أمريكا تتعقب مناهضي الصهيونية قي حربها

  الاستباقية على حركات التحرير الوطني       

 

 

بقلم : رجاء الناصر

بتوقيع الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن على قانون( تعقب معاداة السامية في العالم ) يوم الثامن من تشرين الأول 2004 تكون الولايات المتحدة الأمريكية قد وضعت علاقتها مع الصهيونية في مرحلة متقدمة ، وهي تشكل نقطة تحول هامة لا تقل عن الاعتراف الولايات المتحدة الأمريكية بالكيان الصهيوني أو عن عقد وثيقة التحالف الاستراتجي بين البلدين . فموجب هذا القانون تكون الولايات المتحدة قد جندت نفسها للدفاع عن الصهيونية كفكرة وعن اليهود كدين، وعن الكيان الصهيوني كدولة ذات طموح استراتجي في المنطقة العربية وعلى المستوى العالمي.وهي حالة تجاوزت الدفاع عن القيم الأمريكية .والدين المسيحي الذي يدين به معظم الأمريكيين .

رغم خطورة هذا القانون على الأمة العربية و على العالم الإسلامي و على الإنسانية جمعاء بما يحمله من عنصرية فاضحة . إلا أن الدول العربية لاذت بالصمت ومعها معظم الدوائر الإسلامية ، وهيئات حقوق الإنسان والقوى الديمقراطية بما يبدو وكأنه حالة تسليم مطلقة واعترافا بالعجز عن القدرة على مقاومة الإرادة الأمريكية حتى لو تجاوزت تلك الإرادة كل المعايير والقيم ومصالح  الدول والشعوب المستهدفة بهذا القانون .

الأخطر من ذلك أن بعض الدول استبقت الفترة المحددة لتطبيقه وهي ستة أشهر من تاريخ التوقيع عليه ، فأخذت بالتمهيد لتطبيقه عبر الضغط على هيئات وجمعيات ولجان مناهضة الصهيونية ، والسعي لحصارها تمهيدا لحظرها .كما بدأت الإدارة الأمريكية بتوجيه الإنذارات لبعض الدول العربية تطالبها بمنع نشاط القوى المناهضة للصهيونية وكل الأعمال والتعابير التي نعتبرها القانون الأمريكية الجديد جزءا من معاداة السامية .

 بالعودة إلى القانون المذكور نجد في مقدمته محاولة لإعطاء تحديدا لطبيعة الأعمال التي تعتبر معادية للسامية والتي تطالها العقوبات المنصوص عنها فيه ،                                                                                

حيث نجد أنها تشمل التصريحات السياسية التي تنتقد إسرائيل على غرار تصريحات لرئيس الوزراء الماليزي السابق محاضر محمد والتي جاء فيها : أن الصهيونية باتت قوة عظمى تسيطر على العالم وأنه على العالم الإسلامي التكتل ألمواجهتها ، ومثل : كتابة عبارات تساوي الصهيونية بالنازية . ومثل الرسوم الكاريكاتورية التي تنتقد قيادات الكيان الصهيوني في الصحف العربية وكتابات ضد الصهيونية واليهود وإسرائيل ،وأعمال تخريب لمنشآت يهودية وأعمال عنف ضد إسرائيليين ،ويهود ومثل إخراج مسلسلات على غرار ، فارس بلا جواد والشتات ، والتي تركز على ما اسماه القانون بأكذوبة  بروتوكولات حكماء صهيون .

من هذه المقدمة نجد أن معاداة السامية تشمل توجيه أي نقد مهما كان مبرره للفكر الصهيوني , ولممارسات الكيان الصهيوني وقياداته . وهي حصانة لم تعط لأي جهة كانت ولأي رمز ديني بما فيه بابا الفاتيكان أو حتى لرموز مقدسة مثل الأنبياء أو حتى للذات الإلهية , والتي يحصن من يتعرض لها , كما في كتاب آيات شيطانية والذي اعتبر صيانة لحق الفكر الإنساني .

ونحن هنا عندما نتحدث عن قانون تعقب معاداة السامية يجب أن ننتبه إلى ذلك الإصرار الأمريكي على حصر السامية بأبناء الديانة اليهودية وبني إسرائيل دون جميع أبناء المنطقة وشعوبها التي تنتمي بدورها إلى سام بن نوح , وهذا الموقف شديد العنصرية ليس لأنه يحتكر الانتماء التاريخي لبعض الجماعات وينفيها دون سند تاريخي عن جماعات أخرى , ولكن لأنه يتضمن نفياً لانتماء تلك الشعوب والجماعات غير اليهودية إلى أصلها , وهو تماماً ما فعله هتلر باليهود الذين أخرجهم من دائرة التصنيف البشري ونقاوة الأعراق .

مخاطر هذا القانون تقوم على مجموعة من الاعتبارات .

أولها : أنه يرتقي إلى كونه قانوناً دولياً , ليس بفعل صدوره عن هيئات دولية جامعة , ولكن بسبب أنه موجه أساساً لخارج أمريكا أي يهدف تعقب ومعاقبة الأفعال المعادية للصهيونية والتي تجري على النطاق العالمي . وهو يتعدى ذلك إقليمية القوانين أي انحصار تطبيق القوانين الصادرة عن الدول فوق ترابها الوطني أو على الذين يحملون جنسية الدولة فيما يعرف بالاختصاص المكاني للقوانين . والسبب الآخر . أن الولايات المتحدة أصبحت شرطي العالم وصاحبة القرار الأول فيه , بما يعني أن تطبيق هذا القانون ممكن واقعياً إذ أن الكثير من الدول ستجد نفسها مرغمة على تنفيذه مالم تقرر تحدي الولايات المتحدة الأمريكية

ثانيها : أن القانون وضع آلية لتنفيذه عبر تشكيل آليات التعقب من خلال مكاتب خاصة ملحقة بوزارة الخارجية وبالتالي بالسفارات التابعة لها , مما يعطيه من دور تعقبي لتلك السفارات داخل الدول التي تقام فيها , وعبر التزام الدول بابداء على منعي النشاطات الشعبية المعارضة وما تقوم به لمواجهتها , وهذا يحمل دعوة صريحة لتلك الدول لمحاربة القوى المناهضة للصهيونية ومنعها من ممارسة حقها في التعبير عن الرأي , وهو ما يتناقض بشكل مباشر مع الدعوة المعلنة للإصلاح السياسي والديمقراطي التي ترفعها السياسة الأمريكية .

ثالثها : إن الكثير من النظم العربية بدأت بتهيئة نفسها للتعاطي الايجابي مع السياسة الأمريكية وتقديم التنازلات لها ولو كانت هذه التنازلات تأتي عبر ( البوابة الصهيونية ) كما أن بعض المثقفين الذين يرفعون راية مناهضة النظم الاستبدادية أصبحوا مستعدين للدخول في بوابة التنافس للحصول على الرضا الأمريكي .

ويبقى السؤال , كيف نواجه هذا القانون ؟ في ظل هذه الظروف ؟ وهو سؤال تقتضي الإجابة عليه عملياً من خلال تحصين سياسيات وجماعات مناهضة الصهيونية عبر المزيد من الالتفاف حولها , وتعزيز ثقافة المقاومة ومكافحة العنصرية الصهيونية ,وإزالة أية التباسات بين إمكانية تحقيق الديمقراطية عبر الاستقواء بأمريكا أو تقديم التنازلات لها , أو من خلال ذلك الفصل الوهمي بين الصهيونية وبين الصهيونية المسبحية الجديدة والتي تجسدها مراكز صنع القرار في الولايات المتحدة الأمريكية .