جدل الإسلام والحداثة في التجربة التركية (*) (2)

الدكتور عبدالله تركماني

التداعيات على المستوى الإقليمي

من الواضح أنّ تيار الإسلام السياسي، على المستوى الإقليمي، يتمتع بثقل سياسي مؤثر مقارنة بالقوى السياسية الأخرى في دول المنطقة، مهما اختلفت درجات التسامح والتضييق على هذا التيار، وهو مايستحق قدر من التأمل والدراسة للتعامل مع هذه الظاهرة، خاصة وأنها تعبر عن تطلعات قطاعات واسعة من شعوب هذه المنطقة من العالم .

كما أنها تفرض على التيار الإسلامي العديد من الاستحقاقات، خاصة في مجال تطوير أطروحاته وأساليبه في العمل السياسي، وربما يكون النموذج التركي المعتدل والذي يمثله حزب " العدالة والتنمية " نموذجا هاما في هذا المجال، خاصة وأنه اكتسب العديد من الخبرات العملية على مدى السنتين الأخيرتين في نطاق التعامل مع قواعد العمل السياسي، واستفاد من خبرات إسلامية أخرى .

وهناك عدة فرضيات لتفسير تزايد الإقبال على الأحزاب الإسلامية في العالمين العربي والإسلامي في الظرف الراهن، والمتميز بحدة الأزمة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي يعرفها هذا الإقليم الممتد من الرباط إلى كابول . وهذه الفرضيات هي محاولة اجتماعية - سياسية لتفسير تطلعات قطاعات عريضة من الرأي العام العربي والإسلامي : إذ بات من الواضح أنه يعيش " فوبيا " الهوية،  أي ذلك الخوف الكبير وحتى المرضي على الهوية والانتماء، وجزء من هذا الخوف مفهوم بالنظر إلى التحولات العالمية التي حملتها موجة التغيّرات العالمية التي جاءت مع العولمة معززة بالتطور الهائل في وسائل الإعلام وتكنولوجيا الاتصال، والتي أصبحت تسوق نمطا يكاد يكون وحيدا في الثقافة والقيم وأنماط العيش والسلوك . أما الحقيقة الثانية في موضوع الخوف على الهوية يجيء من توظيف سياسي وحزبي لواقع الأزمة من قبل الحركات والتيارات الاسلامية التي تعاني من فقر شديد في الرؤى الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية البديلة، بالإضافة لغياب تصور واقعي وعقلاني للمشاكل القائمة، فتلجأ إلى توظيف مصادر الانتماء الأولى وعلى رأسها الدين . وبالفعل فقد أثمر هذا التوظيف، في مناخ الخوف على الهوية، تأييدا واسعا وسط الرأي العام للحركات الدينية، وإن كان لا يتقاسم معها كل تفاصيل البرنامج والرؤية للمجتمع وللعالم .

 ومن هنا، يجب أن تكون تجربة وصول الإسلاميين إلى الحكم في تركيا بمثابة تجربة مفيدة ومثمرة بالنسبة لبعض الدول العربية، بل يجب على قادة التيارات الإسلامية، وأيضا التيارات القومية واليسارية والليبرالية، متابعة هذه التجربة التركية التي حدثت في بلد علماني، لكي تمنحهم دروسا وعبرا تساعدهم في عملهم السياسي المستقبلي . إذ أنّ هذه التجربة توضح أهمية طرح مقترحات واقعية وعملية تتناسب مع العصر الذي نعيش فيه وتداول مصطلحاته وعدم القفز فوق واقعه، وعدم التخفي وراء الشعارات الواسعة والطنانة كأسلمة المجتمع وطرح صيغة الدولة الإسلامية، وفرض الحجاب علي النساء والمطالبة بالرجوع إلى دولة الخلافة .

ويبقى أن نستخلص بعض العبر من هذه التجربة التركية التي تثير، بشكل مباشر، جدل الإسلام والديمقراطية، بل جدل الإسلام وكل مكوّنات الحداثة :

(1)                - النظام الديمقراطي السلمي هو وحده القادر على إحداث التغيير، ونجاحه في تركيا يدحض ويسفِّه الاتجاه الذي يعتمد العنف والإرهاب، والمؤامرات لإعداد الانقلابات كوسائل للتغيير .

(2)                - إنّ الحركات الإسلامية التي تؤمن بالإسلام السياسي وتنزلق إلى العمل بأساليب غير ديمقراطية تضل سبيلها، ومن واجبها أن تراجع تصوراتها ومفاهيمها وطرائق عملها وتتأقلم مع متطلبات الحداثة، وتندمج في مجتمع الواقع السياسي وتقبل التعاون مع مؤسساته . كما عليها أن تنأى عن إيمانها بأنها وحدها مالكة الحقيقة، بما يجعلها تجاهر غيرها بحملات الإقصاء والتنديد وأحيانا تتصدر أحكام التكفير على المجتمعات .

إنّ المثال الأفضل جاء من إعلان حزب " العدالة والتنمية " التركي أنه يقبل العلمانية التي لا تناهض الدين، وينخرط في أعماق المجتمع التركي ويتعامل ويتعاون مع المؤسسات الدستورية .

والسؤال هو : كم يلزم الإسلام السياسي العربي من تحولات وهزات ثقافية واجتماعية وزلازل سياسية حتى يفهم أنّ عليه أن ينقلب على أفكاره وتصوراته ومفاهيمه المحنطة عن الماضي والحاضر والمستقبل، وعن الدولة والمجتمع والفرد، وعن المرأة والطفل والحريات الشخصية، وعن الفلسفة والفكر والفن والأدب، والحريات العامة .

أوليست المجتمعات العربية والإسلامية في حاجة ملحة وعاجلة إلى دولة تقوم على الحق والقانون، فتكتسب المجتمعات في ظلها المناعة والقوة وتستعيد بفضلها الثقافة الإسلامية حيويتها وتقوم بتجديد نفسها ? . ربما أنّ ما نشهده من بروز عصر الإسلام العلماني - الديموقراطي في تركيا، هو المقدمة الأولى والضرورية لبزوغ فجر هذا النوع من الإسلام السياسي في كل العالم العربي .

التداعيات على المستوى العالمي

منذ سنة 1999 اتخذت قمة الاتحاد الأوروبي في " هلسنكي " قرارا بترشيح تركيا للانضمام إليه وإن لم يعلن القبول نهائيا، ولكنه يفتح الطريق عمليا أمام إدراجها إذا توافرت الشروط التي يطالب بها الاتحاد، ويضع في الوقت نفسه ضوءا في نهاية النفق الأوروبي الذي دخلته تركيا باختيارها قبل عدة عقود . ومنذ ذلك الحين والقوى السياسية التركية، المؤيدة للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، تدفع في اتجاه إقرار الإصلاحات المطلوبة سياسيا واقتصاديا، حتى تحقق جانبا هاما من تلك الإصلاحات التي استهدفت إطلاق وضمان كل الحريات الديمقراطية والسياسية التي كانت دائما سببا في بقاء تركيا خارج البيت الأوروبي .

وبوجه عام فإنّ الجدل داخل الاتحاد الأوروبي لم يحسم بعد حول خطر انضمام تركيا إلى الاتحاد : هل يمكن ضم تركيا ذات الثقل الديمغرافي المسلم، وهي الدولة التي لها حدود مشتركة مع عدة دول إسلامية، بحيث يصبح للاتحاد الأوروبي حدود مشتركة مع هذه الدول، بكل أزماتها ومخاطرها على الأمن الأوروبي في هذه المرحلة وفي المستقبل المنظور؟ .

وثمة عقلاء كثيرون في أوروبا يطالبون بعدم إبقاء تركيا في هامشية الاختلاف المطلق بحجة أنها إسلامية . وإذا ما انتصر صوت هؤلاء العقلاء، فإنّ تركيا ستؤثر إيجابيا على كل العالم الإسلامي، وبخاصة العربي . وسوف تدفعه باتجاه التحديث الفكري والسياسي، فما تفعله تركيا قد يقلده الآخرون عاجلا أو آجلا، وبخاصة إذا ما نجح في إخراجها من الفقر، وسوء التنمية، والتطرف الديني .

ومهما يكن من أمر فإنّ الشروط الأوربية للانضمام تقتضي الكثير من التعديلات في النظام السياسي، تؤدي إلى تصويب الديمقراطية وإلى التأكيد على حقوق الإنسان .  فلا شك بأنّ سعي تركيا لدخول الاتحاد الأوروبي لعب دورا هاما في ترويض المؤسسة العسكرية، وربما أيضا الرغبة الأمريكية في ظهور نوع آخر من الإسلام السياسي غير الإرهابي .

إنّ الالتحاق بالوحدة الاوروبية، بالنسبة لحزب " العدالة والتنمية "، ليس هدفا اقتصاديا فحسب، بل هو أيضا نوع من السعي إلى حسم السؤال الثقافي - الحضاري الذي أرّق تركيا منذ عهد التنظيمات العثمانية في منتصف القرن التاسع عشر . بل هو أيضا وسيلة للإصلاح الداخلي، فعبر الطريق الأوروبي ومعاييره يأمل قادة الحزب أن يصلوا إلى تحجيم دور المؤسسة العسكرية وإخراجها من الساحة السياسية، إضافة إلى توظيف المعايير الأوروبية في مجالي حقوق الإنسان وحقوق الأقليات لوضع نهاية لعدوان الدولة التركية الحديثة علي الدين والقومية الكردية .

وبذلك سنجد مجتمعا تركيا أكثر ديموقراطية وحرية وعدالة وأقوى اقتصادا وأقل فسادا وأكثر أمنا، وستنتج عن التجربة خبرة ثرية، ليس للمجتمع التركي والحركة الإسلامية التركية فحسب، وإنما لحركة الإحياء الإسلامي في العالم كله، وكذا السلام العالمي وجهود الحوار والتعايش بين الثقافتين الإسلامية والغربية، حتى لو لم تصل تلك التجربة إلى هدفها المؤمل وهو الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي .

كما أنّ الاتحاد الأوروبي سيستفيد من دخول تركيا، ليس بأقل مما ستستفيده تركيا من انخراطها فيه . كما سيستفيد أيضا من انخراط أقطار عربية في الشراكة الأورومتوسطية . ففي عهد نظام السوق، أو نظام العولمة الاقتصادية، ستنشأ سوق أوروبية كبرى للتبادل تستفيد منها جميع الأطراف وسيتنافس في التعامل معها الناشطون الاقتصاديون من سائر القارات .

وبالنسبة لأوروبا، فإنّ تركيا تعتبر دولة مركزية فيما يتعلق بالاستراتيجية الأمنية الأوروبية، ظهرت أهميتها خلال الحرب الباردة . وبعد انتهاء الحرب الباردة تعززت مكانتها أكثر وأكثر في أعقاب بعض القضايا الأمنية في آسيا الوسطى والبلقان، وبالإضافة إلى ذلك تمثل تركيا البوابة الشرقية لأوروبا التي تتحكم في تدفق المهاجرين، الشرعيين وغير الشرعيين، من أقطار عديدة تقع إلى جهة الشرق من القارة الأوروبية، وبالتالي فإن إبقاء العلاقات الحسنة بين تركيا وأوروبا يعتبر أمرا لا مفر منه بالنسبة للأخيرة .

ولكن يبدو أنّ دولا أوروبية مؤثرة عاقدة العزم على منع انضمام تركيا إلى ناديها الاقتصادي والسياسي، لأنها دولة إسلامية، ولهذا فإنّ تركيا تحاول أن تطرح بدائل أخرى، من أهمها محاولة إحياء الدور التركي الإسلامي، ولكنّ هذه البدائل ستصيب الأتراك بخيبة أمل كبرى، وتجعل من الصعب عليهم ابتلاع هذه الإهانة .

وفي هذا السياق، وجهت مجموعة من المثقفين الأتراك المعروفين عالميا تضم خصوصا الكاتبين ياسر كمال ونديم غورسيل، عشية انعقاد القمة الأوروبية يوم 17 ديسمبر الحالي، نداء إلى الرأي العام الفرنسي . وقال موقعو النداء : نعلن بالفم الملآن أنه من المؤسف أن تعتبر بلادنا أنها بعيدة جدا عن القيم العالمية والديمقراطية وذلك بسبب هويتها الإسلامية . وأضافوا : إنّ التاريخ أظهر لنا، بما فيه الكفاية، أنّ أية مبادرة لبناء هوية قائمة علي عزل من يعتبر أنه " مختلف " (...) انتهت دائما بالنسبة لأوروبا بمآسٍ كبيرة .

أما بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية فإنّ التحذير الذي وجهته إلى المؤسسة العسكرية التركية من مغبة استصدار قرار بمنع حزب " العدالة والتنمية " من المشاركة في الانتخابات لعام 2002، أظهر للأتراك أنها لا تمانع، وربما ترغب لأسباب تتعلق بالأجندة الأمريكية الخاصة بالمنطقة وبقضية الحرب على الإرهاب، في وصول الإسلاميين المعتدلين إلى السلطة في تركيا . فمن المؤكد أنّ تركيا، ذات الطابع الإسلامي، ستشكل قوة جذب لجمهوريات آسيا الوسطى، وتساعد على تنفيذ المخطط الاستراتيجي الأمريكي بعيدا عن الأطماع الروسية التي ما زالت تحاول ممارسة التأثير على هذه الجمهوريات . كما قد يشكل بداية حل لتهديدات الإسلام الاصولي في العالم العربي، فهذا الإسلام السياسي المعتدل من الممكن أن يكون نموذجا للتطبيق في الكثير من الدول الإسلامية، وبصفة خاصة الواقعة في ما يسمى بـ " الشرق الأوسط الكبير " .

وقد يكون مفاجئا أن نعرف أنّ صموئيل هانتينغتون، الداعية الأكبــــر لـ " صراع الحضارات "، خصوصا الحضارتين الغربية والإسلامية، هو في الوقت نفسه الداعية الأكبر لعودة تركيا إلى تزّعم العالم الإسلامي . ففي كتابه " صدام الحضارات " يطرح نظرية " الدول الممزقة " التي لا تعرف إلى أية حضارة تنتمي، ولكي تعيد هذه الدول تحديد هويتها الحضارية بنجاح، يجب أن تتوافر ثلاثة معطيات : أولها، أن تكون النخبة السياسية والاقتصادية داعمة ومتحمسة لمثل هذه الخطوة . وثانيها، أن يكون الشعب مستعدا - على الأقل - للخضوع إلى إعادة تعريف الهوية . وثالثها، أنّ العناصر المهيمنة في الحضارة المستضيفة، وهي في معظم الحالات الغرب، يجب أن تكون مستعدة لاحتضان هذا التحّول .

وبالنسبة الى تركيا الشرطان الأولان متوفران، بيد أنّ الشرط الثالث والأهم، وهو استعداد الغرب لاحتضان تغيير الهوية التركية، غير متوفر . وهو متأكد من أنّ تركيا ستبقى دولة ممزقة إلى أجل غير محدد . والحل ? لا مخرج، برأيه، سوى إدارة تركيا ظهرها للغرب, لتعاود ثانية لعب دورها كقائدة للعالم الإسلامي .

فهل يؤدي قلق الولايات المتحدة من تموجات المجتمعات العربية والإسلامية من جهة، وسعي الإسلاميين من أجل إيجاد حلول لمآزقهم التي ارتفعت وتيرة أخطارها بعد الانتقال من مواجهة الأنظمة إلى تهديد أمريكا في عقر دارها من جهة أخرى، إلى بحث الطرفين عن معادلة شبيهة بما حصل في تركيا ؟ .

وهكذا، فإنّ إسلاميي تركيا يبعثون برسالة بليغة، إلى كل حركات الإسلام السياسي، مفادها أنه يمكن تقديم الإسلام بصورة مختلفة عما يعرضه الأصوليون المتزمتون الذين يقدمون للعالم صورة متخلفة ومرعبة للدين الإسلامي . إنهم يتحدثون بلغة عصرية مفهومة ويعبرون عن أفكار متمدنة : فصل الدين عن الدولة، الديمقراطية وحرية العمل السياسي للجميع، كفالة حقوق الإنسان، المساواة بين النساء والرجال .

 

تونس في 14/12/2004                       الدكتور عبدالله تركماني

                                          كاتب وباحث سوري مقيم في تونس

 

(*) - في الأصل ورقة مقدمة إلى ندوة " الإسلام والديمقراطية : أسئلة العلاقة وآفاقها " التي عقد في تونس خلال يومي 15 و 16 ديسمبر/كانون الأول 2004 بدعوة من " المعهد العربي لحقوق الإنسان " و " مركز دراسة الإسلام والديمقراطية " و " منتدى الجاحظ " .