مقاربة حول محنة الأمة وضرورة مواجهة الذات العربية...توصيف المحنة ومظاهرها..1 ..

الدكتور عبدالله تركماني

إذ يمنح التاريخ للأمم لحظات حاسمة من حياتها حتى تقف أمام الحقائق العارية لاستخلاص الدروس الكبرى لمواصلة البقاء، فإننا أمام لحظة فاصلة يتحتم فيها على الأمة العربية أن تحسن استشراف ما هو متوقع ومحتمل، بعيدا عن التمني والرجاء، وبعيدا عن الاستغراق في الأوهام، سواء من جانب الذين ينتظرون " المعجزة " التي ستصنعها المقاومة العراقية، أو من جانب الذين يأملون في " المعجزة " الديمقراطية التي ستبنيها الولايات المتحدة الأمريكية في العراق لكي تكون نموذجا يحتذى به .

  إنّ ما جرى في فلسطين والعراق مآل سياسي وثقافي حتمي لعقود من الانحطاط والعيش القسري وسط القمع الممنهج وأقبيته، إنه نهاية رهانات أخيرة لجيل من أتباع قومية عربية لم تنجز النهضة المنشودة عبر النموذج العسكريتاري الانقلابي وما رافقه من جرائم بحق المجتمع وتحكيم أقلية بأكثرية وعسكرة وسجون وقدسية فرد وتركيب عصبيات جهوية وترييف حواضر، وتحويل الفساد والكذب مدماكين لبناء الولاء وتكوين القاعدة " الجماهيرية " وتجييشها .

وفي الواقع، تبدأ محنة الأمة - أية أمة - من نقص كفاءة النظم السياسية السائدة وضعف قدرتها على تفادي توريط شعوبها في مأزق جديد بين حين وآخر، حيث تكون النتيجة هي أن تدفع الشعوب الفاتورة الغالية، بينما تستمتع بعض النظم بميّزات متزايدة وإمكانات ضخمة . وغالبا ما يرتبط ذلك بديكتاتورية الحكم وغياب الديموقراطية وسيطرة التأخر السياسي، بل وشيوع الفساد أيضا .

إنّ احتلال بغداد يوم 9 نيسان/أبريل 2003 يشير إلى السقوط الأخير لنمط معين من الأنظمة العربية الديكتاتورية، وهو سقوط أخير لمرحلة من السياسات التي هدّمت ودمّرت المجتمعين السياسي والمدني، وأقامت نظاما فوقيا، ديكتاتوريا وفرديا . إنه زلزال لحظة في انهيار تاريخي شامل، لا بد من دراسته بروية ونظرة نقدية واستخلاص دروسه وعبره . فبعد النكبة العربية المتجددة في فلسطين والعراق والنتائج المخزية للتنمية الإنسانية على مدى العقود الماضية بات واضحا وضروريا حاجة أمتنا العربية إلى مواجهة الذات بمصداقية وعقلانية،‏ من أجل تجاوز السلبيات التي تنتشر في بنيانها السياسي والاقتصادي والاجتماعي‏،‏ والعمل بكل جهد مخلص لإصلاحها بما يحقق الصالح العربي العام‏،‏ ‏وحتى يمكن التعاطي المجدي مع المخاطر التي تتعرض لها أمتنا العربية اليوم‏‏ وما قد ينتج عنها من تداعيات،‏ فضلا عن الضرورة الحتمية التي تفرضها علينا التحديات العالمية‏‏ التي أصبح الهروب منها أو تأجيلها هو المستحيل بعينه‏ . فطوال العقود الماضية قاد التناقض بين الحاجة إلى استراتيجية عربية للقوة والعجز عن وضعها موضع التنفيذ إلى العجز عن بلورة أية استراتيجية . فمنذ خمسينات القرن العشرين نستعيد الخطابات نفسها وأنواع السلوك نفسها، ونعجز عن بلورة وعي حقيقي، أو عن القيام بنقد ذاتي يساعد على تطوير بذور وعي نقدي للواقع ومتطلبات تقدمه .

فثمة ثقافة بكاملها تحتاج إلى المساءلة، بمرجعياتها ومؤسساتها ونماذجها ورموزها وإعلامها وخبرائها، هي ثقافة المكابرة وتبجيل الذات والثبات على الخطأ والتستر على الآفات والهروب من المحاسبة، فضلا عن القفز فوق الوقائع والخوف من المتغيّرات ومجابهة المستجدات بالقديم المستهلك، بل بالأقدم أو الأسوأ من المفاهيم والتقاليد أو الوسائل والأدوات والمؤسسات .

إننا نتهرب من تحمّل المسؤولية وإلقائها على الغير، ونتحدث عن المؤامرات التي تدبر من الخارج لتغطية العجز عن التدبير في الداخل، ولا نقر بالهزيمة لكي نتعلم من الأخطاء ونستفيد من التجارب والشواهد . هذا دأبنا في مساعينا القومية : نتستر على الآفات التي هي أصل المشكلة، نرجئ فتح الملفات التي تحتاج إلى الدرس والنقد، نعمل على تحصين الأنظمة التي تنتج الهدر والفقر والقهر والعبودية والفساد .

إنّ محنة الأمة التي نشأت عن خطايا النظم ومعاناة الشعوب هي اليوم الدافع الأساسي ومصدر الإلهام الحقيقي لكل الأفكار الإيجابية الجديدة وكل التوجهات العصرية المطلوبة حتى نصبح يوما بحق " خير أمة أخرجت للناس " . فهل ننتظر التغيير من الخارج أم سنبدع حلولا ووسائل جديدة للنهوض وممارسة دورنا في المسيرة العالمية متأثرين وفاعلين ؟ هل ستذهب سدى دروس الاحتلال الأمريكي للعراق ؟ وهل ستحتاج الحكومات العربية لكوارث أخرى لتتعلم أنّ لا شيء يعلو على حرية المواطن التي هي أساس بناء المجتمعات الحديثة وتقدمها وانتصارها ؟ . وربما يكون السؤال الصعب الذي يواجهنا اليوم هو : كيف نعيد المعنى إلى قضايانا ونبني حداثتنا ونثبت الأمل بدل اليأس، وأن نبدأ التفكير بأقل ما يمكن من الانفعال وأكثر ما يمكن من العقل لتحديد معالم مشروع نهضتنا العربية الجديدة ؟ .

توصيف المحنة ومظاهرها

النظام السياسي العربي ألّه الفرد الحاكم، وامتهن كرامة الشعب وأذلّه وأرعبه بالقمع الوحشي، وأشاع الفساد، واضطهد الأحرار، وأعطى دوما القدوة السيئة في الكذب والتزوير والتعصب والمحاباة، وفرّط في استقلالية  القرار الوطني والقومي . هذا النظام السياسي الفاسد هو  الذي أهدر قوى الأمة في صراع داخلي راحت ضحيته مئات الآلاف من خيرة المواطنين الذين عُذّبوا وسُجنوا أو أُجبروا على الهجرة، وهو الذي  تسبب لنا في حروب أهلية متواصلة  وسّعت الهوة بين الحكام والمحكومين .

أما عراقيا، فقد دخل يوم التاسع من نيسان/أبريل بوصفه فاصلة ومحطة مهمة في تاريخ العراق، ففيه فتح أول سجن كبير بعد سقوط نظام شمولي مثّل أسوأ أنظمة العسكريتاريا العربية التي استولت على السلطة واستغلت المواجهة مع إسرائيل لتبرير إقصاء المواطنين عن مباشرة أمورهم العامة، وخلقت طبقة من كبار المسؤولين المتميزين، تعتمد لاستمرارها على القمع وتعميم " ثقافة الخوف " والجيوش التي " تتشاطر" على مواطنيها وتسجل الهزائم أمام الأعداء الخارجيين، وأنشأت فرق مسلحة خاصة وأجهزة أمنية متعددة لحمايتها من الشعب، وباتت تعتمد على حزب " ثوري " وحيد، يرى في مفاهيمه الحقيقة المطلقة وقدر الأمة، وتسمح منطلقاته بإنتاج القائد " الفذ " كبديل عن المؤسسات المدنية المنتخبة والمواطنين الأحرار، كما تسمح بعسكرة المجتمع وتحويله إلى قطيع من " جيوش شعبية " تمارس طقوس العبادة للزعماء وتحكمها الطاعة كبديل عن الحوار والمحاسبة، وحيث البندقية تنوب عن السياسة لتنبع الأفكار من فوهتها، وحيث تتحول السلطة إلى أداة لنهب الممتلكات العامة ويتحول " الوطن " إلى ملكية خاصة للمستبد " يتنازل " لقبول تواجد المواطنين عليها شرط تقديمهم الروح والدم للدفاع عنه عندما يأمر بذلك .

إنّ توصيف طبيعة النظم العربية القائمة وآليات عمل نخبها الحاكمة يمكن أن يعطينا في مجمله الصورة كما يراها غيرنا بكل ما لها وما عليها، إذ أنّ بعض الأنظمة العربية تعاني حالة من التقوقع داخل إطار دوائر مغلقة سواء كانت تلك الدوائر سلطوية أو حزبية أو حتى عائلية، لذلك توقفت المشاركة في السلطة وغاب دوران النخبة واختفت الدماء الجديدة التي تضخها الشعوب في نظمها السياسية لتعطيها الحيوية وتوفر لها أسباب المضي نحو آفاق المستقبل بخطى ثابتة ونقلات واعية .

وعلى الصعيد العربي العام، يعتبر تفسّخ النظام الإقليمي مع ما رافق ذلك من تهافت للأنظمة، فرادى وجماعات وبنسب متفاوتة، أمام الهجوم الأمريكي الكاسح المتعدد المستويات، هما من أبرز مظاهر المحنة العربية لمرحلة ما بعد احتلال العراق . إذ أنّ تخلف النظام العربي عن اللحاق بموجة الدمقرطة التي شهدها العالم بعد نهاية الحرب الباردة في تسعينات القرن العشرين أدى إلى بلبلة فكرية وسياسية في المجتمعات العربية، التي باتت تدرك أنه من العار أن تُترَك مهمة إلحاقها بالشعوب الأخرى لقوى الاستعمار الجديد، كما باتت تدرك أنّ آليات الاستبداد الداخلية تلجم طاقات المجتمعات العربية وتحرمها من إمكانيات الصمود في وجه التحديات الخارجية .

 

  وتمثل مظاهر المحنة جوهر اهتمامات ناشطي الشأن العام في أقطار أمتنا العربية، ومن أهمها :

(1) - إنّ التأخر السياسي هو جوهر القضية، منه بدأت مآسينا وعنه انطلقت مشاكلنا  وارتبطت به نكباتنا وهزائمنا بل كوارثنا . وعليه فإنّ الإصلاح الشامل يعني بالضرورة كسب المعركة ضد التأخر السياسي بكل أشكاله، ذلك أنّ الإرادة السياسية هي " المتغيّر المستقل " الذي يقود وراءه مجموعة كبيرة من المتغيّرات التابعة في جوانب الحياة كافة . كذلك فإنّ التأخر السياسي يرتبط غالبا بالفقر الفكري والاضمحلال الثقافي وتدني مستوى المعيشة وغياب العدالة في المجتمع، كما يرتبط أيضا بضعف الأداء الإداري ونقص الخدمات وقصور المشاركة السياسية وغياب الديموقراطية الحقيقية .

(2) – إنّ محنة الأمة تأتي من مجموع الفرص الضائعة على مختلف الأصعدة، بدءا من غيبة التضامن القومي وضعف التنسيق السياسي واختفاء التكامل الاقتصادي، ووصولا إلى تزايد الفاقد من قدرات الأمة والذي يبدو أكثر كثيرا من المتاح منه، فضلا عن سوء استخدام الموارد أو توظيف القدرات .

(3) - الديموقراطية تظل مسألة حيوية في تحديد مسار الأمة وتقدم شعوبها ورفع المعاناة عنها، وهي ليست نموذجا بعينه أو إجراءات بذاتها ولكنها قبل ذلك كله مناخ سياسي وبيئة فكرية تسمح بالحوار الحر والنقد البناء والفكر المختلف . فالديموقراطية ليست فقط هي المؤسسات، لكنها أيضا السياسات ضمن إطار عام يفسح في المجال أمام الحريات ويحترم القانون ويعلي من قدر حقوق الإنسان .

(4) - إنّ الفساد ظاهرة إنسانية تعاني منها كل المجتمعات وتعرفها كل النظم ويدفع ثمنها المواطن العادي في كل الشعوب، ولكنّ شيوع الفساد وتجاوز معدلاته للنسب المعتادة في العالم العربي هو الأمر الذي يدعو إلى القلق ويحتاج إلى المراجعة، علما بأنّ الفساد كل لا يتجزأ ترتبط عناصره المختلفة بالجوانب السياسية والاقتصادية والاجتماعية في ظل مناخ عام تغلب عليه المعايير السطحية وتختلط فيه السلطة بالثروة وتغيب عنه ضوابط حماية المال العام ويضعف فيه الشعور بالانتماء إلى الوطن، وعندئذ يتفشى الفساد وتشيع المحسوبية وتنتشر الرشوة وتختفي القيم الإيجابية وتسود السلوكيات المظهرية وتبدأ حالة من الغليان لدى الفئات الشعبية وهي تشعر بالتناقض بين ما تعيش فيه وبين ما تراه حولها .

إنّ هذا الزلزال حدث من فراغ كبير صنعناه نحن بأيدينا : فراغ في المؤسسات الرسمية التي لم تتطور في أغلبها إلى أنماط ذكية ومقتدرة من الحكم الصالح البعيد عن الأمزجة والأهواء الفردية والأحزاب الواحدة المعصومة عن الأخطاء، وفراغ في المؤسسات التربوية والتعليمية التي ظلت تلقّن الأجيال وتحفّظهم وتعلّمهم الخنوع عوض تفجير طاقات الشك والتفكير والحوار وحب التفوق والامتياز .

نحن أضعفنا أنفسنا بأنفسنا، فالمجتمع المدني في بلداننا ممزق، والمجتمع السياسي تافه وعاجز عن الصمود في وجه تطاول السلطات، إذ أصبح من الممكن شراء بعض السياسيين أو المثقفين الكبار بأرخص الوظائف أو أرخص الأموال، وأصبح من الممكن للسلطــــات " تركيع " أية جماعة عمالية أو فلاحية أو مثقفة أو طبقة وسطى، دون أن تمد فئات المجتمع الأخرى يد المساعدة ولو لمجرد الاحتجاج، وأصبح من المعتاد للسلطة أن تقوم بعملية خرق كامل لكل القوانين، ولا تتمكن أي من القوى المجتمعية أن تعترض .

وربما كان أكثر من عبَّر عن حالنا هو " تقرير التنمية الإنسانية العربية لعام 2002 " ، الذي قال لنا حقائق مخجلة عن واقعنا . ففي العام 1999 عندما كان عدد العرب قد وصل إلى
280  مليون نسمة -  وهو الآن حوالي 300 مليون -  فإنّ مجموع الناتج المحلي الإجمالي لاثنتين وعشرين دولة عربية وصل بالكاد إلى 531 مليار دولار، وهو رقم لا يصل إلى الناتج المحلي لدولة واحدة متقدمة حديثا هي أسبانيا . وإذا أخذنا بمؤشر نصيب الفرد العربي من الناتج القومي مقوّما بالقدرة الشرائية للدولار، فإنه لن يزيد على 14 % من نصيب الفرد في الدول الأعضاء في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية .  وإذا ما استمر معدل نمو هذا النصيب على أحواله الراهنة التي تصل في المتوسط خلال العقدين الماضيين إلى  0.5 %  فإنّ المواطن العربي سوف يحتاج إلى 140 عاما لكي يضاعف من دخله،  بينما نجح مواطنون في أقاليم ودول أخرى في مضاعفة دخولهم خلال عشر سنوات فقط  .  وفي معرض تحليل هذه الأرقام فإن القائمين على التقرير توصلوا إلى  أنّ هناك فجوة عربية في المعرفة،  وفجوة في الحرية والديمقراطية،  وفجوة في حقوق الإنسان والمرأة خاصة،  بالإضافة إلى الفجوة الهائلة مع العالم المتقدم في النمو الاقتصادي .

  ومرة أخرى، أطلقت نخبة من المثقفين العرب الكبار، عبر تقرير " التنمية الإنسانية العربية 2003 " الذي يصدره برنامج الأمم المتحدة الإنمائي سنويا، صرخة مدوية لتدارك تأخر أبناء المنطقة العربية عن الالتحاق بركب التنمية والتقدم العالميين، ولاستنهاضهم من مستنقعات الجهل والانغلاق على الذات . وإدراكا للأهمية الاستثنائية التي تمثلها المعرفة، لكل زمان ومكان، في تنمية الشعوب وتقدمها عبر العصور، ونظرا إلى اتساع " الفجوة المعرفية " بين العرب وسواهم من أمم العالم، حتى في الدول النامية، يأتي التقرير، وعنوانه " نحو إقامة مجتمع المعرفة في البلدان العربية "، الذي وضعته نخبة من المثقفين والباحثين العرب المرموقين، بمثابة علامة فارقة في عالم عربي يستشري فيه الجهل والأمية ويستبد فيه الطغاة والمتعصبون وتنتهك فيه أبسط حقوق الإنسان وتنتشر فيه الأمية .

في استكشاف حال المعرفة في البلدان العربية، خلص التقرير إلى أنه " تعتري عمليات نشر المعرفة في البلدان العربية في مجالاتها المختلفة ( التنشئة والتعليم والإعلام والترجمة ) صعوبات عديدة أهمها : شح الإمكانات المتاحة للأفراد والأسر والمؤسسات، والتضييق على نشاطاتها . وكان من نتائج ذلك قصور فاعلية هذه المجالات عن تهيئة المناخ المعرفي والمجتمعي اللازمين لإنتاج المعرفة " .

 وتدل المعلومات المقدمة في التقرير على ركود في عدد من مجالات إنتاج المعرفة وبخاصة في مجال نشاط البحث العلمي، إذ يعاني البحث العلمي في البلدان العربية انخفاض الإنفاق عليه ( إنفاق العالم العربي في الوقت الراهن على البحث والتطوير لا يتجاوز 2 % من إجمالي الدخل المحلي، ويدفع غالبه كرواتب ) . كما يعاني غياب الدعم المؤسسي له، وعدم توافر البيئة المؤاتية لتنمية العلم وتشجيعه، إضافة إلى انخفاض أعداد المؤهلين للعمل فيه . فلا يزيد عدد العلماء والمهندسين العاملين بالبحث والتطوير في البلدان العربية على 371 لكل مليون نسمة، وهو أقل بكثير من المعدل العالمي البالغ 979 لكل مليون نسمة .

أما الكتب المنتجة في العالم العربي فلم يتجاوز عددها 1.1 % من الإنتاج العالمي، رغم أنّ العرب يشكلون نحو 5 % من سكان العالم . كما أنّ إنتاج الكتب الأدبية والفنية لم يتجاوز 1945 كتابا عام 1996 مما يمثل 0.8 % فقط من الإنتاج العالمي، وهو أقل مما أنتجته دولة مثل تركيا التي لا يتعدى سكانها ربع سكان البلدان العربية . وبشكل عام، يتسم إنتاج الكتب في البلدان العربية بغزارة في المجال الديني، وشح نسبي في المجالات الأخرى . وتمثل الكتب الدينية نحو 17 % من عدد الكتب الصادرة في البلدان العربية، بينما لا تتجاوز هذه النسبة أكثر من 5 % من الكتب الصادرة في مناطق العالم الأخرى .

إنّ تجربة البلدان العربية في نقل الثقافة والمعرفة وتوطينهما، لم تحقق النهضة التقانية المرجوة، كما أنها لم تحقق عائدا استثماريا مجزيا . فاستيراد الثقافة لم يؤدِ  إلى توطينها، ناهيك بتطويرها أو توليدها . ورغم أنّ البلدان العربية استثمرت أكثر من 2200 مليار دولار بين عامي 1980 و1997 في بناء المصانع والبنية التحتية بشكل أساسي، فإنّ معدل الناتج المحلي الإجمالي للفرد قد انخفض بالفعل خلال تلك الفترة . فهذه الاستثمارات لم تؤدِ إلى انتقال حقيقي للتقانة ، لأنّ ما جرى نقله هو وسائل الإنتاج لا التقانة ذاتها .

وجاء في التقرير أيضا أنّ البلدان العربية خضعت منذ عهود الاستقلال إلى أنظمة سياسيـة " وطنية " لم تستطع أن تتخلى عن نزعات الاستبداد المتحدرة من عصور التاريخ القديمة والمتأخرة . فظل هامش الحريات محدودا في مواطن، أو غائبا تماما في مواطن أخرى، مؤثرا بذلك في " أخلاق " الناس وقيمهم العملية . وساهم القمع والتهميش في قتل الرغبة في الإنجاز والسعادة والانتماء، ومن هنا ساد الشعور باللامبالاة والاكتئاب السياسي، ومن ثم ابتعاد المواطنين عن المساهمة في إحداث التغيير المنشود في الوطن .

وفي السياق السياسي، تبدو المعوقات السياسية لاكتساب المعرفة اشد وطأة من معوقات البنية الاجتماعية والاقتصادية التي خلص التحليل إلى أنها كانت، بدورها، أبلغ تعويقا من أي سمات ثقافية . فالسلطة السياسية في البلدان العربية تعمل على تدعيم النمط المعرفي الذي ينسجم مع توجهاتها وأهدافها، وهي بالضرورة تحارب الأنماط المعرفية المعارضة . ويشكل عدم الاستقرار السياسي واحتدام الصراع والتنافس على المناصب، النابع من الافتقار إلى قاعدة ثابتة ومقبولة للتداول السلمي على السلطة، أي للديموقراطية، عائقا أساسيا أمام نمو المعرفة وتوطنها النهائي وترسخها في التربة العربية .

ثم فلننظر إلى واحد من معوقات التقدم في العالم العربي،‏ وهو الفرق بين الكلمة ومعناها‏،‏ بخلاف الوضوح والتطابق بين المعني المقصود منها في الدول المتقدمة‏،‏ وهو الشرط الأساسي لعدم التشرذم في الحركة الاجتماعية المساندة لتحقيق أي هدف عام،‏ وهو الحبل الذي يربط المجموع ببعضه،‏ فحين يقع التضارب بين الكلمة المنطوقة ومحتواها الفعلي‏ يحدث التشوش‏،‏ والتفكك،‏ والتقاعس،‏ واللامبالاة،‏ وعدم الجدية،‏ وضياع الالتزام‏ .‏ حتى أنّ شعوبا عربية فقدت الإحساس بالمعنى العظيم لكلمة الحرية والاستقلال‏ عندما وجدت أنّ أنظمة الحكم التي نقلتها من عصر الخضوع للاستعمار،‏ قد أدخلتها إلى عصر من الحكم الشمولي‏،‏ والتسلط الفردي‏،‏ ونظام الحزب الواحد،‏ وفي بعض الأحيان حكم الدولة البوليسية‏ .‏ ففقدت الحرية معناها‏،‏ والاستقلال مدلوله‏،‏ وتحولت الكلمتان إلى لافتات مرفوعة على وطن يفترض أنه حر مستقل ‏.

وكان من نتيجة ذلك أنّ المحنة العربية الراهنة تحمل علامتين فارقتين : الأولى، هي الاحتلال المباشر، الذي سوف يسعى إلى نهب الثروة، وتحطيم احتمالات المستقبل، عبر مشاريع فيديرالية بدأت تلوح في الأفق، وعبر تقسيم الشعب الواحد طوائف دينية، وتسعير العداء بين الأقوام المختلفة (الأكراد، التركمان، العرب) في العراق، ومؤشرها الأساسي هو الكلام المتواصل عن أنّ العراق يجب أن لا يكون بلدا عربيا . الثانية، هي إعطاء صك براءة واعتراف للاحتلال الإسرائيلي، وتحويل فكرة الدولة الفلسطينية فيه إلى باندوستان تابع لا يملك من مقومات الدولة شيئا، وهذا يعني إدخال إسرائيل على خط الهيمنة على العالم العربي عسكريا واقتصاديا وسياسيا . والعلامتان معا تصبّان في اتجاه واحد : سحق الفكرة العربية وإخراجها من جدول الأعمال السياسي والثقافي .

فمنذ سقوط فلسطين في العام 1948 غداة الحرب العالمية الثانية وحتى اجتياح الأمريكيين العراق في العام 2003 والعالم العربي ينحدر في هزائمه وخيباته . ولكن بين التاريخين ماذا تغيّر في الخطاب العربي والمشهد العربي والمجتمع العربي؟ .

ما أصاب المشروع القومي هو أنه لم يتعزز بالديموقراطية وظل أسير تجاذباته وأزماته ولم يوسع قاعدته على أساس المواطنة والانتماء والتعددية، لذلك لم تظهر الدولة الديموقراطية الحديثة إلا في الشكل التبعي للنظام، وتحول الخطاب القومي إلى قناع يخفي التأخر والعجز والعيوب . ولم تتأسس بالتالي العلاقة التعاقدية بين الفرد والمجتمع، الفرد بصفته مواطنا وليس مجرد عضو في الطائفة والعشيرة والقبيلة، التي بدورها تقوم بالتعاقد مع النظام . ومن هنا يبدأ خلل المعاني والوظائف والأحوال، فلم تعد الدولة المعبِّر الحقيقي عن أهداف وتطلعات وأماني الشعب الذي انبثقت منه، فبدلا من أن تمارس سلطة الدولة دورها في تحقيق التغيير لعبت دورا آخر في تجميد وقمع وتعجيز المجتمعات العربية . غابت قضية التغيير عن المجتمع فغابت معه الحيوية والتفاعل والتواصل والأولويات والنقد والمحاسبة .

على أي حال، نحن إزاء عجز مضاعف ومركب في العالم العربي، سواء لجهة معالجة المشكلات المتراكمة والمزمنة في الداخل، أو لجهة تطوير صيغ ومؤسسات العمل العربي المشترك، أو لجهة التعاطي مع التحديات الخارجية والتحولات الجذرية والمتسارعة التي يشهدها العالم . والعجز في الداخل المحلي والوطني أو القومي والإقليمي، هو الوجه الآخر للتبعية والهامشية لجهة العلاقة مع الآخر والخارج على المستوى العالمي، لأنّ من يعجز عن إدارة شؤونه وتنمية بلده وبناء قدرته، بإطلاق قواه الحية واستثمار طاقاته الخلاقة، لن يقوى على ممارسة دور فعال على مسرح الأمم .

ذلك أنّ النظام الإقليمي العربي تقاومه المصالح وتعطله الامتيازات والعادات والمجاملات، بل تحبطه ثقافة سياسية امتهنت التسويف، وتخشى النخبة فيها التصريح بما هو حقيقي مسايرة للجمهور الذي يحب أن يسمع الكلام المعسول والأماني الوردية و " هزيمة العدو شر هزيمــة "، وتسكره أحلام اليقظة وبشائر الوهم . فهو يبدو في حالة ضعف ووهن شديدين ويجد نفسه عاجزا عن التصدي للأزمات الكبرى التي تواجه الدول العربية، وتبدو إزاء ذلك الحاجة ماسة لإعادة صياغة النظام ومؤسساته، بما يتوافق والأوضاع الجديدة وبالمعادلات التي فرضتها الولايات المتحدة بالمنطقة والتي أضحت تمثل تحديا كبيرا للأمة العربية ومستقبلها السياسي وكينونتها في الخارطة العالمية .

وعليه، لم توفر إسرائيل الوقت، فها هي بعد الاحتلال الأمريكي ـ البريطاني للعراق تعمل على استغلال " نافذة الفرص "، التي فتحها هذا التطور الدراماتيكي الكبير في الخارطة الاستراتيجية للشرق الأوسط، لتوجيه دفة السياسة الأمريكية باتجاهات أخرى بعيدا عن قضية الصراع العربي ـ الإسرائيلي . وتحاول إسرائيل في هذه المرحلة التأثير على السياسة الأمريكية من عدة زوايا، أهمها :

- ضرورة استكمال ما بدأته أمريكا في العراق ليشمل سورية وإيران وربما السعودية ومصر لاحقا، ومن الواضح، منذ صدور قرار مجلس الأمن 1559، أنّ التركيز الآن هو على سورية .

- التأكيد على فكرة أنّ عدم الاستقرار في المنطقة لا ينبع من وجود إسرائيل وعدوانها واحتلالاتها وإنما ينبع من طبيعة الأنظمة العربية ذاتها، ومن علاقات هذه الأنظمة مع شعوبها ومع دول الجوار! ما يعني أنّ سبب تعثر عملية التسوية ليس له علاقة بسياسات إسرائيل ومواقفها المتعنتة وإنما هو مرتبط بالأنظمة السائدة التي تتغذى من هذا الصراع لتعزيز شعبيتها وإلهاء جماهيرها !

(3) - تعزيز دور إسرائيل في السياسة الأمريكية باعتبارها الحليف الموثوق الوحيد للولايات المتحدة في المنطقة، فهي الدولة الوحيدة التي وقفت مع الإدارة الأمريكية في حملتها ضد العراق بين سائر حلفائها في المنطقة، ومن ضمنهم طبعا تركيا التي مانعت تقديم التسهيلات لهذه الحملة .

ومن الواضح أنّ إسرائيل - في كل ذلك - تحاول إلغاء خطة " خريطة الطريق "، فهذا ليس وقتها بالنسبة للإسرائيليين، لأنّ المطلوب أولا " إخضاع " الفلسطينيين، وثانيا تمريــر " خطة شارون " للانسحاب من غزة وتثبيت مستوطنات الضفة الغربية، وفي الوقت نفسه نزع التهديد الذي يمكن أن تمثله سورية في هذه المرحلة، والشروع في بناء الشرق الأوسط الجديد الخاضع تماما للإملاءات الأمريكية والإسرائيلية .

وما ينبغي تأكيده هنا هو أنّ السياسة الإسرائيلية في تعاملها مع تطورات الأوضاع ومحاولاتها رسم السياسات المستقبلية لا تنطلق من فراغ ولا من توهمات، كحال السياسة العربية للأسف، وإنما تنطلق من قراءة واعية لطبيعة التوجهات التي تحكم المتنفذين في الإدارة الأمريكية ومن دراسة العوامل المؤثرة في السياسة الداخلية والخارجية الأمريكية ومن الأوراق التي تملكها في الساحة السياسية الأمريكية، وهي في كل ذلك تشتغل بدأب على وضع مصالحها وتصوراتها في قلب الخطط الأمريكية وليس بعيدا عنها، على رغم التفاوتات والخلافات الظاهرة .

الآن، وبعد ما جرى في العراق، من الواضح أنّ ثمة تقاطعا ما بين السياسة الأمريكية والسياسة الإسرائيلية فيما يتعلق بسورية، وهذا التقاطع يتمثل بتحجيم دور سورية الإقليمي في عدة مجالات، أهمها :

1 ـ الحؤول دون أي دور سوري في الترتيبات السياسية المتعلقة بالعراق سواء تعلق بدعم أطراف معينة، أو تعلق باحتضان أي شكل من أشكال المقاومة العراقية المستقبلية للترتيبات الأمريكية في العراق .

2 ـ وقف تدخل سورية في الملف الفلسطيني، سواء من خلال دعمها للمقاومة أو من خلال معارضة عملية التسوية على الجبهة الفلسطينية .

3 ـ تقييد علاقات سورية بإيران ووضع حد لحزب الله، لإفساح المجال أمام بعض الترتيبات في لبنان التي تخدم المصالح الأمريكية وعدم التوتير على الجبهة اللبنانية ـ الإسرائيلية .

4 ـ الضغط على سورية من أجل الانخراط، أو على الأقل، من أجل عدم ممانعة الترتيبات الأمريكية في الشرق الأوسط التي من ضمنها إقامة محور يضم : إسرائيل وتركيا والأردن والعراق " حلف بغداد جديد " .

المعنى من كل ذلك، أنّ المخاطر الكبيرة مازالت محدقة بالأمة العربية وأنّ إسرائيل تجد في السياسات الأمريكية الحالية سبيلها لفرض إملاءاتها في المنطقة وهو ما ينبغي الحذر منه والعمل على أساسه . إنّ المرحلة المقبلة ستشهد دورا إسرائيليا كبيرا، سواء على المستوى السياسي أو الاقتصادي، أو حتى الأمني . وسوف تجعل الإدارة الأمريكية الدور الإسرائيلي في المنطقة دورا شريكا على مستوى السياسة والاقتصاد والأمن، وبالتالي سوف تحاول أن تفرض الشروط الصهيونية على دول المنطقة .

ومن الجانب الآخر، ينطوي الوضع في العالم العربي على عدد من المعوقات السياسية والاجتماعية والثقافية التي تحول دون النهوض الحضاري :

- تضخم دور الدولة وغياب الدور الأساسي لمؤسسات المجتمع المدني والتي تتعرض لقيود تعوق حركتها في تطوير الممارسة الديمقراطية بسبب إحكام النظم السياسية قبضتها على تلك المؤسسات من خلال مرحلتين : سيطرة العسكريين أو الأسر الحاكمة على مقاليد البلاد بعد الخلاص من مرحلة الاستعمار، ثم تنامي نفوذ المؤسسات الأمنية بشكل تضخمت معه أجهزة السلطة وتوارت مؤسسات المجتمع المدني وانحسر دور النقابات والجمعيات المهنية المستقلة، إما بسبب القيود التنظيمية أو التدخل الحكومي في انتخاباتها وتوجهاتها .

- ضعف الالتزام باحترام القانون في أغلب المجتمعات العربية، والافتقار إلى سيادة القانون وتساوي كل المواطنين حكاما ومحكومين أمام القانون، مما جعل معظم الناس يعيشون ثقافة تولد أجيالا عربية لا تحترم القانون وتنظر إليه على أنه تنظيم لردع الأقلية غير المنضبطة، وليس نظاما لضبط المجتمع وتوفير أساس لضوابط الحريات والواجبات وتحديد المسؤوليات .

- ثنائية التوجهات الفكرية بين ما هو إسلامي وما هو علماني بشكل استغلته بعض النظم السياسية العربية في فرض إرادتها على المجتمع بأسره بحجة حماية كل جانب من الجانب الآخر .

تونس في 28/10/2004                           الدكتور عبدالله تركماني

                                              كاتب وباحث سوري مقيم في تونس