لا كراسي ولا وزارات ولا من يحزنون..

بل سوريون مشردون وفي السجون

 

بعد سبات إعلامي عميق ،خلال ما يقرب من أربعة عقود،استيقظ الشعب السوري المحروم من حق التعبير، على بواكير نهضة إعلامية حقيقية، ولكن خارج نطاق الإعلام الحكومي الرسمي، الذي كان يكتفي بأناشيد تمجد الإنجازات الوهمية. و شهدنا في السنوات الأربع من العقد الأول من القرن الواحد والعشرين كماً من أرباب القلم المتميزين في الساحة السورية.

وقد كان الوضع خارج سورية أحسن حالا، بسبب انفتاح الكتاب السوريين المعارضين على ساحة حرة من دون حسيب أو رقيب على خلاف ماكان يجري على الساحة السورية التي كانت تشكو من القمع والمنع وانعدام الهامش الديموقراطي خلال عقود أربعة مضت.

ويمكننا القول ،دون أن نكون مبالغين، أن المواقع الإلكترونية السورية،مختلفة المشارب والميول ،استطاعت أن تفتح نوافذ إعلامية عديدة أمام الشباب السوري المتعطش إلى هكذا نشاط، بعد أن سبقه أقرانه من العرب في البلدان المجاورة بأشواط بعيدة.

وقد استطاع جهاز الكمبيوتر ،الذي أصبح ،وإلى حدٍ ما، في متناول شرائح كبيرة من الشباب السوري المثقف، أن يكون آلة طيعة في أيدي هؤلاء المثقفين، وأصبح الإنتاج اليومي لهم على المواقع الإلكترونية، يستعصي على الإحصاء، ولا تكاد القراءة والمتابعة تغطي إلا حيزا ضيقا من إنتاج هؤلاء المثقفين.

وفي هذا الجو الإعلامي الخصب نبتت كفايات أدبية شابة أغرقت المواقع الإلكترونية بسيل من الإنتاج الفكري والأدبي كادت تضيق تلك المواقع على استيعاب هذا الإنتاج، وحتى رأينا موقعا مثل "أخبار الشرق" الذي يصدره معهد الشرق في لندن لا يستطيع نشر المقال إلا بعد أكثر من نصف شهر من وصوله إليه.

وإنه لمما يبعث على السرور أن نجد مواقع إلكترونية ،لها خط ونهج فكري معين، لا تجد بأسا في نشر مقالات تهاجم هذا الخط الذي تلتزمه تلك المواقع مثل موقع "مركز الشرق العربي" ذي التوجه الإسلامي في لندن،وموقع "الرأي" ذي التوجه اليساري، وموقع جماعة الإخوان المسلمين في سورية... وغيرها كثير.

واستطرادا فإن كاتبا سمّى نفسه "د. عارف عبد العليم" نشرت له "كلنا شركاء" في 17 كانون أول الجاري مقالا تحت عنوان "ما هذه التجارة"، يهاجم جماعة الإخوان المسلمين و"مشروعها السياسي لسورية المستقبل".ومع ذلك فإن موقع هذه الجماعة لم يجد غضاضة بإعادة نشر هذا المقال ،الذي يهاجمها هجوما عنيفا، في نفس العدد الذي نشر فيه هذا المشروع يوم 18 كانون الجاري.

وعليه فإنه عندما تكون الغاية نبيلة، فلا يضر أن يتم نشر حتى المقالات التي تهاجم الهيئات والأشخاص إذا التزمت قضيتان لا بد منهما وهما:صحة التهم وعدم الإسفاف والهبوط المزري، وذلك حتى لا يخرج الأمر من ساحة الأدب والفكر إلى ساحة السباب والشتائم.

 ومن هذا المنطلق فإن نشر نتاج كتاب وأدباء ومفكرين مرموقين،يعمل على إتاحة الفرصة أمام كفايات سورية كانت حتى وقت قريب لا يسمع لها صوت أو يقرأ لها مقال، فقد كان كل شيء مؤمما في سورية الحبيبة حتى الكتابة.فقد تغير الأمر بعد شيوع خدمة الإنترنت في سورية على ضيق مساحتها، إذا قورنت ببلد فقير الموارد مثل الأردن، ونقول مع المثل السوري: " البشكرة أو العمش أهون من العمى".

ويبقى أن نقول أنه لا يجب قصر النشر على المبدعين فقط،بحيث تحجب مقالات من كان نتاجه متواضعا. فكما أتيحت الفرصة لمن ذكرنا من قادة الرأي والفكر والأدب، فينبغي إتاحة الفرصة –كنوع من المساواة بين أبناء الوطن الواحد- للناشئين تشجيعا لهم ، والكاتب لا يصبح مبدعا بين عشية وضحاها.

لكن هناك من لا يجيد من الكتابة إلا مسك القلم وتسويد الصفحات بكلام، لا يمكنك أن تخرج منه بفائدة، وبعضه أقرب إلى السباب والشتائم منه إلى أي شيء آخر. وياليته كان كلاما استقام على لسان العربية التي يزعم بعض من يسوّد الورق أنه يؤمن بها وبرسالتها.

ولعل من هذا الصنف الأخير الأستاذ "عارف عبد العليم"، الذي وضع قبل اسمه دال ونقطة (د .) ظنا منه أنهما يسمحان له بأن يُدرَج في صفوف الكتاب. وقد حاولت أن لا أستبق الحكم حتى أصل إلى نهاية ما جاء في كلامه تحت عنوان "ما هذه التجارة؟ الذي نشرته "كلنا شركاء" يوم الجمعة 17 كانون أول "ديسمبر" الجاري كم أسلفت. ولولا أنه ذكر في بدء كلامه أنه اطّلع على " المشروع السياسي للاخوان المسلمين الصادر في لندن ؟!" لما عرفت عن أي شيء يتكلم صاحبنا عارف عبد العليم (وقبله دال ونقطة).  

وسأجهد نفسي حتى أجمع بعض الأفكار المتناثرة في كلامه، وهي جمل متناثرة لا يكاد يربطها رابط سياسي أو فكري أو أدبي. وحتى جمله مفككة وأفكاره مشوشة، تذكرني بالأفكار التي تحتويها اعترافات المعتقلين السياسيين بعد أن يكونوا قد أخضعوا للتعذيب بأجهزة الكهرباء "12 فولط"، أو على بساط الريح أو وهم محشورون داخل "دولاب جنط 14" في المعتقلات والسجون التي يشرف عليها أباطرة التعذيب في الدول العربية الثورية"، وبعد هذا "الحمّام" الثوري، يطلب من هؤلاء المساكين أن يعترفوا، فيتكلمون مشرقين ومغربين خوفا من العودة إلى تلك الأجهزة التي لا ترحم.

أولا: يخاطب الأخ عارف –وليسمح لي أن أزيل الكلفة معه وأسميه باسمه المجرد من دون دال ونقطة- من يسميه "فاروق" فيقول: "واقول له ليس هكذا تؤكل الكتف يا فاروق، ما هكذا يتعامل مع الشأن السوري، ويكفينا مهاترات وتجارات خاسرة وتنطع وتَحَدّث وانتم تنعمون في ارض الفرنجة كما تقول كتبكم". القارئ المسكين لا يعلم من هو فاروقٌ هذا سوى أنه رئيس المكتب السياسي، ولم يقل لنا الأخ عارف أين سمع أو قرأ كلام فاروق هذا؟ ولم يقل لنا ماذا قال هذا الفاروق حتى يستحق هذا الهجوم عليه سوى أنه ذكر أسماء أعضاء الوفد المفاوض. ويعيب عليه أنه سمى الحكم السوري نظاما، و.. و...

ثانيا: يتابع الأخ عارف موجها كلامه إلى "فاروق" هذا فيقول: "أما ما جنيتموه على السوريين من التشرد والضياع والسجن...الخ وتبعثرهم واكتشافهم المتأخر لحقيقة تجارتكم وطلبكم الكراسي ؟! لماذا لا تقولون طلباتكم على الحقيقة من الوزارات التي اردتموها ؟!". ومن دون أن يدري الأخ عارف فقد انزلق لسانه إلى كلمة الحق وذكر ما يقاسيه السوريون من التشرد والضياع والسجن...، ولكنه تذكر فزعم أن السوري هو الذي شرد نفسه وهو الذي أضاع نفسه وهو الذي سجن نفسه في سجون المخابرات. ودعني أرد عليك أنا يا أخ عارف، لأقول لك ما هي طلباتنا من  الوزارات فهي:

نريد الوزارة التي تمنح جوازات سفر لأولادنا الذين ولدوا في بلاد الغربة، بعد أن حرمتهم منها القنصليات السورية في عمّان وجدة والرياض والدوحة والمنامة ومسقط والكويت وأبو ظبي، وفي كل دول العالم التي يوجد فيها منفيون سوريون. وقد حرموا الدراسة لأنهم بحاجة إلى جوازات سفر تمكنهم من مغادرة البلدان التي رضيت ،كرما منها وشهامة، أن يقيموا على أرضها بجوازات سفر منتهية، ولو سمحت لهم بالمغادرة فلن تستقبلهم أية دولة أخرى.

نريد الوزارة التي تحمي "أمن" المواطن، وتوقف أجهزة الأمن عند حدودها، فلا تتطاول علينا وتمنعنا من العودة إلى سورية التي حرمنا نحن وأطفالنا من العودة إليها. ومن عاد فقد أرغم على دفع الفدية المغلظة ومقدارها نصف مليون ليرة سورية. ومع ذلك فهو ينزل إلى سورية ويعود منها على خوف من ضابط المخابرات وملأه.

نريد الوزارة التي تحول السجون والمعتقلات إلى معاهد وجامعات يدرس فيها أبناء المعتقلين، بعد أن يطلق سراح آبائهم من تلك السجون التي مزجت حياة زوجة المعتقل وأبنائه وأبيه وأمه وأخوته بالمرارة والألم.

نريد الوزارة التي تلغي قانون الطوارئ وتمزق قوائم الممنوعين من السفر وتزيح الكمامات عن أفواه الصحفيين والكتاب، وترفع الوصاية عن الشعب السوري. وقبل ذلك كله تلغي القانون 49 لعام 1980 سيء السمعة والصيت الذي يحكم بالإعدام على مجرد الانتماء إلى جماعة الإخوان المسلمين. الهموم وفيرة والوزارات التي نحتاجها لمعالجة تلك الهموم كثيرة. 

ثالثا: ذكر الأخ عارف في أكثر من مكان المفاوضات التي جرت بين الإخوان المسلمين وبين النظام السوري، وذكر أن هناك عرضا مغريا قدمه الرئيس حافظ الأسد: "...أأذكر لك العرض المغري الذي قدمه الرئيس الراحل لكم بشأن عودتكم ووعْده برعايته لهذا الشأن وكيف تم رفض أو قبول المضي معاً...". وبالرغم من الصيغة الركيكة التي وردت، إلا أني فهمت منها أنه كان هناك عرض من النظام السوري للإخوان المسلمين، ولكنه لم يذكر فحوى هذا العرض. أم لعل الأخ عارف يريد منا أن نشتغل بالتنجيم لنعرف ما هو هذا العرض إن كان هناك حقا عرض.

أخيرا هناك الكثير مما يمكن أن يقال بشأن المفاوضات التي جرت بين الإخوان المسلمين وبين السلطة، ولكن على من يتصدى لهكذا موضوع أن يصدر عن معرفة ويقين، وإلا سيضع نفسه في موضع النقد، وسيكون عندها يهرف بما لايعرف.

تحياتي للأخ د. عارف، وليعتبرها "فشة خلق"، لأني سأكتفي بذلك وأمد يدي مصافحا له. كما أني أسمح له بالرد الذي ير يد، ولن أعقب عليه مهما كان رده قاسيا حفاظا على صلة الرحم بين أبناء الوطن الواحد، وكفى الله المواطنين شر الخصام.

الطاهر إبراهيم  كاتب سوري يعيش في المنفى