مقاربة حول محنة الأمة وضرورة مواجهة الذات العربية...ما العمل ...3...

 الدكتور عبدالله تركماني

 دخلنا بعد نهاية الحرب الباردة، وأكثر بعد أيلول/سبتمبر 2001، وخاصة بعد سقوط بغداد، في مرحلة جديدة تماما لم تعد أنساق التفكير النظامية تساعد في فهمها أو تخيّل مخارج ممكنة منها . إن القضايا التي ينبغي أن تكون محور تفكيرنا اليوم كثيرة جدا وتكاد تحتل جميعها مرتبة الأولوية، وهنا مصدر الصعوبة التي لا غنى لنا عن أن نواجهها بشجاعة . ونكتفي، هنا، من هذه القضايا بالعناوين الآتية، التي نقدمها في صيغة أسئلة وتساؤلات : ماذا أعددنا لكي نتعاطى مع حقبة ما بعد الحرب الأمريكية على العراق والتغيّرات الجيو – استراتيجية التي فرضتها، سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وخططا للحاضر والمستقبل ؟ ما هي الدروس التي ينبغي استخلاصها من الحرب، بدءا من مراجعة نقدية للماضي، وصولا إلى رسم خطة للحاضر والمستقبل ؟ هل تتوافر شروط حقيقية لصياغة مشاريع ديموقراطية للتغيير، تحول دون احتمال قيام مشاريع ظلامية أو حروب أهلية تغرق بلداننا في المزيد من التأخر والمزيد من الأزمات ؟ مَن هي القوى المؤهلة لصياغة تلك المشاريع الديموقراطية، وما هي أدواتها وما هي قدراتها على جعل تلك المشاريع قادرة على جذب الجماهير إليها، بعد كل الخيبات التي أُصيبت بها مشاريع التغيير في الحقبة الماضية ؟ ما هي إمكانات بلداننا، حكومات وشعوبا وحركات سياسية وثقافية، للالتحاق بالحركة العالمية المناهضة للحرب وللهيمنة الأمريكية، من أجل أن يكون لبلداننا مكان في صياغة مستقبل العالم ؟  ما فائدة الشعارات المضخمة إذا كنا لا نستطيع حمايتها، وما فائدة الأسلحة إذا كانت ستزول في أيام ؟  وهل تتعلم الحكومات العربية التي تمارس القمع بحق مجتمعاتها وشعوبها من تجربة العراق ؟  وهل تستطيع الدول التي لا تمارس الإصلاح والديموقراطية بأن تبقى على حالها دون إصلاحات وتغييرات وتجديد ؟ وهل تقبل المجتمعات العربية بأن تحكم بشعارات بينما تحرم من الخبز والحقوق وأسس الحرية والاحترام ؟ .

كلما تابعنا نزيف الدم على الأرض الفلسطينية أو المعاناة التي يشعر بها العراقيون تأكد لنا أكثر من أي وقت مضى أنّ هناك طريقا واحدا وسبيلا واضحا، وهو القيام بعملية مراجعة شاملة لجوانب حياتنا ومواجهة شجاعة مع مشاكلنا ومصارحة أمينة لشعوبنا التي لا تقتات بالشعارات ولا تعيش بالأحلام ولا تقودها الأوهام، إذ لا بد من وعي صادق ومكاشفة كاملة تطفو فيها الحقائق على السطح وتختفي منها الازدواجية التي نعيش فيها، وتتقدم الشفافية لتصنع عالما عربيا جديدا ذا مصداقية واحترام في عالم اليوم، يواجه أمراضه في وضوح ويتعامل مع مشكلاته بشكل مباشر وينفتح على الغير وترتفع فيه قيم الإنسان وتقل معه صلاحيات الحاكم الفرد .

إنّ الفترة الماضية منذ 9 نيسان/أبريل 2003، بما أفرزته من شعور بالهوان وإحساس عميق بالثمن الباهظ والفاتورة الفادحة التي ندفعها نتيجة للأنظمة الفردية ودوائر الحكم المغلقة، تدعونا اليوم إلى المضي نحو عملية إصلاح شامل لا تتجه إلى تغيير الأفراد بقدر ما تتجه إلى تغيير السياسات وأنماط التفكير وأساليب الإدارة . لقد آن الآوان لكي يتحرك العرب نحو الإصلاح الجاد والتفكير الشامل والابتعاد عن العشوائية السياسية مع القدرة على الموازنة بين المصالح الوطنية والقومية والضغوط الخارجية، إنه وقت للصحوة المطلوبة والرؤية الغائبة والرشد المنتظر.

لقد حان الوقت للتغيير، لبدء الطريق نحو التخلص من التبعية والتهميش وإعادة إنتاج الفقر والتخلف والتفاوت والجهل والتسلط، وذلك بالاعتراف بانهيار عصر عربي بأنظمته وأحزابه ومؤتمراته وعقائده، وإجراء مراجعة شاملة للشعارات الكبيرة المعتمدة على أفكار تجاوزها الزمن، ونقد للذات، والبدء بقبول وفهم الوقائع العالمية الجديدة وانعكاساتها المحلية، ووضع حلول للحاضر والمستقبل لا تُستحضر من مفاهيم الماضي إلا بمقدار ما تنطوي على جدوى للحاضر والمستقبل .

لا يمكن لمثل هذا الوضع العربي المطبوع بالتخبط والركود والعجز عن مسايرة التطورات العالمية إلا أن يطرح أسئلة عديدة على المحللين والمتابعين للقضايا العربية . ومن الممكن اختصار الاتجاهات العلمية لتفسير هذه الأوضاع في اتجاهين رئيسيين : أولهما، هو التفسير الثقافي الذي يرى أنّ جوهر الأزمة كامن في التأخر الحضاري العام، وينسب الدور الأول في إحداث هذه الأزمة إلى الثقافة، والإسلامية منها بشكل خاص، بسبب ما تطبعه في الفرد من خصائص تدفع إلى الاعتماد على القوة الغيبية والتسليم لها ونبذ التفكير العقلاني والتعلق بالأساطير . ويكمن الأمل للخروج من هذه الأزمة في التحديث العميق للفكر والدين والقيم الاجتماعية، وفي نشر العلمانية وبث الروح العقلانية والعلمية في المجتمعات العربية .

وثانيهما، هو التفسير البنيوي الماركسي أو الوضعي الذي يرى جوهر الأزمة في الطابع المشوه للبنى والمؤسسات المجتمعية نتيجة السيطرة الرأسمالية بالنسبة للماركسيين أو التدمير الاستعماري أو التجميد التاريخي الطويل لآليات وفعاليات المجتمع العربي تحت ضغط نظم قامت منذ العصر الإسلامي الأول حتى عصر السلاطين العثمانيين على العنف والقهر والانقلاب العسكري والاستخدام المكثف للقمع والإخضاع .

ولعل مما سبق يتضح أنّ هنالك زاوية أخرى يجب إدخالها في المعادلة الثقافية القائمة وهي المجتمعات العربية وإرادتها، وإبراز ما يمكن أن نقوم به في تحديد مصير المستقبل الذي ستكون عليه المنطقة العربية . فمن الأمور التي ينبغي التركيز عليها في هذه المرحلة وبعيدا عن الشعارات الكبرى التي لم نستطع تحقيقها تكمن في :

(1) - نشر ثقافة الحقوق والكف عن التذكير بالواجبات التي حفظتها شعوبنا العربية عن ظهر قلب، والاستعاضة عنها بثقافة الحقوق والواجبات مجتمعة، حتى يكون كل منها داعما للآخر.

(2) - بث روح المشاركة الوطنية وفتح مجالاتها أمام رجل الشارع العادي، فهو مشارك أساسي في بناء مجتمعه، وهو عامل حاسم في تنمية ورقي المنظومة التي ينتمي إليها، وذلك عن طريق تفعيل دوره في كافة أوجه النشاط القائم في محيطه، كل ذلك يمكن أن يتحقق بإعطائه الفرصة في المشاركة الحرة في العمل الاجتماعي والثقافي والسياسي والاقتصادي، وكذلك تشجيع العمل التطوعي وإبراز آثاره الإيجابية .

(3) - إعطاء الشعوب مزيدا من الحرية في اتخاذ قراراتها وفق تصوراتها الخاصة وكذلك نقدها لما يدور حولها، وخصوصا في الأمور ذات العلاقة المباشرة بها ناهيك من الأمور الكبرى التي قد تحدد مستقبلها، سواء في المنتديات العامة أو وسائل الإعلام المتعددة، وعدم قصر الخوض في هذه الأمور على جهات معينة ذات توجهات معروفة مسبقا، فلم يعد المجال مقتصرا على وجهة النظر الواحدة، فالحياة العامة أرحب ويمكن أن تستوعب أكثر من وجهة نظر.

(4) - إرساء مبادئ العدالة في المجتمع بجميع شرائحه وطبقاته، فالكل أمام القانون سواء، والكل مساءل عن تصرفاته، الكل تطاولهم يد القانون، لا استثناء، فالقاعدة القانونية وضعت عامة مجردة، لم ينظر عند وضعها إلى شخص من تطبق عليه أو مركزه في المجتمع . وكذلك تفعيل دور رقابة لما يدور حوله ومساءلة القائمين على الشأن العام عند تقصيرهم في أداء أعمالهم، بل وإحالتهم إلى الجهات الرقابية والقضائية لاتخاذ ما تراه مناسبا تجاههم .

(5) - إعادة النظر في سياسات التربية والتعليم المبنية على التلقين والكم وليس الكيف، الذي عطل عقول الناشئة والاستعاضة عنه بأسلوب الإقناع والحوار والمشاركة حتى تكون هذه العقول على إيمان بما تتعلم وتتربى عليه، كما أنّ هذا الأسلوب يعطيها القدرة على الإبداع والابتكار، بل أنه يساعدها عندما تنتقل إلى حياتها العملية على تطوير أدائها وتنمية مهاراتها لأنها نشأت على ذلك .

أخطر الأوهام التي يجب أن نتخلص منها

في مراحل انعدام الوزن يصبح التعلق بأشباه الحلول وأنصافها هدفا في حد ذاته دونما التقدم أبعد من ذلك ولو بخطوات قليلة، في مثل هذه الحالات تبدو الأوهام وكأنها حقائق أو حلولا دائمة يزيدها سخونة الوضع الملتهب في فلسطين والعراق . وطالما أنّ الوضع العربي يراوح مكانه بالصورة التي نرى فإنّ هذه الأوهام ستظل في دائرة الوعي العربي وستعيد إنتاج نفسها المرة تلو الأخرى .

من هذه الأوهام علي سبيل المثال لا الحصر : استخدام الأيديولوجيا، بما فيها الدين، كسلاح، والاعتقاد بأنّ الحرب التي يشنها الغرب في مناطق تهديد مصالحه حربا دينية . إنّ المستهدف الحقيقي من قبل الولايات المتحدة الأمريكية والغرب بصفة عامة هو ذلك الذي يتعرض لمصالحها بالخطر والتهديد أيا كان نوعه أو جنسه أو دينه .

أما الوهم الثاني الذي يمارسه الكثير أو يلجأ إليه، عند احتلاك الوضع وتأزم الأمور، هو هجاء الأنظمة والحكومات وربما التعرض للحكام كشخوص، وهو وهم لأنه لا يغيّر من الحال شيئا لأنّ جميع أنظمتنا على مر تاريخها ظلت عاجزة، مع الاختلاف في النسبة والنوايا، فالقضية ليست في إبدال النظام والشخوص بقدر ما هي في إعادة إنتاج أنظمة ديمقراطية تأتي تعبيرا عن وعي مشترك للحكومات ومعارضيها بطبيعة المخاطر والتحديات وكيفيات التعاطي المجدي معها .

أما الوهم الثالث فهو الاعتقاد بأنّ حركة الشارع العربي أو تحريكه هو ما يمكن أن يحدث التغيير المطلوب وبالصورة المطلوبة، قد يكون ذلك صحيحا في المجتمعات الديمقراطية، أما بالنسبة لنا فالشارع العربي لم يصل بعد إلى مستوى رأي عام فاعل يقدم بدائل أخرى آمنة ومقبولة . ما نشهده الآن هو غضب الشارع العربي لامتهان كرامته وهو أمر مطلوب ومشروع ولكن تحويله إلى مشروع سياسي أو مجتمعي أمر آخر ويتطلب آليات أخرى لم يتم إنشاؤها أو تأصيلها حتى الآن .

إذن، لابد من قراءة جديدة تنطلق من الاعتراف بالهزيمة أولا . وثانيا، أن نكف عن استخدام المعايير الأخلاقية في تقويم النتائج، فنتوقف عن حصر المسؤولية بشخص أو أشخاص، ثم نرشقهم بتهم الخيانة والعمالة للاستعمار. بهذا المعنى لم تكن حروب الرئيس العراقي السابق صدام حسين خيانة لأحد أو لجهة أو لقضية، بقدر ما كانت تعبيرا صادقا عن منظومة فكرية وسياسية تجسد مضمونا معينا للقضية القومية العربية .

وثالثا، أنّ ما حصل ليس هزيمة للنظام العراقي وحده، بل لكل المنظومة السياسية - الفكرية التي نما النظام العربي في ظلها .

ورابعا، ضرورة الإقلاع عن استخدام نظرية المؤامرة في تفسير مصائب الأمة ومظاهر تأخرها . لا الجوع ولا الأمية ولا الفساد ولا الاستبداد، على سبيل المثال، نتائج لمؤامرات تحاك ضد الأمة العربية في أروقة معادية . غير أنّ العقل السياسي العربي اعتاد، منذ غزوة نابليون لمصر عام 1798، على تحميل الاستعمار مغبة كل بلية تصيب الأمة، ثم لم يتردد في تكريس هذا الاعتقاد، غداة اتفاقات سايكس - بيكو وإقامة الكيانات العربية، في صورتها الراهنة، ثم كرسه مرة ثانية غداة النكبة الفلسطينية في العام 1948، حتى غدت كل مفسدة داخلية مدعاة لدق النفير ضد الإمبريالية والاستعمار، تحت شعار " لا صوت يعلو فوق صوت المعركة " .

ما من عاقل ينفي الدور الذي لعبه الاستعمار في بلادنا وفي سائر بلدان العالم، لكن هذا وحده لا يكفي لتفسير الصراع وتحليل آلياته على الصعيد الدولي، كما لا يكفي تسجيل موقف عدائي من هذا الاستعمار اللعين، ولا تكرار الموقف كلما حلت بنا نكبة أو منينا بهزيمة .
 صار من باب اليقين، إذن، أنّ الاستعمار عائق أساسي أمام تقدمنا، وبات من اللازم معالجة هذا العائق بغير الأسلوب الذي اعتمدته حركة التحرر العربية، بعد أن صار من اليقين أيضا أنّ هذا الأسلوب المتبع على امتداد قرن من الزمن يعزز مواقع الاستعمار، بل هو يستعيدها إن رحلت .

إن فشل البرامج والقيادات يطرح على بساط البحث قضية التحرر الوطني من الأساس، بحيث لا بد لها من أن تأخذ بعين الاعتبار الحقائق التالية :

- الوحدة القومية هي اليوم ضرورة أكثر من أي وقت مضى، غير أنّ السبيل إلى تحقيقها يتطلب، بالدرجة الأولى، صيانة الوحدة القطرية في كل بلد عربي، فلم تعد سايكس - بيكو تمثل الخطر المحدق، بل باتت الحروب الأهلية والتقسيمات الفيدرالية هي التي تهدد العالم العربي .

- لم يعد الخلط جائزا بين العروبة والإسلام . فالعروبة، بما هي رباط تاريخي - ثقافي يجمع شتات شعوب منتشرة من المحيط إلى الخليج، ضرورة للتعاطي المجدي مع المخاطر الخارجية، والإسلام السياسي المتنور المناهض للاستعمار والمكافح في سبيل التحرر والتقدم والعدالة الاجتماعية والتعددية الديمقراطية ضرورة هو أيضا لتعزيز مثل هذا التعاطـي . لكن العروبة والإسلام السياسي المتنور شيء، والاستنفار الديني شيء آخر، والرأسمالية الاستعمارية لا تميز بين إسلام ومسيحية، والمستهدفون من مخاطرها شعوب تنتمي إلى كل الأديان والطوائف والمذاهب والإثنيات .

كما أنّ " الظاهرة الصوتية " العربية وضجيجها المستمر، على هامش " الفعل " الأمريكي في العراق، ينبغي أن ينذر الوعي العربي - نخبا وجماهير - إلى خوائها ليستخلص من هذا الحدث النمطي المتجدد والمتكرر - في تاريخنا المعاصر - أهم الحقائق الأساسية التي لا تزال غائبة عن هذا الوعي :

(1) - أنّ الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وإسرائيل وغيرها من القوى الدولية، هي بطبيعة الحال، قوى ذات أطماع وتعمل قبل كل شيء من أجل مصالحها .

(2) - من أراد الديموقراطية فعليه بمقوماتها، ومن أراد التقنية فعليه بمتطلباتها، ومن أراد القوة الحقيقية فعليه بمستلزماتها، ومن أراد التقدم الحضاري فعليه أن يدرك أنه لا يتم إلا بشق الطريق التاريخي إليه حسب شروطه الحتمية التي استجابت لها مختلف الأمم الحية في الغرب والشرق .

  (3)- تجارب الأمم مؤشرات وإضاءات لمن أراد الاستفادة منها، فالأمم الحية تقتنص مستقبلها بين مخالب الوحوش في هذا العالم وبذكاء وجهد وتضحية وصبر، وبلا بكائيات تملأ الفضاء بلا نتيجة . لم تهدر اليابان طاقاتها بعد الكارثة النووية في "هجاء" الإمبريالية الأمريكية كلاما، بل بنت في ظلها " المعجزة " اليابانية، مستفيدة من ظروف العالم والحرب الباردة حينئذ والحسابات الأمريكية . مع فارق، عن التجربة الفيتنامية، أنّ منجزات البناء الياباني الجديد أصبحت تفرض اليوم استقلال اليابان التام عن الهيمنة الأمريكية، بينما فيتنام بعد التحرير ما زالت تشق طريقها الطويل والصعب نحو التنمية . هكذا لا تقديس للبندقية لمجرد كونها بندقية، التقديس للعمل الجاد المدروس نحو هدف إعادة بناء الأمة . ولا أحد يخوض الحرب من أجل الحرب، وإنما هي وسيلة، إن لزمت، إلى طريق التحرر والبناء  وذلك مغزى العبور من " الجهاد الأصغر " إلى " الجهاد الأكبر " حسب المفهوم الإسلامي الحق للبناء .

إذن لا مفر من تفكيك مقولات الخطاب السياسي العربي من أجل إجراء تغيير جذري يقلب الأسس الفلسفية التي يقوم عليها، تغيير تكون نتيجته التحول إلى خطاب ديموقراطي مع الذات ومع الآخر ومع المجتمع ومع الواقع ومع التاريخ . ديموقراطي مع الذات بصفتها مالكة قرارها ومصيرها ورهاناتها وحقها في التحدي والمساءلة . وديموقراطي مع الآخر باعترافه به كآخر وكمختلف، لا من باب التسامح والتعايش وإنما من باب الإيمان بالتعددية في مواجهة الأسئلة والتحديات التي يطرحها الواقع بكل ما فيه من غنى وتعقيد . وديموقراطي مع المجتمع في تعامله معه باعتباره الصورة الحية لنضالات الأفراد والجماعات وتوقها ومخاوفها ورغباتها ودأبها اليومي، وليس كحقل تجارب للأيديولوجيا وأوهامها ومشروعاتها . وديموقراطي مع التاريخ في النظر إليه بصفته حركة وتحولا وصراعا، وليس باعتباره مرآة لأفكار ومبادئ وأحكام الخطاب السياسي وبرهانا على صحتها وتكرارا أبديا لها .

هذه الديموقراطية هي ما نطرحه وما نتطلع إليه في وقت يوشك الخطاب السياسي أن يدفع بالعرب إلى السقوط في مآزق قد لا يتصورونها وحيث لا يعود من الممكن الخلاص من تبعاتها .

ويبقى السؤال : كيف يمكن أن نقاوم الضغوط الأمريكية لفرض الديموقراطية والإصلاحات على أوضاعنا العربية المختلفة إذا كنا لم نزل في مرحلة " ما قبل الديموقراطية " في أحزابنا وفصائلنا وتجمعاتنا وحركاتنا السياسية المعارضة والحاكمة على السواء ؟! أليس من الأفضل أن نحقق الديموقراطية والإصلاحات السياسية والاقتصادية من ذاتنا وبذاتنا، قبل أن تفرض علينا فرضا . أليس من " واجبنا " في الظروف الجديدة أن نطرح المعادلة الدقيقة الآتية : الإصلاح والديموقراطية لمواجهة الهيمنة الأمريكية بدل الشعارات الجامدة القديمة ؟ .

المطلوب في هذه الساعة الحاسمة من تاريخنا أن تنتقل كل قوى الأمة الفاعلة والنخب الفكرية والسياسية منها، على وجه التحديد، من حالة التنظير السلبي إلى حالة الفعل الإيجابي بالسعي لتشكيل توافقات وطنية داخل كل قطر عربي، أو ما يمكن تسميته بـ " الكتلة التاريخية من أجل التغيير " حيث يعطى هذا التجسيد العربي من الصلاحيات ومن القدرات ما يؤهله من القيام بعملية إصلاح سياسية شاملة تهدف إلى صياغة رؤى فكرية معاصرة تتعايش مع ثوابت الأمة وتنطلق مع العصر لبناء مؤسسات المجتمع المدني وإرساء قواعد دولة الحق والقانون وانتهاج الديمقراطية مسارا والتعددية ثراء وإغناء للحياة العربية واعتماد الحرية متنفسا إنسانيا للتعبير والنقد البناء والمشاركة الخلاقة، وإشاعة روح البحث العلمي في كل ميدان من الميادين وإتاحة المناخات الصحية التي تفجر طاقات المبدعين من أبناء الأمة .

إنّ درء المخاطر المحدقة بالأمة لم يعد ممكنا من ضمن منهج العمل العربي القائم حاليا والمعتمد منذ الخمسينيات، ومن أجل ذلك لا بد من :

(1) - مصالحة العروبة مع الديموقراطية، وهذا يقتضي تدشين منهج تعامل مختلف مع الناس، يعيد إليهم كراماتهم الإنسانية وحقوقهم وحرياتهم الأساسية ويلتفت إلى مصالحهم المادية ويرفع مستوى معرفتهم ومستوى معيشتهم ويقيم العدالة وحكم الحق والقانون في ما بينهم . ومن الخطورة أن ينقضَّ البعض على الديموقراطية لمجرد أنّ الغرب يعتمدها لتدبير أموره أو لمجرد أنّ المحتل الجديد يدّعي أنه يأتي بها هدية للشعب العراقي على ظهر دباباتـه .

(2) - مصالحة العروبة مع الهويات الوطنية والأقليات، إذ أنّ الهويات الوطنية، أو الكيانات القطرية، هي اليوم ( وبعضها كان دائما ) حقائق مجتمعية وتاريخية، حتى أنّ بعضها لا يقل أهمية أو شرعية عن رابطة العروبة نفسها . وما يحكى عن العروبة والهويات الوطنية، ينطبق وإن بنسب مختلفة، على العروبة والأقليات، التي يجب ألا يشعر المنتمون إليها بأي تهديد لهويتهم القومية أو الإثنية أو الدينية .

(3) – مصالحة العرب مع المجتمع الدولي والعالم، فلقد أسهمت العديد من المحطات في العقود الأخيرة بوضع العرب كجماعة والعروبة كفكرة، وإلى حد ما الإسلام كدين، في مواجهة عدائية مع الغرب ودوله ومجتمعاته ومعتقداته . وبلغت هذه المحاولات مستوى الذروة في جريمة 11 أيلول/سبتمبر 2001 التي لم يخفِ أصحابها أبدا أنهم ينطلقون من قسمة العالم قسمة لا لبس فيها بين " مؤمنين " و " كفار " . ورغم تبنّي الإدارة الأمريكيـــة " منطق الفسطاطين "، معطوفا على منطق التفرد الكوني، في التحضير للعدوان على العراق، فقد أظهرت حركة الاحتجاج الدولية على الحرب وجهود الدول المناهضة للحرب تسفيها بليغا لهذا المنطق . لكنّ الأهم من ذلك أنّ هذه الحركة أثبتت بالملموس أنّ العالم ما زال على تنوع كبير وأنّ استهداف العرب والعروبة والإسلام لا يحظى بأي نوع من الإجماع أو الأكثرية، وأنّ ثمة مكانا محفوظا للعرب في حوار الثقافات إن هم رغبوا وأعدوا العدة لذلك .

ما الذي يحتاج إلى التغيير

ما يحتاج إلى التغيير هو أفكارنا بالذات، بمرجعياتها ومسبقاتها وأحكامها، فمقولاتنا الفكرية التي تجسد علاقتنا بوجودنا هي منشأ الخلل كما يتجلى ذلك في غير وجه من وجوه حياتنا، أي هي مصدر مصائبنا وكوارثنا، وهي التي تعمل ضدنا وتنصب الأفخاخ لنا، على نحو يجعلنا نزداد ضعفا وتراجعا، لكي تزداد الإدارتان الأمريكية والإسرائيلية قوة وتوسعا . ما ينتظر أن نقوم به : إتقان لغة الخلق والكشف لكي نعيد صياغة حياتنا ونحسن قيادة مصائرنا، بحيث نتحول عن كوننا رعايا وعبيدا مخلوقين تابعين نتعامل مع هوياتنا ككيانات ما ورائية أو طقوس أخروية تعزلنا عن وقائع العصر وحقائقه أو عن أسئلة العالم ورهاناته .

الرهان هو أن نتغيّر في ضوء المتغيّرات، فكرا وعملا، رؤية ومنهجا، سياسة واستراتيجية، بحيث نتغيّر به عما نحن عليه، لكي نحول الواقع ونسهم في تحويل سوانا عبر مشاركتنا في صناعة العالم . وذلك يتوقف على قدرتنا على تشغيل عقولنا المصادَرة وصرف طاقاتنا المشلولة واستغلال مواردنا المنهوبة بصورة مثمرة، فعالة وراهنة، بما نخلقه من الوقائع أو نحققه من الإنجازات أو نحدثه من التحولات في غير مجال من مجالات الحياة .

خلاصة القول، إنّ مستجدات ما بعد الحرب على العراق ووقائعها سوف تجرفنا وتهمشنا لكي تفاجئنا بتداعياتها التي تصدمنا وتتهددنا، وليس لنا العمل إلا على صرف طاقاتنا وصنع حياتنا بالزحزحة عن مركزيتنا وتحويل علاقتنا بثوابتنا المعيقة وهويتنا العاجزة ونماذجنا الثقافية المستهلكة . علينا أن نمارس التفكير بصورة نقدية وحرة، مرنة ومفتوحة، مركبة وتداولية، مبتكرة وخصبة، مثمرة وفعالة، من غير مصادرات أو مسبقات، أو دونما تهويل وتهويم وتشبيح، بحيث نكون قادرين على تغيير أنماط تعاملنا مع الذات ومع الغير أو المعرفة والثروة أو مع المعنى والقوة، لكي نكون عربا وبشرا مستعدين للتعامل مع ما هو متحرك ومتسارع أو مع ما هو متغيّر وطارئ أو مع ما هو لامعقول ومفاجئ، بل مع ما هو مرعب من الكوارث التي نصنعها بحمقنا وجهلنا وجنوننا .

(1) - الحديث عن الإصلاح

إنّ موجات الإصلاح في العالم العربي ارتبطت باللافتات الكبيرة والشعارات الضخمة والأطروحات المرحلية، فهي تتحدث دائما عن " اللحظة التاريخية " و " الثورة الشاملة " وكلها لافتات لا تعبّر عن جوهر مستقر أو فكر واضح، كما أنّ عملية الإصلاح لم تتم أبدا بآلية تنفيذ مستمرة وفقا لجدول زمني محدد، بل وجدت الحكومات العربية مبررات دائمة في التأجيل أحيانا والنكوص أحيانا أخرى بدعوى الوضع الإقليمي والمخاطر في المنطقة، فتأجلت كل البرامج الجادة لتطوير التعليم والارتقاء بالثقافة وتوطين التكنولوجيا وحلت بديلة عنها المواقف المظهرية والخطط العاجلة واسترضاء الجماهير، بالنفاق تارة وبتزييف الحقائق تارة أخرى .

 ومن المفيد أن نشير هنا إلى ملاحظات ثلاث :

الملاحظة الأولى : إنّ الحديث عن الإصلاح تحول لدينا إلى ما يمكن تسميته بـ " موضة سياسية " فأصبح يتحدث عنه الجميع، ربما من دون مضمون حقيقي أو اقتناع كامل . كذلك فإنّ الإصلاح أصبح أمرا تنظر إليه الأطراف المختلفة كل من زاويته وجرت عملية تحميل للمسؤولية من كل طرف على عاتق الطرف الآخر وكادت تتوه الحقيقة إلى حد كبير، كما تبنت الإصلاح ذاته قوى هي أبعد ما تكون عنه ولكنها تتاجر فقط به .

الملاحظة الثانية : إنّ هناك توجسا من تعبير الإصلاح ، فالنظم ترى فيه إشارة سلبية إليها بينما ترى فيه أوساط شعبية تقليدية احتمالا للمساس بهويتها، خصوصا عندما جرى حديث متكرر حول الإصلاح الثقافي بل ومراجعة الخطاب الديني أيضا، كذلك فإنّ الجميع يستبد بهم هاجس شديد مصدره أنّ الدعوة قد بدأت من طرف أجنبي وهو الولايات المتحدة الأمريكية .

الملاحظة الثالثة : إنّ في ذاكرتنا القومية موجات إصلاح ونوبات تغيير، لذلك فإننا يمكن أن نتبنى تيارا إصلاحيا ذاتيا مصدره وجدان الأمة وتراثها على نحو لا يتعارض مع هويتها أو يعبث بشخصيتها الفكرية، وفي الآن نفسه لا يتعارض مع المعايير العالمية للإصلاح والتغيير ودولة الحق والقانون والدمقرطة وحقوق الإنسان .

وكي لا يبقى هدف الإصلاح شعارا غائما كغيره من الشعارات، فلا بد أن تتوافر فيه الشروط الأربعة التالية :

1 ـ التأسيس لحياة ديموقراطية دستورية تتجاوز حكم التسلط وتكون قابلة للتطور حسب استعداد المجتمع وتطلعاته .

2 ـ تطوير وتطهير الجهاز الحكومي وسائر الإدارات بما يتلاءم ومنطق دولة القانون والمؤسسات، فالديموقراطية وسيلة غايتها الحكومة الصالحة .

3 ـ أن يكون في مقدمة واجبات هذه الحكومة الصالحة السعي لتحقيق العدالة الاجتماعية بين المواطنين، بما يتجاوز معسكري الغنى الفاحش والفقر المدقع ويتفادى تفجير الصراعات الأهلية والنزعات المتطرفة، وانقسام الوطن بين من يملكون ومن لا يملكون .

4 ـ التأسيس لمؤسسات مجتمع مدني حرة في ضميرها ورأيها ومسلكها القانوني، قادرة على الخروج من بوتقة العصبيات التقليدية من تكوينات قبلية وطائفية، في إطار من الفكر المنفتح، والحوار المسؤول، والتربية المتوازنة .

إنّ تأجيل عمليات الإصلاح الداخلي للمجتمعات العربية بحجة القضايا الكبرى والمعارك القومية وبدعاوى " لا صوت يعلو فوق صوت المعركة " وغيرها، إن لم يكن سذاجة وتبسيطا مخلا، فهو موقف يصب – عمليا - في خانة المستفيدين والمنتفعين من تأجيل الإصلاح وتأخيره، وهم حراس الفساد المقيم الذين يتمنون مثل هذه الانشغالات الشعبية بالمعارك الكبرى بل وينفخون في نارها ليخلو لهم جو العبث بالمقدرات العامة، ملتقين في ذلك موضوعيا، ودون الحاجة إلى تفسير تآمري ، مع مختلف القوى المعادية للأمة والتي تريد لها أن تستنزف قواها في معارك بعيدة، خارجة عن إرادتها، ونائية عن متناول يدها، لئلا يتنامى نموذج عربي فعال وملموس، قادر على الحد من آثارها في الأرض العربية .

وطبيعي أنّ أي مشروع للإصلاح، بعد عقود من الجمود، لا يملك عصا سحرية وحلولا عاجلة لكل شيء، وإنما هو البداية الصحيحة، والخطوة التاريخية السليمة، لفتح الأبواب وتمهيد الطريق لمسيرة الإصلاح والتغيير بالتعاون بين الحكومات ومؤسسات المجتمع المدني وجماهير الشعب بعامة . المهم أن يبدأ التوجه الصحيح والمخلص نحو هدف الإصلاح الشامل من دون تأخير وتسويف، وبعدها فهي مسؤولية الوطن كله ومختلف قواه في نقل المشروع الإصلاحي، في تطوره الطبيعي، إلى آفاقه المتوافق عليها .

ففي سورية، مثلا، أثارت الإجراءات التي يتخذها العهد الجديد في اتجاه الإصلاح الاقتصادي والإداري انتعاشا كبيرا للآمال في بلد ظل مغلقا خلال ما يقارب الأربعين عاما، لكن هذه الإجراءات لا ينبغي أن تغطي على واقع أنّ خروج سورية من النظام السياسي الشمولي لا يزال إشكاليا بالمعنى العميق للكلمة، ولا تزال السلطة فيها، بالرغم من المظاهر السطحية، حكرا على فئات محددة من السكان والطبقات، كما لا يزال مفهوم المواطن ضعيفا لدرجة يصعب على الأفراد فيها أن يتعرفوا على حقوقهم المدنية والسياسية فما بالك بالدفاع عنها أو المطالبة بها . وقد دلت التجربة على أنّ السلسلة الأولى من الإجراءات الانفتاحية التي تساهم في إنعاش النظام لا تطرح مشاكل كبيرة على الممسكين بالسلطة، بل إنها تبدو لهم الطريق الوحيدة لإنقاذ الحكم من الركود الاقتصادي والجمود السياسي الذي يهدد بأعظم المخاطر . لكنّ الأمر يختلف بعد ذلك عندما تنفتح عملية التغيير على إجراءات تتضمن حدا أدنى من تداول السلطة أو تقاسم الصلاحيات بين النخب المختلفة أو رفع الوصاية عن المواطن والاعتراف بجدارته السياسية .

ولعل أكثر من عبّر عن حاجاتنا هو " تقرير التنمية الإنسانية العربية لعام 2003 " الذي يصدره برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، إذ قدم التقرير رؤية استراتيجية لإقامة مجتمع المعرفة في البلدان العربية تنتظم حول أركان خمسة : إطلاق حريات الرأي والتعبير والتنظيم وضمانها بالحكم الصالح، والنشر الكامل للتعليم الراقي النوعية مع إيلاء عناية خاصة لطرفي المتصل التعليمي وللتعلم المستمر مدى الحياة، وتوطين العلم وبناء قدرة ذاتية في البحث والتطوير التقاني في جميع النشاطات المجتمعية، والتحول الحثيث نحو نمط إنتاج المعرفة في البنية الاجتماعية والاقتصادية العربية، وتأسيس نموذج معرفي عربي عام وأصيل ومنفتح ومستنير.

 وفي ما يتعلق بالتعليم، فإذا أردنا - بعد عشرين عاما على الأقل - أن يكون لدينا جيل قادر على التفاعل مع متطلبات التنمية فينبغي أن نبدأ، منذ الآن، بإصلاح جدي فعلي لمناهج تعليمنا . فكما أننا بحاجة إلى فكر عربي تنموي عام فإننا أكثر حاجة إلى وضع برامج تعليمية تنموية قادرة على أن تخلق لدى أجيالنا العقلية التحليلية العلمية الجيدة والمعرفة التقنية المناسبـة . وأنّ إصلاح مناهج التعليم العربية وتطويرها يحتاج إلى إصلاح مرافق له في قدرات ومهارات المدرسين الذين يقومون بتعليم طلبتنا في المدارس .

فربما يكون تطوير التعليم هو المعركة الأهم التي يجب أن تخوضها الأمة العربية على الفور، فهذه معركة حتمية وعاجلة ويتوقف عليها مستقبل أجيال قادمة، لمواجهة التحدي الحضاري الذي نعيشه، ومواجهة الهزائم والانتكاسات التي لعب التأخر العلمي والتكنولوجي دورا بارزا فيها .

ويخلص التقرير إلى أنّ ما تحتاجه الأمة العربية، إذا كانت تواقة إلى التقدم والحياة، هو نهضة شاملة تتضمن الثورة التعليمية والعلمية، وتطور المجتمع المدني، وفصل الدين عن الدولة ومحاربة الشعوذات رسميا وفعليا وبمثابرة، واحترام إنسانية الإنسان العربي، واحترام الكرامة الإنسانية للمرأة العربية، وتأمين حرية التفكير والرأي، وحرية البحث العلمي، واستقلال الحياة الأكاديمية عن القرار التعسفي للحكم الظالم المتغطرس، وإشاعة الديمقراطية والتوعية الحقيقية ، وكل ما يدخل في إطار العصرنة الشاملة للمجتمع، والاقتصاد .

(2) - في ضرورة طي صفحة " الوطنية العسكرية "

 لن يجدي أي إصلاح إلا إذا جاء في سياق رؤية أشمل تتسع لنزع عسكرة الدولة في أغلب الأقطار العربية ( التخلص من دولة الأمن وتفكيك آلة عبادة الفرد ) والثقافة ( التخلص من العقائدية ومن " ثقافة الطوارئ "، أي من فكرة الحصار والحرب الدائمة ) والمجتمـــع ( تفكيك الحزب الواحد وملحقاته الشعبوية ) . وهذا يعني عمليا طي صفحة " الوطنية العسكرية "، كما طالب بحق الأستاذ ياسين الحاج صالح . والترجمة الأبسط والأكثر مباشرة لعملية نزع العسكرة هي أن تكف الدول العربية عن استيراد الأسلحة تماما، وهذا لأنّ القوة لا تستورد ولا تشترى، وإذا لم تعكس جماع قدرة المجتمع أو الأمة فإنها تنقلب إلى ضعف وعبء وتبديد أحمق للموارد . هذه الحقيقة كانت صحيحة دائما، ولم تغطِّ عليها " تحويلات القوة " أيام الحرب الباردة إلا لتعاود الانكشاف بعد سقوط الاتحاد السوفياتي، ثم بصورة دراماتيكية بعد سقوط بغداد .

(3) - في الحاجة الملحة إلى الديمقراطية

 إنّ أهداف أمريكا واضحة في حربها على العراق وهي لا تخفى على أحد، إن لجهة تعزيز سيطرتها على المنطقة والاستئثار بثرواتها أو لجهة تأكيد سيادة العدو الصهيوني وتفوقـه . لكن لا يعيب الديموقراطية أو يقلل من شأنها وضرورتها إذا رفعت أمريكا لواءها، كما لا يطاول مبدأ الحرية أي باطل حين تتلطى خلفه غايات ومصالح أو يستخدم ستارا لتحقيق أهداف ومكاسب أنانية ضيقة . ومن السذاجة – تاليا – أن نكفر بالديموقراطية نكاية بالأمريكيين وأن نسير كما يدعو بعض الجهّال في طريق خاطئة تمكّن أعداء الوطن والشعب من وأد بذور الحرية في مجتمعاتنا وتحطيم جهاز مناعتها ومقاومتها . فمجتمعاتنا ضعيفة ومتأخرة وتحتاج بإلحاح إلى الحريات واحترام التنوع الفكري والسياسي لتحصين البيت وتمكينه من مقاومة الضغوط والاشتراطات المتزايدة ولمواجهة ما يعترضنا من تحديات وأخطار . كما لا يمكن أن نحلم بإنهاء الاحتلال الأمريكي – البريطاني للعراق وبعث الروح الوطنية دون أن يجد الشعب العراقي ذاته في مناخات الديموقراطية والتعددية، ودون أن يشعر الإنسان بالحرية والعدل والثقة بنفسه ومجتمعه . ثمة في الديموقراطية قوة داخلية لا توجد في أي نظام سياسي آخر، فالإنسان غايتها وهدفها، وهي تتوجه إليه بصفته المحرك الرئيس لكل تحد وتطور، وتعول عليه لتعويض حالة العجز والقصور أمام توازن قوى يميل على نحو كاسح ضدنا . فهل تتمثل مجتمعاتنا العربية جيدا هذا  الدرس وتتمسك بالديموقراطية وبنصرة الحريات وحقوق الإنسان، أم ينجح أولو الأمر والمنافقون حولهم في خلق الذرائع والمبررات لتأجيل الاستجابة لنداءات الانفتاح السياسي والإصلاح الديموقراطي ؟! .

إنّ محورة المثقفين جهودهم حول قضايا الحريات والحقوق السياسية لمواطنيهم والكفاح من أجلها ليس ضمانا للحقيقة واليقين لكنه بالتأكيد عاصم من أسوأ الضلالات . الشيء الواقعي الوحيد للرد على تحدي الإمبريالية الجديدة هو تغيير سياسي جذري يمر حتما عبر التحويل الديموقراطي لأنظمة الحكم في الدول العربية، ويضع حدا نهائيا لأنظمة التطرف والإرهاب التي لا تنتج غير التطرف والإرهاب .

(4) - في أنّ الإنسان المواطن هو أساس أي إصلاح

لا بد لنا، منذ الآن، من التخلي عن جميع الممارسات وأشكال التمييز بين المواطنين، سواء ما كان منها طائفيا أو حزبيا أو دينيا أو مذهبيا وعشائريا وعائليا، والعودة بشكل فعلي من دون تلاعب أو خداع، إلى قواعد الممارسة الوطنية القائمة على المساواة بين جميع الأفراد أمام القانون وتكافؤ الفرص والاحتكام إلى القضاء النزيه وإلغاء الفساد والعبث بمصالح المواطنين وإلغاء كل الامتيازات التي تتمتع بها فئات معينة اليوم على حساب المواطنين جميعا وعلى حساب الوطن بأكمله . إنّ معيار الوطنية ينبغي أن يكون اليوم العودة إلى منطق المساواة والعدالة والحرية وحكم القانون وليس التكرار الممل لشعارات العداء للإمبريالية والاستعمار الفارغة المضمون .

(5) - في الحاجة إلى منظومة عمل مجدية

التقدم له طريق‏ واحد،‏ يبدأ من نقطة الاتفاق على هدف‏،‏ وأن تكون للهدف فلسفة يبني عليها‏،‏ وما الذي نريد أن نصل إليه ونحققه ؟ وما هي إمكاناتنا ومواطن قوتنا ؟‏‏ وما الذي ينقصنا ؟‏‏ وكيف نعوضه ببدائل لدينا أو لدى غيرنا ؟‏ وذلك في إطار منظومة عمل‏‏ لها مدى زمني‏،‏ تراجع فيه خطوات التنفيذ‏،‏ ويراجع تقويم الأشخاص المكلفين بها‏ .‏

إنّ الذين يعملون من أجل التقدم وفق مفهوم المشروع الحضاري العربي،‏ يربطون عملهم قوة وصلابة بموقفهم في مكافحة التراخي،‏ وضياع الحماس‏،‏ والفتور،‏ والتكاسل‏،‏ وتضييع الوقت‏،‏ وتقديم المصلحة الشخصية للقائم بالعمل - في مجاله - على المصلحة العامة‏،‏ والتردد عن دعم جهد ودور الآخرين في مجالات عملهم الأخرى .‏ وإنّ من أراد ألا يضيع منه الهدف‏،‏ لابد أن يحمل إصرارا استراتيجيا على بلوغ متبغاه،‏ مهما تكن الصعوبات ومهما يطل الطريق ‏.‏

وفي سياق كل ذلك، لا بد من طرح تساؤل مبدئي حول مدى مشروعية التدخل الخارجي لتغيير الأوضاع الداخلية في منطقة معينة أو دولة بذاتها حتى لو جاء ذلك تحت مظلة إنسانية براقة ودعاوى تحديثية مطلوبة، خصوصا أنّ هذا الأمر يرتبط دائما بشعارات جذابة . فالظاهرة الاستعمارية في أوج سيطرتها وشدة سطوتها رفعت لافتات شهيرة مثل " تحضير المجتمعات " و " ترقية الأمم "، بينما كان واقع الأمر يشير إلى التركيز على استنزاف ثروات الشعوب وتوظيف المواقع الجغرافية للدول التي يجري احتلالها في خدمة أهداف القوى الكبرى التي تتشدق بالمبادئ والقيم والأخلاق . ومع ذلك كله فلنعترف أنّ العالم اختلف وأنّ الدنيا تغيّرت وأنّ فلسفة العولمة حملت معها أفكارا جديدة طاولت القانون الدولي المعاصر فظهر " القانون الدولي الإنساني "، وهو الذي يتيح التدخل في الشؤون الداخلية للدول لأسباب أخلاقية أو قانونية بدءا من الحفاظ على الأقليات ورعاية حقوق الإنسان مرورا بحماية المدنيين وصولا إلى دعم الديموقراطية، وهو أمر جرى استخدامه على نطاق كبير في السنوات الأخيرة حتى أصبح يبدو كالحق الذي يراد به باطل .

لقد كفانا مكابرة وتهربا من تحمّل المسؤولية . وكفانا ثانيا، إنكارا للحقائق الصارخة . وكفانا ثالثا، التمسك بمقولات وقيم تورث الهزائم والمهالك . وكفانا أخيرا، الاستشهاد بنصوص حول الدفاع عن النفس لم يحسن أصحابها سوى انتهاكها . الأجدى لنا أن نعمل على أنفسنا لكي نتغيّر، بتفكيك جهلنا المضاعف بطبقاته السميكة وغرفه المعتمة وصناديقه السـوداء . ونحن لا نفعل ذلك لكي نرضخ للأمريكيين، بل لكي نعرف كيف نتعاطى معهم بطريقة لا تعود علينا بالأضرار والخسائر، سواء بفتح الحوارات، أو بتغيير المعادلات وإنتاج التسويات . وذلك يتوقف على ما نملكه ونصنعه ونقدر على إنجازه، أي على ما نجترحه من الإمكانات التي تتسع معها الخيارات وتتغيّر الوضعيات . فالواقع يتغيّر بخلق وقائع جديدة تتسع معها رقعة الإمكان، بقدر ما تتغيّر طرق تعاملنا مع ذواتنا ومع الغير والعالم .

وفي هذا السياق، يبدو أنه من الأمور الهامة تحرير الثقافة العربية والإسلامية من بقايا ثقافة العنف وتمجيد الموت والانتحار، التي ساهمت في إنتاج حالة الاستبداد ووليدها الخوف، والبدء بنبذ سياسة الإكراه وتفسير المؤامرة والنظرة الأحادية والعقل المغلق وأولوية النصوص على الوقائع وسياسة الأبيض والأسود وكل شيء أو لا شيء .

إنّ ما يجب أن يقال وينفذ إلى صميم الوعي العربي الرسمي والشعبي، أنه لن يكون تقدم للعرب في هذا العصر، ولا تحسين لموقفهم حيال التحديات الإسرائيلية والدولية وحيال عصرهم كله إلا بعمليات إصلاح جذري وشامل لأوضاعهم الداخلية في كل مجتمع عربي . إنّ معركة إنقاذ فلسطين هي معركة إصلاح كل بنية عربية من المحيط إلى الخليج بالحرية وبالتنمية وبالكرامة، هذه حقيقة أصبحت ملحة وصارخة برسم كل حاكم عربي ومواطن عربي ولا بد أن تنعجن بخبزنا اليومي كعرب إذا أردنا البقاء في صراع البقاء .

إنّ المرحلة القادمة تقتضي دون شك شحذ الوعي الاستراتيجي العربي بمفاهيم وأساليب وآليات جديدة للتعامل مع أزمات غير مسبوقة، وتحولات نوعية متسارعة، وتحديات غير مألوفة، ذلك أنّ الأمر لا يتعلق بترميم نظام متداعٍ، وإنما بالاستعداد للانتقال المتأخر من مناخ المعادلة الدولية المندثرة، إلى آفاق معادلة دولية أخرى قيد التكوين .

فهل سنتمكن من محو الأمية وتأمين مقعد دراسي لكل تلميذ ؟ هل سنقضي على الرشوة وأنواع الفساد ؟ هل سنعمل على تشكيل رأي عام عربي فاعل ؟ هل سننعم بانتخابات نزيهة ؟ هل سنترك للإعلام الحرية اللازمة ونسمح له بالعمل حتى ولو تعارض مع مصلحة زعيم أو رئيس ؟ هل سنضع قوانين عصرية تعطي المرأة كامل حقوقها المدنية ؟ هل سنتجرأ على مناقشة قوانين الأحوال الشخصية وجعلها اختيارية ؟ هل سنجهر بانهيار حقبة عربية بأزمنتها ورموزها لكي يكون بإمكاننا أن نرمم أو نعيد بناء عروبة جديدة وإنسان عربي جديد، بحيث لا نترك الإنسان العربي محبطا ويائسا ؟ .

المهم أن تفهم القيادات العربية أنّ لا مناص من تغيير جذري في نوعية حكمها وتحكمها، وأن تفهم الشعوب العربية أنّ حقبة التذمر ولوم الآخرين حان زوالها، وأن تفهم تيارات التطرف أنها لن تكون قادرة على إلحاق الهزيمة، بل حتى المواجهة الفاعلة مع أمريكا، وأن تفهم تيارات الاعتدال أنّ هناك فرصة لها لتوظيف المنطقة الرمادية بين الانبطاح والمناطحة .

 

تونس في 28/10/2004                          

                                              كاتب وباحث سوري مقيم في تونس