الأكراد والمشكلة الكردية في سورية

 

باسل العودات/ وكالة الأنباء الإيطالية (آكي)

 

لايستطيع أحد أن يعطي رقماً دقيقاً لعدد الأكراد في العالم، وكل ما يذكر في هذا المجال هو تقديرات قد تكون قريبة من الواقع لكنها لا يوثق بها إجمالاً، ذلك أن البلدان التي يتواجد فيها الأكراد وهي تركيا وإيران والعراق وسورية لا تعطي الأرقام الصحيحة لعددهم، ولأن إحصائياتها لا تتضمن الأصل الإثني أو الديني للمواطن، وفي ضوء ذلك تتعدد التقديرات، خاصة بين الأرقام التي تقدمها هذه الدول وتلك التي يقدرها الأكراد أنفسهم، وغالباً ما تشير التقديرات الحيادية إلى أن عدد الأكراد في جميع بلدان العالم يبلغ حوالي ثلاثين مليون نسمة، منهم حوالي ستة عشر مليوناً في تركياً وستة ملايين في إيران وخمسة ملايين في العراق ومليون ونصف في سورية ونصف مليون في بلاد الاتحاد السوفييتي السابق وثلاثة أرباع المليون في البلدان الأوروبية.

تقدر السلطات السورية عدد الأكراد من مواطنيها بمليون نسمة (عدد سكان سورية 18 مليوناً)، بينما تصل تقديرات الأكراد لهذا العدد إلى مليونين وأحياناً إلى مليونين ونصف، ومن المتعذر الوصول إلى رقم صحيح ودقيق لعدم إجراء أي إحصاء لهم على الإطلاق، ولأن قسمأً منهم ينتشر بين السكان الآخرين وليس على شكل تجمع يمكن تقدير عدده، كما هو الحال في مدينة دمشق مثلاً، التي نسي معظمهم لغتهم الأم وتقاليدهم، ولايمكن الآن سوى إطلاق صفة (من أصول كردية) عليهم لأن غالبيتهم ذابت في المجتمع الدمشقي وتعربت كلياً، والأمر نفسه في المدن الرئيسية، ذلك انهم يتواجدون فيها منذ ألف عام، خرجوا خلالها عن تقاليدهم الثقافية وهويتهم القومية ودخلوا في تقاليد السكان العرب الآخرين وثقافتهم.

تقع التجمعات الكردية الرئيسية في سورية في مناطق ثلاث رئيسية المنطقة الأولى شمال شرق سورية (القامشلي، الحسكة، عامودا، القحطانية، المالكية، عين العرب)، والتجمع الثاني في منطقة عفرين (جبل الأكراد) شمال حلب، وهاتان المنطقتان تقعان على الحدود السورية التركية، والسورية العراقية، أما التجمع الثالث فهو في مدينة دمشق (حي الأكراد)، وينتشر بعضهم في المدن الأخرى ولا يسكنون في تجمعات أو أحياء محددة، وإنما يختلطون بالسكان الآخرين.

لم تكن للأكراد مشكلة خلال التاريخ، لا في فترة الدولة العربية الإسلامية ولا في مرحلة حكم المماليك ولا أيام الدولة العثمانية، ذلك لأن الدولة كانت إما إمبراطورية وإما تقوم على نظام إمارات (إثنية أو دينية)، وبدأت المشكلة الكردية تبرز منذ نهاية الدولة العثمانية واتفاقية (سايكس بيكو) التي قسمت بلاد الشام المتحررة من الحكم العثماني إلى دول هي سورية والعراق ولبنان والأردن وفلسطين ووضعت حدوداً جديدة للدولة التركية بعد انهيار الإمبراطورية العثمانية، وقد وعد البريطانيون القادة الأتراك بإعطائهم دولة بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى وانهيار الإمبراطورية العثمانية، إلا أن اتفاقيات الصلح والاتفاقيات الأخرى التي أعقبتها أبقت كردستان مقسمة بين تركيا وإيران والعراق وخرج الأكراد من اللعبة دون أن يستفيدوا شيئاً.

كان عدد الأكراد في سورية بعد انتهاء الحرب الأولى قليلاً ولا يتجاوز المائة ألف موزعين على المناطق الثلاث التي أشرنا إليها، ومع بدء محاولاتهم الحصول على حقوقهم القومية في تركيا والعراق وإيران وبعد قيام جمهورية (مهاباد) الكردية في إيران بعيد الحرب الثانية وثورة البرزاني في العراق، أخذ الأكراد السوريون يطالبون بحقوق ثقافية وقومية، وأدت هذه المطالبة إلى نشوء حذر وريبة لدى الحكومات السورية المتتابعة، وبدأت المشكلة الكردية في سورية تنمو وتكبر وتزداد تعقيداً.

من المهم ملاحظة أن الأكراد كما قلنا لا يشكلون في سورية تجمعاً في منطقة جغرافية واحدة، كما أن مناطقهم ليست على صلة جغرافية بكردستان، وهذا الأمر أعطى مبررأ للحكومات السورية أن لا تتعامل مهم كتجمع  قومي من جهة كما سهل لها التضييق عليهم وعدم الاعتراف بحقوقهم من جهة أخرى. وبالنتيجة لم يتم الاعتراف بلغتهم أو بتدريسها ولم يسمح لهم بإقامة مدارس خاصة بهم، كما لم تفتح أمامهم أبواب وظائف الدولة كما يجب وخاصة في المناطق الشمالية الشرقية من سورية وأهملت مناطقهم ولم تشهد تنمية كغيرها من المناطق السورية، وزاد الأمر سوءاً هجرة عديد من أكراد العراق وأكراد تركيا إلى سورية بسبب الثورات هناك هجرة غير شرعية فتكدس الآلاف منهم في سورية دون أن يحصلوا على هوية سورية أو يعاملوا كالسوريين، وبعد بناء سد الفرات وغمر أراض زراعية رحّلت السلطات سكان المناطق المغمورة من الفلاحين العرب وأسكنتهم في مناطق جديدة تفصل الحدود التركية عن مناطق الأكراد في سورية. وهو ما سمي (بالحزام العربي) وكان ذلك أحياناً على حساب السكان الأكراد الأصليين، وتفاقمت المشكلة الكردية وبرزت كما يلي:

وجود عشرات الآلاف منهم بدون جنسية (يقدر الأكراد عددهم بمئتي ألف وتقدره السلطات السورية بثلاثين ألفاً. ولم يبتّ حتى الآن بوضعهم المأساوي، فلا يسمح لهم بالتوظيف في مؤسسات الدولة ولا يعاملون كمواطنين سوريين، مع أنهم يخدمون العلم (الخدمة العسكرية) ويحملون شهادات دراسية سورية، وكل ذلك دون أن يحصلوا على الجنسية.

عدم السماح للأكراد بتدريس لغتهم في المدارس الخاصة أو العامة، وعدم إصدار صحف أو مجلات بهذه اللغة.

يضيّق عليهم في حقوقهم الثقافية الأخرى (أعيادهم الخاصة أو مناسباتهم الخاصة) أو ممارسة نشاطاتهم الثقافية الخاصة بهم، ونتج عن هذا نشوء تيارات متطرفة داخل مجتمعاتهم، ازداد تطرفها وغلوها حتى أصبحت تقول بأن منطقتهم التي يعيشون فيها هي كردستان الغربية، وأنهم تحت الاحتلال السوري، وأخذوا يطالبون بحقوق (قومية) شأن إخوانهم في كردستان العراق أو تركيا مع أن وضعهم في سورية يختلف جذرياً عن هؤلاء أقله أنهم لا يعيشون في منطقة جغرافية واحدة على تماس بكردستان العراق.

تأسست في المناطق الكردية السورية أحزاب عددية بلغت إثني عشر حزباً جميعها غير مرخصة، وبعضها لا يتجاوز عدد أعضائه بضعة أفراد، وهناك حزبان أو ثلاثة أحزاب رئيسية معتدلة جميعها، تطالب بالحقوق الثقافية للأكراد السوريين ولا تنادي بحقوق قومية بالمعنى الإيديولوجي والسياسي.

تتعاون هذه الأحزاب مع قوى المعارضة السورية، خاصة وأن المعارضة السورية تنادي بالاعتراف بالحقوق الثقافية للأكراد، ولكنها ترى أن حل المشكلة الكردية يكون بالحل الديموقراطي في سورية، وأن الوصول لنظام ديموقراطي كفيل بحل مشاكل الناس عرباً وأكراداً لأن المظالم تقع على الجميع من مختلف الاثنيات.

ازداد التوتر والاحتقان لدى الأكراد كما وازدادت صلتهم بالأحزاب الكردية العراقية بعد احتلال العراق عام 2003، وازداد إصرارهم على المطالبة بحقوقهم من جهة وتطرفهم في مطالب برامجهم السياسية من جهة أخرى، وفي الوقت نفسه ازداد حذر النظام (وحذر المواطنين العرب) منهم وتجاههم، وفي ضوء ذلك فقد أدت مباراة في مناطقهم بين فريقي كرة قدم إلى شجار بين مشجعي الفريقين قادت إلى تدخل قوات الأمن وسقوط قتلى واعتقال أعداد كبيرة منهم، ثم انتقلت المشكلة في الأيام التالية إلى مناطق سكناهم في دمشق، وازداد عدد المعتقلين وقد أفرج عن بعضهم ومازال حوالي (200) معتقل منهم في السجون، أحيلوا إلى محكمة أمن الدولة.

لقد بذلت الأحزاب الكردية الرئيسية وأحزاب المعارضة جهوداً كبيرة لتهدئة الحال، وصدرت عن السلطة السياسية مؤشرات عديدة تنم عن الاعتدال، فقد صرح رئيس الجمهورية بشار الأسد أن الأكراد (جزء أساسي لا يتجزأ من النسيج السوري والوطني والسياسي والتاريخي) وهذا ما أرضاهم إلى حد بعيد، وعدت السلطة بحل مشكلة الذين يحملون جنسية وتسهيل دخول  الأكراد وظائف الدولة وتنمية مناطقهم وإعطائهم الحقوق المدنية كغيرهم، والاهتمام بحقوقهم الثقافية، ولكن لم تصدر إجراءات فعلية لتنفيذ هذه الوعود.

كانت العلاقات بين الأكراد والعرب دائماً طبيعية، وكان منهم في سورية رؤساء دولة ووزراء وقادة وضباط كبار ونواب وسياسيون، فليس هناك رفض مسبق لهم ولحقوقهم، ولعل مشكلتهم في سورية تفاقمت بعد تفاقم مشكلتهم في دول الجوار، إلا أن حقوقهم الثقافية كانت منقوصة دائماً.

من المهم التذكر أن أهم زعماء الثورة السورية ضد الانتداب الفرنسي التي أوصلت سورية إلى الاستقلال كان كردياً وهو الزعيم (إبراهيم هنانو) وأن أهم القادة الذين واجهوا الغزوات الصليبية كان كرديأً وهو (صلاح الدين الأيوبي).

في كل الحالات، تبقى المشكلة الكردية محدودة في سورية ولكنها إن لم تواجه حلاً عادلاً ومعقولاً سوف تتفاقم كما يرى المراقبون، ولو حلت مشكلة الذين لا يحملون جنسية وفتحت لهم أبواب الوظائف وتم الاعتراف بحقوقهم الثقافية ونفذت خطة تنمية شاملة في مناطقهم لتلاشت هذه المشكلة.