مقاربة حول محنة الأمة وضرورة مواجهة الذات العربية...الاستراتيجية الأمريكية في العالم العربي ...2.. الدكتور عبدالله تركماني

تنطلق الاستراتيجية الأمريكية من الأهمية الجيو - استرتيجية للعالم العربي، فهو يمثل القلب للقارات القديمة ( آسيا وأفريقيا وأوربا ) وذلك من خلال إشرافه على الممرات المائية في كل من البحر الأبيض المتوسط والأحمر والخليج العربي، من خلال المضائق المعروفـة ( مضيق جبل طارق، قناة السويس، وباب المندب )، كما أنه يرقد على آبار النفط، المحرك الرئيسي لهذا الصراع في المنطقة، ومن ثم تأتي الأسواق العربية لتحتضن المنتجات الأمريكية والغربية . وتكمن أهمية المنطقة العربية في الاستراتيجية الأمريكية أنها تستخدمها كورقة رابحة في اللعبة الاقتصادية ضد كل من اليابان والاتحاد الأوروبي .

إنّ الاستراتيجية الأمريكية في المنطقة العربية مبنية على مبادئ وأهداف ثابتة، وما حدث في عهد إدارة الرئيس بوش هو إعادة صياغتها تبعا للمتغيّرات الدولية والإقليمية . فبعد جريمة 11 أيلول/ سبتمبر 2001 أصبح جوهر " مذهب بوش " هو استعمال القوة في تحقيق الأهداف الديبلوماسية، وتبنّي نهج التهديد وتحديث الأساليب القديمة في استعراض القوة، واللجوء إليها دون تردد، وتجاوز القيود التي تحدُّ من استعمالها . ويعني ذلك بإيجاز :

(1) - تآكل مفاهيم السيادة والسلامة الإقليمية للدول وزوال التحصّن وراء تفسيرات عن مبادئ القانون الدولي، والشأن الداخلي، والتمترس خلف الحدود الوطنية .

(2)- التكيّف مع الضوابط الجديدة في العلاقات الدولية، وهي مقاومة الإرهاب وملاحقته، والتصدي لمن يلجأ إليه ومعاقبة الدول المتراخية، وتقييد التحرك الديبلوماسي للدول المشكوك في أيديولوجيتها، وعزل الدول المارقة بالملاحقة والتهميش .

- التصدي لمحاولة تملّك أو تصنيع أسلحة الدمار الشامل ومنع الدول من الحصول على أسلحة استراتيجية تهدد جيرانها، وذلك بالتوصل إلى تفاهم دولي للالتزام بضوابط معينة لتصدير واستيراد المواد ذات الاستعمال المزدوج .

(4) - التصدي للأنظمة المستبدة التي تنتهك مبادئ حقوق الإنسان بشكل يهدد الأمن والسلام الإقليمي، ويؤذي شعوبها وجيرانها .

   هذه هي الاستراتيجية الأمريكية الجديدة، وهذه الاستراتيجية تنطلق من النظر للمنطقة العربية بمنظار ما يسمى بـ " السلام الديمقراطي " والتي تنادي فيها بأنّ الأنظمة الديمقراطية لا تتصارع فيما بينها وأنّ الصراعات قائمة على مر التاريخ بين الأنظمة الديمقراطية والأنظمة الدكتاتورية .

وعندما قال كولن باول وزير الخارجية الأمريكية إنّ الحرب في العراق‏‏ أوجدت ديناميكية استراتيجية في المنطقة‏،‏ فقد كان المعنى واضحا في نصيحته لبعض دول المنطقة في أن تضع في حسبانها هذا التحول الجديد‏ .‏ فحتى بعد أن تسكت المدافع‏،‏ فسوف تتكفل هذه الديناميكية‏‏ بأداء دورها بوسائل الضغط‏‏ والحرب النفسية،‏ لتعديل السلوك والأفكار‏‏ وبقية المطالب المستحقة من الدول العربية ‏.‏

‏الشرق الأوسط في هذا المشروع ليس مجرد منطقة إقليمية‏،‏ ضمن سائر المناطق الإقليمية في العالم المطلوب تغيير أوضاعها‏،‏ لكنه‏‏ هو قلب عملية التغيير،‏ وهو ميدان إطلاق المشروع الجديد‏ أو الاستراتيجية الجديدة التي كانت خطوطها النظرية قد أعلنت رسميا في‏20‏ أيلول/سبتمبر‏2002‏ تحت اسم " الاستراتيجية الجديدة للأمن القومي للولايات المتحدة‏ "‏ ‏.‏

وفي هذا الإطار هناك أكثر من نظرية أمريكية متداولة في هذا الشأن‏ :‏ من أبرزها نظرية " موازين القوى " التي تتبناها مؤسسات بحثية مثل " معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى " و " مركز الدراسات الاستراتيجية المتقدمة في واشنطن وتل أبيب‏ " وتدعو هذه النظرية إلى تفكيك الشرق الأوسط وإعادة تركيبه على أسس قبائلية وطائفية‏،‏ على أن يتكفل عنصر موازين القوى بفرض التوازن المطلوب بين الكيانات والوحدات السياسية الجديدة في المنطقة‏،‏ وتقف إسرائيل بقوة وراء هذه النظرية‏ .‏ وثمة نظرية أخرى ‏تجد رموزها الرئيسية في وزارة الخارجية الأمريكية‏،‏ تدعو إلى إقامة نظام أمني إقليمي في الشرق الأوسط‏‏ يتشكل من عدة دول تمثل القاعدة القوية لنظام شرق أوسطي اقتصادي وسياسي جديد‏،‏ وهي تتضمن‏ :‏ العراق الجديد والأردن وتركيا وإسرائيل‏،‏ مع الأمل في أن تنضم إليه مستقبلا أية دول عربية أخرى ‏.‏

وثمة نظرية أمريكية ثالثة‏‏ ترفض نظرية موازين القوى ونظرية النظام الإقليمي‏‏ وتدعو إلى تنظيم المنطقة وفق قاعدة يطلقون عليها " مبدأ الحرية "، ومن أبرز منظري هذا التيار‏‏ الباحث الأمريكي البارز مايكل ماكفول الذي نشر في دورية " بوليسي ريفيو " الأمريكية دراسة واسعة حول رؤيته لإعادة تنظيم الشرق الأوسط‏ .‏ وتقوم أهم محاور هذه الدراسة على عدة أسس أهمها ‏:‏ التزام الإدارة الأمريكية بمبدأ الحرية كدليل يقود السياسة الخارجية الأمريكية‏،‏ كبديل عن مبدأ الاحتواء الذي تبنته الولايات المتحدة إبان الحرب الباردة‏،‏ وهو يستهدف توسيع نطاق الحريات الفردية في الشرق الأوسط فيما يخص الشؤون السياسية والاقتصادية والاجتماعية‏،‏ والعمل في الوقت نفسه علي التخلص من القوى المعارضة للحرية‏‏ سواء كانوا أفرادا أو نظما أو منظمات . أما الأساس الثاني فيقوم علي دعامتين هما التدمير ثم البناء‏،‏ والعدو المطلوب تدميره هنا هو عدو أيديولوجي في المقام الأول‏ .‏ وتقول الدراسة : إنّ الولايات المتحدة لن تكون في حالة حرب مع الإسلام ذاته ولكن مع الأصولية الإسلامية‏،‏ أما عملية البناء فتقوم على نشر الديمقراطية في أنحاء الشرق الأوسط ،‏ وما قد يحتاجه ذلك من تغيير لبعض النظم الحاكمة ‏.

نظرية الدومينو الجديدة

تتوقع أنّ الخطوة " الجريئة جدا " المتخذة ضد العراق سوف يكون لها مفعول سريع في منطقة الشرق الأوسط كاملة، إما بأن تحدث تغييرات داخل مجتمعات تلك الأنظمة بفعل تأثير النموذج الذي سيبنى في العراق، أو بفعل الضغوط السياسية التي تكون دول المنطقة عرضة لها والتي سوف تدفعها إلى مراجعة سياساتها تجاه الولايات المتحدة وحليفتها إسرائيل . وفي هذا الشأن قال الرئيس الأمريكي جورج بوش في خطابه قبل الحرب بيومين : " إنه بمجرد ما يغادر الديكتاتور بإمكان العراقيين أن يكونوا نموذجا حيا في كامل الشرق الأوسط لأمة قادرة على تسيير نفسها بعزيمة وسلام "، وفي الشأن نفسه قال نائبه تشيني أيضا : " إنّ عراقا ديمقراطيا وتعدديا سوف يخلق نموذجا يكون محل استلهام لطلب الديمقراطية والتغيير في الدول العربية الأخرى " .

وعموما فإنّ نظرية الدومينو لم يكن اختبارها ناجحا حتى في وقتها، ولا تبدو اليوم مؤشرات تدفعنا إلى الجزم بأنها ستتحقق اليوم، فمن السذاجة أن نعتقد أنّ نظاما ديمقراطيا سوف يقام بسرعة في العراق، يتجاوز حجم الصراعات الدينية والإثنية والسياسية وسيكون محل جذب للشرق الأوسط بكامله بحيث ستتهاوى كل الأنظمة بفعل ديمقراطية العراق، لكن ما نستطيع أن نجزم به هو أنّ الولايات المتحدة الأمريكية اليوم أصبحت تتمتع بعوامل ضغط جديدة على الأنظمة الحاكمة في الشرق الأوسط تجعل هذه الأخيرة مرغمة على الانصياع للمشروع الأمريكي، وإلا ستجد نفسها عرضة لصواريخ وقنابل يقال لها إنها حاملة للديمقراطية ورياح التغيير .

ويمكننا القول إنّ شكل التغيير المنتظر في الشرق الأوسط يستهدف بشكل عام من وجهة النظر الأمريكية تحقيق هدفين أساسيين :‏ أولهما، حل المعضلة الأمنية الإسرائيلية بشكل حاسم‏،‏ من خلال ترتيبات سياسية وعسكرية واقتصادية وديموغرافية‏ .‏ وثانيهما، تحقيق الرغبة الأمريكية الجامحة لإحداث تغيير جذري في المنظومة السياسية لمنطقة الخليج والشرق الأوسط‏ .‏

وهكذا، فبعد جريمة ‏11‏ أيلول/سبتمبر انقلبت الأمور رأسا على عقب‏،‏ وتحول الشرق الأوسط - فجأة - من وضع جغرافي تنحصر أهميته في قضيتي البترول والصراع العربي - الإسرائيلي‏‏ إلى منطقة واقعة في قلب الإعصار التاريخي الدولي‏ .‏ فلم يعد أمن البترول هو الشأن الأول ولا أمن إسرائيل كذلك‏،‏ بل باتت هناك حاجة أيضا إلى دمج المجال الحيوي الاقتصادي للبترول مع المجال الحيوي الاستراتيجي للشرق الأوسط والمرتبط بالمصالح الأمريكية والإسرائيلية‏،‏ وتحويل المنطقة كلها إلى منظومة واحدة ضمن المنظومات الدولية الأمنية والسياسية والاقتصادية الجديدة ‏.‏

ومن أجل ذلك، لم تكن التصريحات الأمريكية المتتالية بعد سقوط بغداد، والمتضمنة اعتزام الولايات المتحدة الأمريكية " إعادة تشكيل الشرق الأوسط " مفاجئة ولا جديدة . إذ كانت الإدارة الأمريكية قد عبرت عن ذلك علنا، عبر محطات عدة أهمها : خطاب الرئيس الأمريكي جورج بوش حول " الوضع في الشرق الأوسط " ( 24حزيران/يونيو 2002 )، ووثيقـــة " استراتيجية الأمن القومي " التي أقرها البيت الأبيض الأمريكي في أيلول/سبتمبر 2002، وإعلان باول عن " مبادرة الشراكة الأمريكية في الشرق الأوسط " (12 كانون الأول/ديسمبر 2002)، وخطاب الرئيس الأمريكي جورج بوش حــول " الديمقراطية في الشرق الأوسط " ( 6 تشرين الثاني/نوفمبر 2003 )، والمشروع الأمريكي حول " الشرق الأوسط الكبيــر " ( نشر في 13 شباط/فبراير 2004 وقدم إلى مجموعة الدول الصناعية الثمانية )، وأخيرا الوثيقة الصادرة عن قمة الثماني الكبار في الولايات المتحدة الأمريكية تحت عنوان " شراكة من أجل التقدم ومستقبل مشترك مع منطقة الشرق الأوسط الكبير وشمال أفريقيا " والبرنامج التنفيذي تحت عنوان " خطة مجموعة الثماني لدعم الإصلاح " في 11 حزيران/يونيـو 2004  .

إنّ الاطلاع على هذه الوثائق يضعنا أمام استراتيجية سياسية أمريكية ودولية جديدة إزاء العالم العربي، تم ترسيمها في ظل المناخات المتعلقة بالحرب على الإرهاب، وهي تتمثل في النواحي الأساسية التالية :

- إنّ عملية التسوية لم تعد تقتصر على حل قضايا الصراع مع إسرائيل وإنما هي باتت جزءا من عملية شاملة تتضمن إعادة صياغة الأوضاع العربية بحيث يشمل ذلك إجراء تغييرات جوهرية في طبيعة النظم السياسية القائمة وشكل علاقاتها الخارجية والداخلية وإدخال إصلاحات اقتصادية وتربوية فيها .

(2) - إنّ الإدارة الأمريكية لا ترغب، فقط، بإجراء تغييرات سياسية وإصلاحات اقتصادية في معظم الأنظمة العربية وإنما هي ستعمل على الدفع بهذا الاتجاه بمختلف الوسائل أيضا، بما في ذلك وسائل الضغط السياسي والاقتصادي، وربما يصل الأمر إلى حد استخدام القوة، حيث يلزم ذلك . وما يلفت الانتباه، أيضا، أنّ هذه الإدارة لم تعد تكتفي بمجرد الصداقة مع طبقة سياسية حاكمة في هذا البلد أو ذاك، وإنما هي ستعمل على إدخال تغييرات تطال بنية المجتمعات العربية بما يؤمن مصالحها السياسية والأمنية والاقتصادية، وهذا هو المغزى الحقيقي للحديث عن الأسواق الحرة والمنظمات غير الحكومية وبرامج نشر الديمقراطية والتعليم المفتوح وتغيير المنظومة التربوية وعدم الاكتفاء باقتصار التعاون مع الحكومات .

(3)-  إنّ إسرائيل هي حجر الزاوية في السياسة الأمريكية إزاء المنطقة العربية، لذلك فإنّ أمريكا تحاول كل ما في وسعها لضمان أمن إسرائيل وتفوقها النوعي في مختلف المجالات، بما في ذلك تمكينها من التدخل في صياغة الترتيبات الجديدة في المنطقة من موقع الشريك المتميز.

(4)- إنّ الإدارة الأمريكية، مدعومة من الدول الثماني الكبار، باتت أكثر حساسية تجاه ضرورة إيجاد حل لمختلف جوانب الصراع العربي ـ الإسرائيلي، لأهمية ذلك للأمن والسلم الدوليين ولضمان مصالحها في هذه المنطقة الاستراتيجية من العالم . ومن الواضح، بعد كل هذه المعطيات، أنه ثمة ميل لهذه الدول لدفع الولايات المتحدة الأمريكية لفرض مثل هذا الحل، على الأطراف المعنيين، بغض النظر عن مدى تجاوب هذا الطرف أو ذاك مع الحلول المطروحة، خصوصا بعد أن ثبتت استحالة توصل هذه الأطراف لوحدها إلى حل متفق عليه، وطبيعي أن مستوى وشكل الضغط على إسرائيل سيختلفان عن مثيلهما بالنسبة للعرب .

(5)- في مجمل التوجهات الأمريكية المتعلقة بعملية التسوية مع الفلسطينيين، بات قيام الدولة الفلسطينية، ولو بشكلها المؤقت، مرهونا بوقف المقاومة والانتفاضة وبإصلاح المؤسسات وتغيير القيادات الفلسطينية، إلى درجة أنّ الرئيس بوش رهن حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني بوقفه لـ " الإرهاب " وبتحقيقه للإصلاحات ! وبذلك أصبحت وجهة النظر الأمريكية أكثر اقترابا من وجهة النظر الإسرائيلية، وفي هذه المقاربة المجحفة باتت إسرائيل في موقع الضحية والشعب الفلسطيني في موقع المعتدي ! وبات مطلوبا الإطاحة بالقيادة الفلسطينية (على الرغم من كونها منتخبة !) وتغييرها بقيادة تتجاوب مع المصالح الأمريكية والإسرائيلية .

وبداية، يجب أن نعترف بأنّ دول المنطقة العربية بحاجة ماسة إلى التطور في اتجاه ديمقراطي، لكن لابد من التأكيد، في الوقت نفسه، على :

(1)- أنّ الديمقراطية لا يمكن أن تكون مجرد وصفة مستوردة من الخارج، وإنما هي – أساسا - فعل محلي داخلي وطني وتفاعلات ونضالات شعبية .

(2)- أنّ الدفاع الأمريكي عن الديمقراطية وسيادتها بين دول وشعوب العالم كان دائما محل شك، إلى أن سقطت غلالته الأخيرة بعد جريمة 11 أيلول/سبتمبر2001، فقبل هذا التاريخ كانت الولايات المتحدة ترفع " رايات " الديمقراطية والحريات والدفاع عن حقوق الإنسان، وتأسست إدارة في وزارة الخارجية الأمريكية لهذا الغرض تصدر تقارير دورية عن حالة حقوق الإنسان والممارسة الديمقراطية في دول العالم المختلفة، وتصوغ سياساتها الخارجية وعلاقاتها مع الدول المختلفة، قربا أو بعدا، وفق التطور الإيجابي أو الأوضاع السلبية لحالة الحريات العامة في كل دولة، أو هكذا كانت تزعم . لكن ما كان يؤخذ على هذا النهج الأمريكي أنه يتعامل بطريقة " انتقائية " مع قضية الديمقراطية، بمعنى أنه عندما تكون للولايات المتحدة مصلحة بأن تتحقق الديمقراطية في بلد ما فهي مع هذه الديمقراطية، وعندما تكون مصلحتها في وجود نظام ديكتاتوري - وهذا حدث في بلدان عربية وأجنبية كثيرة - كانت أمريكا تغمض العين تماما عن قضية الديمقراطية والحريات وحقوق الإنسان، لأنّ لها قواعد عسكرية - مثلا - في هذا البلد، أو روابط وتحالفات وثيقة مع تلك الدولة أو هذا النظام لضمان توازنات إقليمية ودولية معينة . فحينما توجد المصلحة الأمريكية إذا، كان يتحدد الاختيار : ديمقراطية أو لا ديمقراطية .

(3)- أنّ الجانب القيمي هو أيضا غير محدد ويتصل كذلك بالمصالح الأمريكية البحتة، وبالتالي فالمفهوم الديمقراطي هنا هو ما ينسجم ويتوافق مع سياسات الولايات المتحدة ورؤيتها للأمور، وكل ما يتعارض معها فهو غير ديمقراطي حتى ولو كان نظاما ديمقراطيا بالمعايير الموضوعية، ويمتلك تعددية بالمعنى الليبرالي . من هنا يبدو واضحا أنّ المسألة الديمقراطية في نظر الولايات المتحدة هي عبارة عن " أداة " من أدوات السياسة الخارجية، فمثلما تستخدم المعونات في دعم الأنظمة والدول من أجل خدمة مصالحها كذلك تستخدم هذا الشعار تبعا لمدى قرب أو بعد النظام المعني من السياسة والمصالح الأميركية، إذن نحن أمام حالة تتعلق بالمصالح والاستراتيجيات الأمريكية .

ولذلك فإنّ كل هذا الحديث الأمريكي عن التغيير يثير شبهات عديدة أهمها :

(1)- إنه لا يمكن فرض مشروعات الإصلاح أو الديمقراطية أو التغيير من فوق، بصورة انقلابية وبطريقة قسرية وبالوسائل العسكرية، وحقيقة فإنّ هذا التوجه يقوض الادعاءات الأمريكية بشأن " نشر الديمقراطية " في العالم العربي، وهذا ما استدركته وثيقة الدول الثماني الكبرى .

(2)-  إنّ هذه المشروعات لا يمكن أن تنجح إذا لم تنبع من حاجات وأولويات وتطورات  المجتمعات ذاتها .

(3)- إنّ الإدارة الأمريكية تقدم الدعم السياسي والمادي لإسرائيل، التي تمتلك أسلحة الدمار الشامل وتحتل أراضي الفلسطينيين، إضافة إلى الجولان السوري ومزارع شبعا اللبنانية، وتمارس الإرهاب والعدوان والتمييز العنصري ضدهم، وهذا يضعف مصداقية الطروحات الأمريكية ويثير الريبة بشأنها .

(4)- إنّ الإدارة الأمريكية تحاول أخذ القانون الدولي بيدها، بشكل أحادي، بمعزل عن إرادة المجتمع الدولي والأمم المتحدة، وهو ما يضفي المزيد من الشبهات حول طبيعة التوجهات الأمريكية .

(5)- إنّ الولايات المتحدة وقعت ضحية غطرستها وجبروتها فطغت عليها روح الحرب والعدوان والانتقام، بدلا من روح السلام والتسامح والتعاون لحل القضايا الدولية .

وهكذا، فإنّ الوهم الذي يسوق راهنا للنخبة العربية، يعاني من اختلالات جوهرية عديدة، نكتفي بالإشارة إلى ثلاثة منها :

(1) - طبيعة مضمون المشروع الأميركي الجديد، الذي يختلف عن قيم التنوير الأمريكية الرحبة التي قامت عليها الثورة الأمريكية، كما يختلف عن الليبرالية الولسونية المنفتحة، وحتى عن أيديولوجية العولمة المنفتحة التي كان يبشر بها الرئيس السابق كلينتون، إنه مشروع أصولي مغلق ومتطرف غير قابل للتصدير، لا يختلف عن الأصوليات المألوفة لدينا، كما يعرف من لديه أدنى اطلاع على كتابات وأعمال " الإصلاحيين " الأمريكان الجدد .

(2) - طبيعة ارتباط المشروع الأمريكي ودعاته بالمؤسسة الصهيونية وعلى الأخص بتيارها الأكثر تطرفا ورفضا للحقوق العربية .

(3) - القطيعة الواضحة بين المقتضيات الداخلية لمشروع الإصلاح الأمريكي التي تلتقي في الظاهر مع متطلبات الشارع العربي ( إحقاق الحريات العامة وحقوق الإنسان ) ومقتضياته الاستراتيجية الخارجية ( الاندماج في نظام هيمنة واستغلال قاسٍ ) .

ولذا، ولئن كان من الخطأ الجسيم تعليق الحريات والوقوف مع الاستبداد باسم الشرعية القومية، فإنّ الوقوف مع الاحتلال والتبشير به وهم زائف لا يقل خطرا . فلقد تناسى الكثيرون أنّ مسار الديمقراطية والتحديث تزامن وارتبط بمشروع الدولة القومية في أوروبا، وأنّ الاختلالات التي نجمت عن النزعات القومية المتطرفة ( كالنازية والفاشية ) كانت مجرد استثناءات دراماتيكية في مشهد تاريخي مطرد .

إنّ ظاهرة المراهنة على التدخلات الأجنبية ليست ظاهرة جديدة ارتبطت بالحرب الأخيرة على العراق أو باحتلال هذا البلد العربي، ولكنها ظاهرة قديمة نشأت بموازاة تدهور النظم السياسية وانفصالها عن المجتمع . وبموازاة هذا الانفصام تزايد تقرب النخب الحاكمة من الدول الكبرى للتعويض عن تقلص القاعدة الاجتماعية الداخلية ولحصار المعارضة، وفي المقابل تصاعدت الآمال عند المعارضات والرأي العام معا، على تغييرات خارجية في تحقيق تغيير في أوضاع مأساوية تبدو أكثر فأكثر عصية على التغيير ومرتهنة لتوازنات جيو- سياسية وجيو- استراتيجية ليس للقوى الشعبية قدرة على التأثير فيها .  وهذا يعني في الواقع أنّ عودة الاستعمار لم تبدأ باحتلال جيوش المارينز لبغداد ولكن قبل ذلك بكثير عندما أصبح مصير التغيير السياسي أو البقاء في السلطة ومصير الإصلاح الاقتصادي والإداري، كل ذلك يرتبط بالفعل بجدلية القوة وبالعلاقة مع الخارج الذي يشكل المنبع الرئيسي لهذه القوة أو مرجعها الحقيقي  . وهذا هو جوهر ما يميز الظرف الاستعماري الجديد الذي كان احتلال العراق الثمرة الأولى أو التجسيد المادي المباشر والساطع له  .

ونعني بالظرف أو الشرط الاستعماري ارتهان الحياة السياسية فعلا لعوامل وتدخلات قوى خارجية، سواء أكانت تدخلات مباشرة مادية عسكرية أو اقتصادية أو كانت سياسية ومعنوية . وهو ثمرة عوامل عديدة أدت إلى تلاشي السياسة الوطنية وانحلال الوحدة الداخلية وترسخ علاقة التبعية  . وما يحصل اليوم في العالم العربي، بعد غزو العراق ، هو تعميق لهذا الظرف وترسيخ لأسسه التي تقوم على تعميم الاستقالة الوطنية  : استقالة النخب الحاكمة من جهة واستقالة  أكثر قوى المعارضة العربية  بصرف النظر عن البيانات الدعائية،  بل استقالة الرأي العام العربي برمته الذي يبدو أكثر من أي حقبة أخرى مستسلما لمصيره  .

وتضطر الدول العربية اليوم إلى التسليم بأحقية وحتمية وفاعلية الضغوط الدولية في كل الميادين حتى فيما يتعلق بتطوير نظم الحكم المحلية، وهي لا تملك وسيلة لتخفيف الضغوط عليها سوى الانصياع بشكل أكبر لشروط الإدارة الأمريكية والاستجابة لمتطلبات سيطرتها العالمية والإقليمية والتعاون معها في تحقيق أهدافها، سواء أكان ذلك في تمكين الوصاية على العراق أو تأمين الاستقرار والسلام لإسرائيل أو في التكيّف مع معطيات الاستراتيجية العسكرية والسياسية والاقتصادية الأمريكية الشرق أوسطية  .

وما يقال عن النخب الحاكمة يقال أيضا عن بعض المعارضة، فبقدر ما أخفقت في الخروج من العزلة والهامشية وتوسيع قواعدها الاجتماعية بوسائلها الخاصة دفعت قسما متزايدا من الجمهور الملتف حولها إلى المراهنة،  في تعويمها وإيقافها على قدميها وانتزاع حقها في المشاركة في إدارة الشؤون العامة لبلدانها، على تبني واشنطن لفكرة الإصلاح والتغيير في البلاد العربية .  وبهذا تكون الولايات المتحدة قد تحولت، من دون علمنا وبعلم بعضنا، إلى السلطان الأكبر الذي وليناه أمرنا من وراء مظاهر السيادات الوطنية الشكلية .

 ويبدو أنّ المواطن العربي يحتاج  أن يقتنع بأنّ العمل ضد ذلك المشروع سيفشل إن لم تصاحبه تغييرات للأوضاع الداخلية التي سمحت لهذا المشروع الاستعماري أن يتجذر عندنا . إنّ تلك الأوضاع التي قامت بسبب غياب الحكم الصالح والمؤسسات الديمقراطية وعدالة توزيع الثروة لا يمكن محاربتها من قبل أفراد وإنما من قبل مؤسسات، على رأسها الأحزاب السياسية الديمقراطية والنقابات الحرة والجمعيات المهنية المستقلة والتنظيمات النسائية ومنابر الرأي الصادقة، فإذا كان المواطن يريد حقا الوقوف ضد المشروع الاستعماري ويثأر لكرامة أمته فعليه أن يكون عضوا فاعلا ونشطا وملتزما في مثل تلك المؤسسات والهيئات المدنية .

وإذا كانت هناك نية عربية حقيقية لصياغة فكر استراتيجي عربي جديد لمواجهة كل التحديات والإجابة عن كل تساؤلات درس الغزو الأمريكي للعراق فإنّ البداية الحقيقية يجب أن تنطلق من كفاءة النظام السياسي وشروط تحقيق هذه الكفاءة التي تتمثل أولا وقبل كل شيء‏ في وجود درجة عالية من الثقة المتبادلة والارتباط القوي بين الحاكمين والمحكومين .‏

إنّ الوطنية لم تعد مقبولة بلا مضمون ديمقراطي، والديمقراطية تصبح أكثر فأكثر الأساس لعلاقات إنسانية على المستوى المحلي والعالمي وبديل عن الأفكار القومية الانعزالية الشوفينية والماركسية الشمولية والإسلاموية الإرهابية أو المتخلفة . إنّ سقوط مفهوم الوطنية القديم الذي يعتمد مقاومة الغريب أو الأجنبي أو " الكافر" لمجرد أنه غريب، هو لصالح مفاهيم وطنية جديدة ترى حدود الوطن في حدود المواطن الحر .

 

تونس في 28/10/2004                          

                                              كاتب وباحث سوري مقيم في تونس