ابراهيم عبد المجيد:

 

لا يكمن تصور إبراهيم عبد المجيد من دون الرواية

جذر الكوارث كلها سببه غياب الديمقراطية

نظم عربية لا تقف وراءها شعوب، و شعوب ليس لديها كوادر للعمل السياسي

ليس لديّ أقل أمل في أي  نظام عربي

 

 

أجرى الحوار: على ديوب

 

 

ابراهيم عبد المجيد من مواليد اسكندرية. سنة  1973 نال شهادة الفلسفة. و في نفس العام رحل الى القاهرة، ليعمل في وزارة الثقافة. تولى الكثير من المناصب الثقافية, آخرها رئاسة تحرير سلسلة ( كتابات جديدة)، لمدة خمس سنوات. و اصدر عشرة روايات, منها (المسافات, الصياد و اليمام, العشق و الدم, البلدة الأخرى, بيت الياسمين, لا أحد ينام في الاسكندرية, طيور العنبر, و برج العذراء) . كذلك نشر له خمس مجموعات قصصية (الشجر والعصافير, اغلاق النوافذ, فضاءات, سفن قديمة, و ليلة انجينا).

ترجمت (البلدة الأخرى) الى الانكليزية و الفرنسية و الالمانية. كما ترجمت (لا أحد ينام في الاسكندرية) الى الانكليزية و الفرنسية. و (بيت الياسمين) الى  الفرنسية. و سوف تصدر الترجمة الانكليزية  لطيور العنبر هذا العام.

          حاز على جائزة نجيب محفوظ، من الجامعة الامريكية في القاهرة 1996 عن روايته البلدة الأخرى. و اختيرت روايته لا أحد ينام في الاسكندرية كأحسن رواية لعام 1996 في القاهرة.

و هو يعمل حاليا مديرا عاما لمشروع أطلس الفلكلور المصري- مشروع يعنى بجمع التراث الشعبي المصري, ويتبع وزارة الثقافة.

تواعدنا في مقهى ريش، و كان هذا الحوار:

* لفترة التكوين في حياة المبدع أهمية خاصة؛ فهي من جهة تحتوي على منابع تشكل الشخصية المبدعة، و من جهة ثانية تضيء منطقة التفاعل و التأثر بين  كل من المبدع و معاصريه و بين المؤثرا ت البيئية و الاجتماعية.. هل تحدثنا عن تلك الفترة؟

** في الطفولة . إذ يبدو من حسن حظي أن والدي  كان رجلا متدربا  يعرف الكثير من القصص? (القرآن بصورة أساسيه), فكانت حكايته لنا عن الأنبياء والصحابة, و أبطال السيرة الشعبية.. تراث شفوي ضخم كان يمتاز به، نظراً لمنشئه الريفي..

و لما كان حفظة القرآن يعفون من الجندية ( و كان هذا قبل الثورة), و قد كانت خدمة شديدة الصعوبة- حتى ان الكثير من الريفيين كانوا يلجأون لخلق عاهات في أجساديهم ليهربوا  من الجندية؛ و كان والدي كان حافظا للقرآن , فقد أعفي من هذه الخدمة الشاقة.. هو لم يكن يعمل في الدين , لكنه كان يحمل تربية دينية تدفعه لتربيتنا  بالقصص الديني( في الأماسي) ، بدلا من طقوس الجن والعفاريت.

اضافة إلى ذلك كان يحب الرواة الشعبيين , فكان كثيرا ما يصحب معه عازف ربابة , حتى  يحقق لنا جوا اكتفائيا خاصا، يحمينا من اللجوء  الى الشارع.

من جهة  ثانية كان  يحب الرسم, اذ كان  يزيّن  و يملأ كراساتي بالرسوم.

في ذلك الحي القديم، حينا، كان يقطن الكثير من الفقراء الغرباء المحملين بالقصص والحكايات, و كان والدي يصحبني إلى جلساتهم، لأكون الولد الوحيد بينهم.. ؛ و هذا كان يتيح الفرصة للطاقات الروحية والمواهب الكامنة في داخلي لأن  تخرج  الى النور، دونما خوف.. ما منحني حرية في التعبير والكلام  والحركة.

المدرسة ايضا كانت مهمة، نظرا لراحة التعليم( وجود عدد قليل في الفصل - 15 على الأكثر ) اضافة الى ما كانت  تشتمل  عليه من انشطة ثقافية وهوايات, منها الشعر, الخطابة, الرسم, النحت, الموسيقى.. على يد أساتذة, الذين يملكون غنى مزدوجا. و لحسن الحظ أن الذين درسوني العربية كانوا من محبي الأدب، و المحدثين عن أعلامه الكبار. و كان المنهاج المدرسي يتضمن حصتين( مطالعة حرة) اسبوعيا، فيهما نقرأ بحرية، ثم يحكي كل منا  للآخر عما قرأ.. و هو ما كان يعطينا جميعاً فرصة الإفادة المضاعفة، في الإلقاء والإصغاء.

و كانت المدرسة تقوم برحلة اسبوعية( يوم العطلة/ الجمعة) إلى السينما، منذ  الابتدائية. و هذا ساعد على فتح و تخصيب خيالاتنا الطفلية، و زودنا بالجرأة في التقاط الصورة وتمثلها.

و علاوة على ذلك فقد كان الحي الذي أقطنه, مثل كل الأحياء المصرية سابقا، يحتوي على سينما شعبية- هي سينما مصر- و كنت من المواظبين يوميا على دخولها.. و كان هذا يتاح لنا مجاناً، أحيانا!

في  مناخ كهذا، كان لابد للطاقات والمواهب الكامنة لديّ و لدى كثير من زملائي أن تنطلق؛ فمن لم  يصبح منهم أديبا، غدا مشهورا في حرفة ما.

هذا التنوع الرخي: سينما، قراءة، لعب كرة، و شطرنج، و مطالعة؛ و غير ذلك الكثير مما كنت أشعر بالشراهة و النهم و الإدمان عليه، من ضروب التمتع المبكر و الذي كنت أجد الوقت الكافي له كله ... مكنني من أن أعيش فترة المراهقة بيسر و سهولة- كبقية أبناء مرحلة تمتاز بالرومانسية.

*  و إذن من أين، و كيف ولد ذلك الطفل الرافض، في داخلك؛ من أين نبع توقك للتحرر?

** الواقع الذي تحدثت عنه كان جميلا، لأنني  كنت طفلا. و ليس بالضرورة لأنه كان جميلا.. فعندما دخلت عالم القراءة اكتشفت انه عالم فقير جدا, و لا يليق بهؤلاء الناس، الذين يستحقون ما هو أفضل- و الذين كنت أكتبهم، بحب, لأنهم لم يكونوا، باعتقادي، مسؤولين عن هذا الواقع. و قد كانوا سعداء، لأنهم كانوا يخلقون عوالم أخرى  من خيالهم..!

و لعل هذا لم يكن ليحدث قبل المرحلة الثانية من حياتي- مرحلة النضج الكلي- و التي أعقبت التقائي بأشخاص ماركسيين.. و بالمناسبة كانت تلك مرحلة صعبة، لأنها أعقبت هزيمة 1967 التي كشفت لي أن هذا الواقع مؤلم, ينخره السوس.. و كان  هذا يعني لي شيئا قاسيا, عرى أحلام جيلي، و كشفها أنها كلام في الهواء.. ؛ إذن: لقائي  بالماركسيين- صدفة-  دفعني لإعادة قراءة الواقع على ضوء المنهج الماركسي.

في الجامعة، رغم الميول الماركسية, إلا ان الفلسفة الوجودية استحوذت عليّ بسرعة( كدارس للفلسفة).. و وجدت أن فكرة الاغتراب- الفكرة المحورية في الماركسية- هي نفسها موجودة في الفلسفة الوجودية، و لكن لأسباب أخرى.

أدركت قلق الاغتراب، من دون التفسيرين الماركسي والوجودي.. و ان حياتي  تحفل به.. و لذلك تعتبر فكرة الاغتراب محورية في اعمالي. فأبطالي غير متوافقين  مع المكان و لا الزمان. عندهم صبوات و رغبات اكبر من طاقاتهم المادية.. و هذا هو ما يسبب لديهم الشعور بالاغتراب، و التأزم الروحي.

* عادة ما يضيع الإبداع تحت أقدام محاربي القضايا الكبرى؛ هل استطعت النجاة بنفسك وسط النقع؟

** في أعمالي القضايا الكبرى  ليست مباشرة, انما هي عناصر في تكوين الشخصيات، من أجل عرض قضايا اكبر.

ربما كانت روايتي الاولى( في الصيف  1967) مكرسة- كما هو واضح من عنوانها- لإعادة تقييم ما أتت به النكسة؛ لكن رغم ذلك فهذه الرواية حملت حوارا عن العالم  و الوجود، هو اوسع من السياسة. ففيها من شعر الحلاج، و غيره، الكثير... إذن من البداية القضايا الكبرى موجودة، و لكن الى جانب، و بالتماذج مع قضايا الحياة اليومية, و هذا ما ظهر بشكل اوسع في روايتي الثانية( المسافات)، التي احتلت فيها قضايا الوجود المكان المحوري, و اصبحت السياسة و القضايا الكبرى  روافد خفيفة.. فهي رواية مكان طارد للبشر- كأنها بحث عن فردوس مفقود.

* هل قدمت لك مدينتك( الاسكندرية) أكثر مما قدمت لها?

** لم أشعر أنها قدمت لي، و لا أشعر أني قدّمت لها؛ أنا أكتب عنها لأنني ممزوج  فيها. و لا أجد فصلا بيني و بينها. فأنا لا أكتب لأني أريد ذلك؟ بل لأني و إياها شيء واحد, و اذا كان ثمة فضل لأحد الطرفين فهو للاسكندرية, و ليس لي. انا ولدت فيها لكنها هي التي صنعتني: تاريخها، حاضرها، ملاهيها، ناسها، و ثقافتها.. كل هذا كون ابراهيم عبد المجيد.

* المستجدات التي تأخذ في تغيير ملامح العالم، بل تعيد صياغته في الجوهر؛ هل تولد فيك أملاً من أي نوع?

** ليس لديّ أي أمل في أي نظام عربي على الإطلاق؛ ( وأظن سؤالك لا يذهب فلسفياً في تقصي الأمل على وجه الإطلاق). و قناعتي مبنية على حقيقة أن العمل الوحيد، الذي عملت الأنظمة العربية من أجله، هو ترسيخ لحظتها، من خلال  تأبيد الواقع الميت، ضماناً لبقائها، و استمرارها في الوجود. صحيح ان بعضها عمل نهضة في الاقتصاد أو التعليم او الصحة.. لكن مادام لا توجد ديمقراطية, فإن كل هذا يظل في مهب الريح.

كنت أتصور أن الأنظمة بعد الهزيمة ستأخذ درسا، مما حدث في مصر . ففي مصر كانت هناك نهضة متكاملة في الستينات، و لكن لم تكن هناك ديمقراطية، فحلت الهزيمة؛ و الانظمة العربية الأخرى كررت المأساة.. مرة ومرات.. و آخرها ما حدث في العراق, أو ما يحدث الآن في ليبيا، حيث نجد أن الحاكم, بعد أكثر من ثلاثين سنة من هدر أموال الشعب على مشروعات عسكرية و مغامرات غرائبية .. يذهب بنفسه ليطلب من الغرب ان يأتي ويفكك كل الصناعات الحربية، لديه، قبل ان يحدث له ما حدث للعراق!؟

السؤال الآن: لماذا كانت هذه الانفاقات على حساب الشعب؟ ربما لو كانت هناك ديمقراطية، لكان قدر الشعب بذاته الكيفة الأفضل، و الأساليب المناسبة لهذه الإنفاقات، و سواها... حتى تفرد السادات في الذهاب للصلح المنفردا مع اسرائيل, ما كان يمكن أن يحدث- على الأقل بهذه الكيفية- لو كان هناك ديمقراطية حقيقة، يتمتع بها المجتمع؛ كان يمكن ان يكون لهذا الصلح شكل أفضل.. لن أقول لك رفض الصلح.. مثلا كان يمكن للسياسة الاقتصادية الجدية في مصر، منذ السادات، أن تكون أفضل.. كان يمكن للانفتاح أن يظهر العناصر الحقيقية, و ليس اللصوص  و مهربي الأموال..الخ.

يمكنك أن تأخد البلدان العربية أمثلة، فتجد أن كلا منها يصلح للتعبير عن البقية.. و تجد أن جذر الكوارث فيها كلها سببه غياب الديمقراطية.

* هل طالك اليأس من وجود إمكانية عربية داخلية للتغير؛ و إذن هل توافق الدعوات التي تجاهر بطلب التغيير " بيد عمرو"؟

** أشعر أنه ليس  ثمة أمل  في القريب العاجل ، لسبب آخر لا يتعلق بالأنظمة  فقط، و لكن يتعلق بالشعوب نفسها. فالشعوب العربية فقدت- أو كادت- الرغبة في العمل السياسي، بعد ان قامت الانظمة بتحطيم قدراتها على المعارضة, و مطاردة  الأحزاب المعارضة بالسجون و القتل و التشريد.. الخ. و هذا يجعل تلك الشعوب بحاجة الى وقت، حتى تدب فيها روح المعارضة- مرة أخرى. و لك أن  تتصور الوضع، الآن، الذي استطيع تلخيصه بالآتي: نظم عربية لا تقف وراءها شعوب، و شعوب ليس لديها كوادر للعمل السياسي!

* و لكن المستجدات الآن جعلت من الواقع العربي مهزلة، أقرب إلى اللغز: أقصد أن الكثير من دعاة الديمقراطية باتوا يحذرون من خطورة نتائج تطبيق الديمقراطية و الانتخابات الحرة في البلدان العربية؛ لأن المؤهل للفوز بأي انتخابات ديمقراطية، هم أعداء الديمقراطية!؟

** هذا صحيح للأسف , بعد أن قامت الحكومات بضرب العقلانيين و اليساريين على مدى خمسين سنة. أنظر الآن الى المملكة السعودية، التي أفرزت كل هذا اليمين، هي اليوم مستهدفة من اليمين نفسه. و لكني، و رغم ذلك أقول: الديمقراطية، و ليس العنف، هي الحل مع هذا اليمين. فهناك أصوات- أغفلت الإشارة إليها في سؤالك-  يقول أصحابها أن الديمقراطية تستطيع ان تعدل نفسها بنفسها. قد تأتي باليمين. صحيح، و لا بأس. إذ يمكن لهذا اليمين ان يأخذ وقته، و يعرف الناس مساوءه في الحياة اليومية.. و هذا حق طبيعي. و صدقني رغم هذا فالديمقراطية لن تأتي باليمين 100% ، فالناس تستطيع ان تأخذ دورها لاحقا. و مادامت هي التي اختارت حكامها بالانتخاب و الطرق الديمقراطية، تستطيع ان تسقطهم بعد ذلك... لكن المشكلة ان الحكام يأتون بالانقلابات او بالوراثة, و يقولون للشعوب: نحن نعلمكم, و يعطون الحريات بقدر ما تسمح لوجودهم في السلطة!

الشعوب لا تنضج إلا من خلال التجربة، و ليس من خلال الحاكم و أفكاره الملهمة. فحالنا، الذي نحن فيه، هو نتيجة استئثار الحاكم بقرار السياسة؛ و أعتقد أننا لسنا بحاجة إلى دليل أكثر وضوحاً مما هو حادث الآن في بلادنا.

و عندما أقول ديمقراطية أعني نظام انتخاب حقيقي، يشمل السلطة- ابتداء من الجمعيات الأهلية و النقابات و غيرها، حتى رئاسة الجمهورية.. عندما كتبت رواية( لا أحد ينام في الاسكندرية) عدت للصحافة، في أربعينات القرن الماضي، فوجدت فيها أشياء نحلم فيها الآن- مثلاً: انتخاب البلديات، و مجالس الأحياء و النوادي، و.. غيرها. صحيح أن الاستعمار كان موجوداً في ذلك الوقت، و أن النتائج لم تكن مرضية، لكن النظام الديمقراطي يمكن أن يكون مرضياً؛ حتى لو حمل إلى الحكم من لا نريده- لأن إمكانية التغيير تظل قائمة.

* أشخاص رواياتك ممسوسون بجنون خفي، يكشف طيبتهم و عمقهم معاً؛ هل هم أنبيائك المنتظرون؟

** الممسوسون في رواياتي هم كذلك بسبب من عدم توافقهم مع المجتمع. فهم أشخاص أكثر براءة من غيرهم. لا يستطيعون تحمل كل هذه القسوة، فيخرجون إلى مدار كوني آخر يرتاحون فيه.

* أنت اليوم مشغول بكتابة الدراما التلفزيونية؛ ما الذي دفعك إليها: سهولتها أم فائدتها؟ و هل تفضلها كخيار نهائي؟

** للدراما أهمية تكمن في أنها أسرع و أوسع وسيلة للاتصال بالناس العاديين، و هم في بيوتهم. لذلك اتجهت إليها مؤخراً. و هناك سبب ثان هو أنني فضلت ان أكتب بنفسي سيناريوهات رواياتي- توفيراً للوقت الذي يستغرقه الكتاب الآخرون. و للحيلولة دون الوقوع في خلافات. إضافة إلى أنني شعرت بالقدرة على كتابة السيناريو.

كل هذا جعلني أتوجه إلى الدراما، و لكن دون أن أهجر الرواية، التي أحبها. و لا يكمن تصور إبراهيم عبد المجيد من دونها؛ فمؤخراً صدرت لي رواية جديدة بعنوان ( برج العذراء)، عن دار الآداب بيروت، و قبلها بأسابيع صدرت لي في مصر مجموعة قصصية بعنوان ( ليلة أنجيلا).