معوّقات السلام العربي - الإسرائيلي وآفاقه .. 7،8،9...
عبدالله التركماني
رابعا – الآفاق
يبدو أنّ العرب، الذين تم إجحاف حقوقهم في مؤتمر
مدريد واتفاقية أوسلو بعد النتائج الكارثية لحرب الخليج الثانية، سيتم " حشرهم " في ظل شروط
أكثر إجحافا بعد الاحتلال الأمريكي للعراق وما فرضه من تحوّلات في المشهد الجيو – استرتيجي في المنطقة .
وبعد التوصيف السابق لانسداد الأفق أمام السلام العربي - الإسرائيلي العادل
والشامل والدائم تبدو أهمية مراجعة عملية التسوية، وصولا للبحث عن خيارات ومعادلات
ورؤى سياسية تستشرف السيناريوهات المحتملة في المديات
القريبة والمتوسطة والبعيدة .
(1)
– على
المسار الفلسطيني – الإسرائيلي
يبدو أنّ المسار
الفلسطيني – الإسرائيلي ينطوي على واحد أو أكثر من المشاهد الخمسة التالية :
برغم تخوفهم من خطة شارون فإنّ الفلسطينيين لا يستطيعون التنصل من مسؤوليتهم إزاء كيفية التعامل معها . فالانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة، على كل الشبهات التي تحيط به، يأتي نتيجة إخفاق إسرائيل في السيطرة على الشعب الفلسطيني، وكنتيجة لكفاح الفلسطينيين الدامي والمرير الذي أظهر إسرائيل على طبيعتها كدولة عنصرية استعمارية، وهذا الانسحاب يعبر عن اعتراف شارون بفشل مشروعه الاستيطاني في غزة، كما أنه يكشف مأزق المشروع الصهيوني برمته، الذي بات يعيش هاجسه التاريخي المتمثل بما يسمى " الخطر الديمغرافي "، وبتجسده على شكل دولة استعمارية عنصرية .
ومشكلة الفلسطينيين أنهم في كل مرة يواجهون تحديات أصعب وأعقد من السابق . والآن يأتي تحدي الانسحاب من غزة في ظروف داخلية وإقليمية صعبة، فالشعب الفلسطيني مستنزف ومنهك بعد أربع سنوات من الانتفاضة، والقوى الفلسطينية ليست على حال جيدة أو مناسبة، لجهة التوافق على استراتيجية سياسية وميدانية، وثمة غياب واضح للقيادة، في ظل الحصار الذي يخضع له الرئيس عرفات خاصة، يفاقم من شأنها طريقة صنع القرار البعيدة عن التقاليد المؤسسية والديمقراطية .
أما على الصعيد الإقليمي فإنّ الوضع العربي منشغل بتداعيات الاحتلال الأمريكي للعراق وبتداعيات الخطوات أو الاستفزازات الأمريكية للحكومات والمجتمعات العربية، في حين أنّ الوضع الدولي يحاول جاهدا كبح جماح التفرد الأمريكي وسياسة غطرسة القوة والحرب الوقائية التي تنتهجها إدارة بوش. لذا من الصعب على الفلسطينيين مواجهة التحدي الشاروني الجديد في حال استمروا في طرقهم وفي أوضاعهم الحالية .
2 – لا مواطنة للفلسطينيين وإنما إقامة كريمة
لا يلوح في الأفق
أنّ خطة شارون ستنجح، والبديل عن ذلك هو مفاقمة المأزق الإسرائيلي
عبر تحييد الخيارات الأخرى واحدا واحدا ودفع الأمور إلى
خيار الدولة الواحدة . عندها ستواجه إسرائيل كابوس المثال الجنوب أفريقي، أي إقامة
دولة كاملة العنصرية القانونية عبر ضم الفلسطينيين إلى دولة
إسرائيل وشطب فكرة الدولة الفلسطينية، لكن من دون اعتبار الفلسطينيين مواطنين كاملي
المواطنة، بل اعتبارهم مقيمين وليسوا مواطنين . أي لا يحق لهم الانتخاب ولا يتمتعون
بالحقوق نفسها التي يتمتع بها الإسرائيليون . ورغم عنصرية
وبشاعة هذا الحل ولا إنسانيته ومخالفته للوجهة العالمية المنادية بحقوق الإنسان والمساواة،
إلا أنّ هناك أصواتا إسرائيلية تنادي به وتعارض تساوي المواطنة
مع الإسرائيليين، وتقترح في المقابل منحهم ما تسميه " إقامة كريمة " عوضا
عن المواطنة . لو تبنت إسرائيل هذا الحل فإنها لن تستطيع
الصمود عليه طويلا، لأنه قائم على عنصرية فظة ومعلنة، وليست مخفية كما هو الحال الآن،
وسيفتح آفاقا لنضال عالمي من نوع جديد مؤيد للفلسطينيين .
3 – صفقة مفروضة من المجتمع الدولي
إنّ الفكرة القائلة أنّ لا سبيل إلي حل الأزمة الحالية سوى الخطوات
التدرجية أو الانتقالية مناقضة تماما للخبرة المكتسبة من العقد الماضي، فالتدرج لن
يعيد بناء الثقة، ولن يقود إلي اتفاق سياسي قابل للبقاء،
كما أنه سيستهلك جهدا سياسيا كبيرا علي الصعيدين المحلي والدولـي . كما أنّ زمن التفاوض
المباشر قد فات، والمطلوب مواجهة الطرفين باتفاق نهائي كامل وغير قابل للتفاوض،
يفرضه المجتمع الدولي وفي مقدمته الولايات المتحدة الأمريكية .
ويتوقف السعي نحو صفقة شاملة مفروضة في النهاية علي الاقتناع بإمكان صياغة رزمة من الحلول المقبولة من الطرفين، تضمن لهما مصالحهما الأساسية من دون اختراق الخطوط الحمر لديهما، أي
المطالب غير الخاضعة للتفاوض .
إنّ اهتمام إسرائيل الرئيسي هو الحفاظ علي هويتها وغالبيتها
اليهودية، وضمان أمنها وسلامة مواطنيها، والحصول علي الشرعية والاعتراف والوضع
الطبيعي علي المستوى الدولي، والمحافظة علي الارتباط والتواصل مع الأماكن المقدسة
اليهودية والرموز الوطنية، والإنهاء الأكيد للصراع مع الفلسطينيين والدول العربية
ووقف كل المطالب الأخرى ضدها . ويمكن ترجمة هذه المبادئ إلي منظومة من الخطوط
الحمر، وهي تجنب تدفق سيل من اللاجئين يغيّر من طبيعتها السكانية، والقدس عاصمة لإسرائيل،
والاعتراف بارتباطها الديني بجبل الهيكل، وعدم العودة إلي حدود 1967، وضم الغالبية
الكبرى من المستوطنين، بمواقعهم الحالية، إلي إسرائيل، وعدم وجود جيش آخر بين نهر
الأردن والبحر المتوسط، والحفاظ علي غور الأردن حدا أمنيا شرقيا لإسرائيل حسب
الأمر الواقع .
أما بالنسبة إلي الفلسطينيين فيمكن تحديد مصالحهم الأساسية بأنها حياة الحرية والكرامة والمساواة والأمن، وإنهاء الاحتلال، وتقرير المصير، والتوصل إلي حل منصف لقضية اللاجئين، والحكم والسيطرة علي المواقع المقدسة الإسلامية والمسيحية في القدس، وضمان حصول أي اتفاق علي الشر