نحو توطين الحداثة في العالم العربي المعاصر...

الدكتور عبدالله تركماني

تعطلت محاولات التحديث المتكررة في العالم العربي منذ القرن التاسع عشر، وتعود تلك العطالة إلى جملة عوامل بنيوية اقتصادية واجتماعية وثقافية وسياسية، ولكنّ العامل الأهم تمثل – على الخصوص – في اعتقاد من تنطحوا لقيادة عملية التحديث أنها مجرد توطين المنتجات والمنجزات المادية للحداثة في البيئة العربية, دون الاهتمام الكافي بإعادة بناء المجتمعات العربية بالاستفادة من معطيات الحداثة ومكوناتها العقلانية، التي تضمن توطين قيم الحداثة في التربة العربية .

إنّ التجربة العربية المعاصرة كشفت عن إفلاس أخلاقي وفكري عميق في بنية السياسات العربية، فقد بدا واضحا للعيان مدى الانحدار السياسي والأخلاقي الذي وصل إليه الواقع العربي، ناهيك عن العجز الكامل في استيعاب التطورات الدولية وما يترتب عليها من تحديات مصيرية للمنطقة العربية وشعوبها وحتى حكوماتها، إلى جانب فقدان الشفافية والصراحة في تعامل صنّاع القرار مع شعوبهم . إنهم خليط عجيب من الشيء وضده في الوقت نفسه، والطريف الآن أنّ بعضهم بدأ يهرول للإعلان عن إصلاحات شكلية بعد أن شعروا بجدية الضغط الخارجي خوفا على مواقعهم وامتيازاتهم غير المشروعة، وليس إيمانا بحق شعوبهم في الإصلاحات وضرورتها الحيوية لبقاء دولهم وتقدم مجتمعاتهم وإلا لكانوا استجابوا لمطالب شعوبهم ونخبها الحية بالإصلاح على مدى عشرات السنين .

 إنّ أغلب الحكومات العربية تجد نفسها في مأزق كبير، فالمواطن العربي أدرك مدى عجز هذه الحكومات عن التعاطي المجدي مع تحديات الحاضر وفتح آفاق للمستقبل، كما أنّ الولايات المتحدة الأمريكية مدعومة من المؤسسات الدولية الكبرى، في عالم ما بعد 11 سبتمبر/أيلول 2001، تتجه نحو المساعدة على تغيير أو على الأقل إصلاح الأوضاع السياسية والاجتماعية في العالم العربي، بعد أن توصلت إلى قناعة بأنّ البيئة الثقافية والسياسية السائدة فيه تساعد على نمو ظاهرة الإرهاب .

وهكذا، لم تعد المصالحات مع الشعوب والإصلاحات السياسية والاجتماعية والاقتصادية ترفا تملك الحكومات العربية تجنبه، وإنما أصبحت حاجة حيوية أساسية لإعادة بناء البيت الداخلي للدول العربية للتعاطي المجدي مع التحديات المصيرية التي تواجهنا، فضلا عن كونها حقوقا أساسية للشعوب ترتبط بكرامتها الإنسانية والوطنية، وليست منحة من حاكم أو نظام يمنحها أو يمنعها في الوقت الذي يريد .

 

إنّ أزمتنا ليست في غياب الديمقراطية عن حياتنا السياسة والاجتماعية فقط، بقدر ما هي أزمة انقطاع عن العصر في العمق . فالحكومات العربية تستمد وجودها من قوتها في بسط نفوذها واستبعاد أخطار زوالها بشتى السبل والوسائل، حيث الدولة العربية مقلوبة من الأساس، فالسلطة التي هي أحد مكونات الدولة قد استولت على الدولة وقزّمتها لصالح تعملقها وتهميش المجتمعين السياسي والمدني .

إنّ حالة الانفصام بين الحكومات والشعوب في منطقتنا العربية سوف تزداد يوما بعد آخر، وظاهرة الرجوع إلي المرجعيات الدينية والإثنية سوف تستمر نتيجة لفشل إقامة دولة الحق والقانون، دولة النظام المدني الذي يعتمد أسس الدولة الحديثة . لقد أثبت التاريخ أنه لا بديل عن الصراع والعنف ومشاريع الحروب الأهلية إلا بنظام يحقق للجميع قدرا من المساواة في الحقوق والواجبات وتقليل مستوى الاستلاب بين فئات المجتمع إلي الحد الذي يشعر معه الفرد بالكرامة الإنسانية .

وهكذا، يبدو أننا بحاجة للتأكيد بأنّ ما تحتاجه أقطارنا العربية هو إصلاح سياسي حقيقي وليس مجرد إعلان نية ومنهج تفكير للإصلاح، فما يعنيه الإصلاح الحقيقي بداية هو تلك الإجراءات والقوانين التحررية التي تمس حالات الحريات المدنية والديمقراطية وحقوق الإنسان واحترام سيادة القانون .

المهم هو تغير السياسات وشفافية الخطط ووضوح البرامج . وهنا تبرز خطورة الإطار النظري الذي تعتمد عليه بعض النظم وتكتسب منه مشروعية وجودها، لذلك فإنّ الإصلاح الدستوري يمثل مدخلا تقوم عليه دعائم الشرعية وتستند إليه فلسفة الحكم . كما أنّ الثقافة والتعليم والإعلام تلعب في مجموعها أدوارا مؤثرة في تكوين عقلية المجتمع وتشكيل رؤيته وتحديد درجة نضوجه وهي عوامل حاكمة في عملية الإصلاح . فالتعليم هو بوابة العصر وهو الذي يمثل أوراق الاعتماد المطلوبة في عالم اليوم، وتحديثه يعني بالضرورة تحديث العقل وصحوة الفكر .

إنّ الأساليب العصرية في إدارة الدولة الحديثة لم تعد رموزا غامضة ولكنها إرادة سياسية واعية، والعبرة دائما بمدى الرغبة وتوافر الإرادة والإحساس العميق بأهمية ما نريد . ويكفي أن نتذكر أنّ موجات الدمقرطة والتحديث التي شهدها العالم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية قد أدت إلى انخراط العديد من الدول، بما فيها الدول الأفريقية، في التحديث، حين حزمت أمرها واتخذت قرارها لتحقيق ديموقراطية ناجحة أدت إلى تداول السلطة ودوران النخبة، فأين نحن في العالم العربي من تلك الموجات ؟ .

إننا ندرك تماما أنّ الكثيرين قد فقدوا الأمل في أن يقوم صنّاع القرار أنفسهم بإصلاح مسيرتهم، غير أن حرصنا على أن يكون التغيير سلميا يجنب أقطارنا العربية مآسي الاضطرابات والفوضى يدعونا إلي حث الزعماء في أن يقوموا بمحاسبة صادقة للنفس، بعيدا عن الغطرسة والغرور وخداع النفس، والعدول عما هم فيه . وليس هذا بالأمر المستحيل فقد فعلها غيرهم، وإذا هم فعلوا ذلك وواجهوا شعوبهم بصدق في تحمل المسؤولية من جهة وتقدموا صادقين ببرامج إصلاح حقيقي فان الشعوب العربية، خاصة في الظروف الراهنة، ستقف إلي جانبهم وتخوض معركة التغيير والإصلاح معهم .

ولتحقيق هذا الالتحام يجب علي الزعماء أن يتحلوا بالشجاعة في مواجهة الموقف، وذلك بالاعتراف بضرورة إحداث تغيّرات جذرية علي أنظمة الحكم وعلي السياسات التي كانوا يسيرون عليها، ويعلنون عن التزامهم الأكيد ببرامج إصلاح وتغيير، علي أن يباشروا في التنفيذ في نفس الوقت إثباتا لحسن النية  . وفي تقديرنا أن الخطوة الأولي في المصالحة مع شعوبنا يجب أن تكون إطلاق سراح جميع سجناء الرأي والضمير الذين كانوا يطالبون بالتغيير وبضمان الحقوق والحريات الأساسية للمواطنين . إضافة إلى تعديل القوانين، وخاصة قوانين العقوبات وقوانين الصحافة وقوانين الأحزاب السياسية وقوانين منظمات المجتمع المدني، بحيث تلغى جرائم الرأي والجرائم التي تمس ممارسة الحقوق والحريات الأساسية وحقوق الإنسان المعترف بها في الشرعة الدولية لحقوق الإنسان . ومرتبطا بهذا كله، إلغاء حالة الطوارئ ومحاكم أمن الدولة اللتان كانتا أداة من أدوات القمع والاستبداد طوال عقود في بعض الأقطار العربية . باختصار، لا بد من مراجعة شاملة للتشريعات بحيث يضمن للمواطن وهيئات المجتمع المدني وللصحافة والأحزاب السياسية الحق الكامل في مناقشة الأوضاع العامة وتصرفات وسياسات جميع المسؤولين، وبلا استثناء، ولا يكون القانون حاميا للأخطاء والتعسف وسوء الإدارة والفساد، وتؤمن في الوقت ذاته للمواطنين، رجالا ونساء، حقوقا متساوية للمشاركة في الحياة العامة وممارسة الحقوق والحريات الأساسية .

وعلي الصعيد الداخلي أيضا، يجب علي الزعماء أن يجدوا من الشجاعة وبعد النظر ما يجعلهم يعرضون برامج مفصلة للإصلاح تتضمن تعديلات دستورية جوهرية تمس سلطات الرئاسة وطرق المجيء برئيس الدولة بحيث يزول عهد توريث السلطة والانفراد بالقرار، وتؤمن فرص تداول السلطة بشكل قاطع يحول دون استمرار الفرد الواحد أو الحزب الواحد في قمة السلطة لأمد لا نهاية له، وتعيد للمجالس النيابية حقها الدستوري في المساءلة والمحاسبة والمشاركة الفعلية في اتخاذ القرار.

وإلي جانب هذا، ونظرا لسوء التصرف في المال العام، يجب أن يشمل برنامج الإصلاح اقتراحات محددة تصحح الأوضاع وتضمن المحاسبة الجادة علي المخالفات المالية وتؤكد في الوقت ذاته علي أنّ دخل الدولة، مهما كان مصدره سواء من الضرائب أو من عوائد استغلال الثروات الطبيعية كالنفط والمعادن، هو جزء من المال العام يجب أن يدخل الخزينة العامة ولا ينفق منه إلا وفقا للموازنة العامة التي تقرها المجالس النيابية .

وإذا ما تحققت هذه المداخل السياسية للإصلاح يمكن القول إننا نتجه حقا نحو توطين الحداثة في التربة العربية، ونضمن انخراطنا في توجهات العصر من داخل النظام الدولي قيد الإنشاء .

 

تونس في 12/10/2004                             الدكتور عبدالله تركماني

                                                كاتب وباحث سوري مقيم في تونس