" برمتها تكمن ورائها محاولات تآمرية من قبل  المخابرات التايوانية التي تسعى لدق إسفين بين الحليفين الولايات المتحدة وإسرائيل، والأكثر طرافة قول البعض أن هذا العتب الأمريكي عالي الوتيرة مرده ربما بعض الإحساس بالغيرة لدى الصناعات الأمريكية من نظيرتها الإسرائيلية!

...والآن ما هي سبل الخروج من هكذا الأزمة، أو إلى أين ستقود مثل هذه الزوبعة التي قلنا إنها تثور في فنجان العلاقات الأمريكية الإسرائيلية الراسخة؟!

رسمياً، حاول الإسرائيليون حصر الخلاف بين وزارتي الحرب لدى الطرفين، وسعوا جاهدين إلى عدم إعطائها بعداً سياسياً، وبذلوا ما استطاعوا للالتفاف على ذيولها وتداعياتها ما أمكن، بل عمدوا حتى إلى تصوير الأمر برمته وكأنه نزاع شخصي بين دوغلاس فيث نائب وزير الدفاع الأمريكي ومدير عام وزارة الحرب الإسرائيلية عاموس يارون، الأمر الذي يعني أنه ربما يتم تقديم رأس يارون ككبش فداء على مذبح المسألة توطئة لطيها، وهذا هو الأغلب أو الأكثر ترجيحاً وفق ما يؤشر عليه الجدل الدائر، لكنه مع ذلك سوف لا يحجب هزالة منطق دافع الخلاف الشخصي المزعوم المراد تسويقه... لماذا؟ لأن دوغلاس فيث نفسه، ومعه بول وولفيتز النائب الآخر والنافذ لوزير الحرب الأمريكي، وهما الأكثر لوماً لإسرائيل على مثل هذه الصفقة، لا يحتاجان، باعتراف الإسرائيليين أنفسهم، لمن يبرهن على ولائهما الشديد لإسرائيل ودعمها الكامل والدائم لها، ولا أيضاً لعدائهما المعروف للصين وتشددهما حيالها. وخلاصة الأمر أن المنطق الإسرائيلي، الذي يبدو منه حتى الآن على الأقل، أنه لا يرى في الموقف الأمريكي من الأمر أكثر من نوع العتب الصاخب، أو الذي يبدو أنه المطمئن إلى تجاوز الغضبة الأمريكية، حتى لكأنه لا يعبأ كثيراً بها، قد أثار انتقاد حتى صحيفة هآرتس الإسرائيلية التي حذرت من التمادي في مثل هذا المنطق، وعلّقت على ذلك ساخرةً بأن الجانب الإسرائيلي يبدو وكأنه ينظر إلى الأمر وكأنما هو ليس سوى جدل ناشب حول بيع بعض المنتوجات الزراعية، وأننا، حياله، والقول للصحيفة، "نعتمد على أصدقائنا الأمريكيين للانتهاء من المشكلة"!

...مرة أخرى هذه الزوبعة إلى أين؟

لا شك أن فنجان العلاقات الأمريكية الإسرائيلية التحالفية شبه العضوية سوف يمتصها، ولسوف تذهب كما ذهب سواها أو ما شابهها من أزمات بين الطرفين، فهي على أية حال الأمر الذي لم يحدث لأول مرة، وعلينا أن لا ننسى مثلاً: حادثة قصف المدمرة الأمريكية "ليبرتي" إبان حرب 1967 في عرض البحر الأبيض المتوسط، التي ثبت لاحقاً أنها كانت عملية مقصودة من الجانب الإسرائيلي، وقصة الجاسوس بولارد الذي، كما يقول الأمريكيون، قد ألحق أفدح الضرر بالأمن الأمريكي، والذي لا زال يقبع في السجون الأمريكية، وتجري بين حين وآخر مساومات بين الطرفين حول الإفراج عنه وتهجيره إلى إسرائيل، وصولاً إلى حكاية آخر الجواسيس الإسرائيليين المكتشفين في قلب البنتاغون المعروفة، أي الذي سرّب معلومات أقمار التجسس الأمريكية السرية الثمينة حول إيران إلى تل أبيب...

لعله غيض من فيض زوابع لا تفسد للعلاقة التحالفية شبه العضوية ديمومة وثباتاً...

ويبقى ما يهمنا، بل ما يجب أن يقلقنا نحن العرب، وهو ما تكشف عنه هذه الحكاية الزوبعة، أي هذا الزحف الإسرائيلي الاستراتيجي شرقاً باتجاه أولئك الواعدين بالحلول محل الآفلين غرباً في مستقبل ليس بالبعيد!