معوّقات السلام العربي - الإسرائيلي وآفاقه (*) (4)(5)(6)

 (2) – الموقف الفلسطيني

وجد الشعب الفلسطيني نفسه أمام معادلات قاهرة، في السياسة وفي الميدان، مع مجيء شارون أولا، وبعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول 2001 ثانيا، وبعد ظهور العجز العربي ثالثا، وبعد جملة الوقائع الميدانية وما تشكل حولها من مناخ دولي رابعا . مما يجعلنا نقول : إنّ القضية الفلسطينية تمر بمرحلة من أسوأ مراحلها، فهي أسوأ من نكبة 1948 وهزيمة 1967 .

  فقد اختلفت الانتفاضة التي بدأها الشعب الفلسطيني يوم 28 سبتمبر/أيلول 2000 عن الانتفاضة التي قام بها أواخر العام 1987 . والاختلاف المشار إليه بين الانتفاضتين كان له تأثير واضح على المواقف من كل منهما، سواء داخل المجتمع الدولي أو داخل إسرائيل، وتاليا على نتائج الأولى وعلى النتائج المرتقبة للثانية . فالانتفاضة الأولى حققت، بواسطة الحجارة، اختراقا مهما داخل إسرائيل تمثل في إبداء قوى حزبية مهمة تفهما لدوافع نشوبها . وتمثل - في مرحلة تالية - في قيادة هذه القوى حركة مهمة في الأوساط الحزبية والشعبية داخل إسرائيل لوقف الانتفاضة لا بالعنف بل بالمفاوضات المؤدية إلى تسوية سلمية مقبولة من الشعبين الإسرائيلي والفلسطيني . وهي حققت أيضا اختراقا مهما داخل الولايات المتحدة الأمريكية التي كانت مغلقة على مدى عقود، إدارة وكونغرسا ووسائل إعلام ورأيا عاما، على الفلسطينيين وقضيتهم .

وبسبب نتائج الانتفاضة السلمية - آنذاك - وما أحدثته من تفاعلات صاخبة في المجتمع الإسرائيلي، انتهي عهد حكومات اليمين الإسرائيلي حين تسلم حزب العمل بزعامة اسحق رابين مقاليد السلطة في انتخابات العام 1992 بغالبية كبيرة، وكانت الحكومة الأولى في إسرائيل التي يعطيها الناخب ثقته بسبب برنامجها للسلام، وسارت الأمور في مفاوضات واشنطن وانتهي الأمر باتفاقات أوسلو، حيث أقيمت سلطة فلسطينية لأول مرة، واستعاد الفلسطينيون جزءا من الأرض وبدأوا بناء مؤسسات كيانهم الوطني القادم وأخذ العالم بأسره يتعامل مع هذه الحقائق الجديدة، فيما أخذ الإسرائيليون يتعايشون معها أيضا .

أما الانتفاضة الثانية التي جرى عسكرتها، فقد أدت، خصوصا بعد انهيار مفاوضات عرفات - باراك في " كمب ديفيد "، إلى أمور سلبية عدة أبرزها ثلاثة : أولها، خســــارة " فلسطين " ما ربحته في أمريكا منذ الانتفاضة الأولى وعلى امتداد السنين العشر لعملية السلام . وثانيها، خسارة التفهم وأحيانا التعاطف عند جهات إسرائيلية عدة ينتمي معظمها إلى اليسار. وثالثها، عودة سيادة منطق الأمن عند غالبية الإسرائيليين على منطق السلام التي عبرت عنها باستمرار تأييدها لرئيس الحكومة المتطرف آرييل شارون .

إنّ جملة من الظروف الذاتية والموضوعية من جهة، والإقليمية والدولية من جهة أخرى، ساهمت في الحد من تطور الفعل المقاوم الفلسطيني . أما فيما يتعلق بالذاتية والموضوعية فتتلخص في التالي :

أولا- شكل غياب التنسيق بين السلطة والقوى الفلسطينية الأخرى حالة من الخلل على كل المستويات السياسية والأمنية والاجتماعية والاقتصادية، وهذا الخلل حجّم الفعل الانتفاضي العام، ورفع وتيرة الفعل الاستشهادي، مما أحدث فجوة داخلية، بدأت تأخذ طريقها باتجاه عسكرة المجتمع الفلسطيني، مما سهّل على إسرائيل إمكانية تفكيك هذه الظاهرة، قياسا بقدراتها العسكرية المذهلة .

ثانيا- ضبابية الهدف السياسي، فكل معركة أيا كان حجمها، لا بد وأنّ لها - في نهاية المطاف - سقفا أو مطلبا سياسيا واضحا ومتبلورا إن كان لدى الجمهور أو السلطة والقوى في آن معا . وإذا ما تجاوز الأمر الهدف السياسي المنشود والمنظم والهادف، فستصبح القضية برمتها مجرد عبث قد يؤدي إلى وأد روح الانتفاضة .

عمليا، أدت العمليات الاستشهادية إلى جعل الانتفاضة خارج سكة المسار الدولي للأمور، وانحرافا عنها، بخلاف ما كان عليه الوضع في الانتفاضة الأولى التي تلاقت مع الاتجاه الدولي إلى إطفاء المناطق المشتعلة في العالم وبالذات تلك التي يضع " القطب الواحد " يديه عليها . ولم تظهر عواقب اتجاه القيادة الفلسطينية، ومعها معارضوها، إلى الانحراف عن سكة العامل الدولي المقرر مع إدارة كلينتون الذاهبة، بل مع الإدارة الجديدة : ظهر ذلك من إشاحة بوش الابن وجهه عن العمل على تحريك المفاوضات من جديد، ورفضه استئنافها من النقطة التي توقفت عندها في " كامب ديفيد " منطلقا من الاقتناع الذي عبر عنه العديد من المسؤولين الأمريكيين بأنّ المشهد الشرق أوسطي، بعد عقد على " مدريد "، غير مهيأ للتسوية لدى الجانبين، مما دفعه للتركيز على إنشاء متغيّرات جديدة في اللوحة الإقليمية . في إطار هذا الاتجاه الأمريكي الجديد، تلاقت الولايات المتحدة مع اتجاه رئيس الوزراء الإسرائيلي، الزائر لواشنطن في مارس/آذار 2001 إلى جعل الوقائع الميدانية متكلما وحيدا في الانتفاضة أو تقاطعت معه .

وعبر صيف العام 2001 ظهر مقدار انسداد آفاق الانتفاضة في أن تكون مدخلا إلى تحسين شروط المفاوض الفلسطيني عما كانت عليه يوم 28 سبتمبر/أيلول 2000 وتحولها، إذا أردنا الدقة، عامل إضعاف له بالقياس إلى لحظة البدء، في ظل اصطفاف المجتمع الدولي مع إسرائيل خصوصا بعد طغيان " العمليات الاستشهادية " على فاعليات الانتفاضة، وطبعها بطابعها، وفي ظل العجز العربي، أنظمة وشارعا، عن تشكيل مظلة واقية للفلسطينيين، فيما أعطت الوقائع الميدانية لمجابهات الانتفاضة ميلا واضحا لمصلحة الطرف الإسرائيلي على الأرض، مما زاد من شعبية شارون وأدى لازدياد ميل الإسرائيليين بغالبيتهم الكاسحة إلى أولوية " الأمن " .

لقد كان جديرا بالمقاومين الفلسطينيين أن يعوا التغيير الذي طرأ علي المجتمع الدولي بما جعله يتحول إلى رفض واستنكار العنف بكل صوره، ومن ثم كان ينبغي على الجهاديات الفلسطينية أن توقف أعمال العنف ضد المدنيين، مهما كانت ضراوة الاستفزاز الإسرائيلي . فلقد كانت المعركة بعد الحادي عشر من سبتمبر/أيلول هي معركة إعلامية بين صــــورة " الإرهاب " وصورة السلام، بين طفل يحتمي بحضن أبيه الأعزل من رصاص الجنود الإسرائيليين الذي أرداه قتيلا، في مقابل صورة أشلاء دامية لمدنيين تتدلى أطرافهم من الحافلات، ليراها العالم كله وهو يعرف أنهم مدنيون أبرياء، حيث ترتبط صورهم في أذهان الملايين بصور أولئك الأبرياء الذين اضطروا إلي القفز من أعلي برجي التجارة العالمية في نيويورك هربا من الموت حرقا إلى الموت سقوطا .

ما يواجهه الشعب الفلسطيني الآن على مستوياته كافة، في السلطة وفي التنظيمات المعارضة، هو تحدي التكيّف السياسي مع الواقع المستجد، وذلك انطلاقا من إعادة قراءة وافية لمسار الانتفاضة، ومن قراءة المآل المفترض لهذا المسار، ومن استكشاف للآفاق السياسية الممكنة .  ومن المؤكد أنّ الفلسطينيين سيستعيدون موقع التفوق الأخلاقي عندما يعود التركيز على الاحتلال ونتائجه المدمرة، وعندما تدرك أعداد متزايدة من الإسرائيليين استحالة الاستمرار إلى ما لانهاية في الاحتلال .

(3) – الموقف العربي

إنّ مشكلة النظام العربي مزدوجة : فهو إن فهم السياسة الأمريكية وأدرك مبتغاها, فإنه لا يستطيع مصارحة مجتمعاته بالأمور كما هي على حقيقتها من دون براقع وتوهمات . كما أنه لا يستطيع التعامل مع الاستحقاقات والتحديات التي توجبها هذه السياسة . فهو في وضع حرج, لا يمتلك القدرة على الانسحاب من عملية التسوية, على رغم كل الامتهان المتضمن فيها, لأنّ الخروج من هذه العملية سيفرض البحث عن خيارات أخرى, لا يستطيع توفيرها في ظل أوضاعه الذاتية, وفي ظل الظروف الموضوعية المحيطة به . وفي المقابل, فهذا النظام بات يدرك أنّ المضي في عملية التسوية, في شكلها الراهن, سيفضي إلى المزيد من الانحدارات التي ربما أضعفت من استقراره ومن مكانته, على الصعيدين الداخلي والخارجي، خصوصا بعد أن اتضحت طبيعة الابتزازات والتدخلات الأمريكية والإسرائيلية في شؤونه الداخلية . فقد ترتب على واقعة القبول العربي بالتسوية جملة من الحقائق من أهمها :

1 ـ أنّ العرب يدفعون ثمن التغيّرات الدولية حيث التسوية العربية – الإسرائيلية في المركز منها، فيما تأخذ الولايات المتحدة على عاتقها مهام إعادة بناء الأوضاع السياسية والاقتصادية والأمنية على أنقاض البنى المتداعية إثر احتلال العراق في 9 أبريل/نيسان 2003، وما نتج عنه من معادلات جديدة في المشهد الجيو – استراتيجي في المنطقة .

2 ـ أنّ الدور المرسوم للمنطقة العربية بات يأتي من العامل الخارجي، إذ هو الذي يقرر  مصير المنطقة ومستقبلها . ومن البديهي أنّ ذلك يجري بغض النظر عن توافق هذا العامل مع مصالح الأمة أم لا، كذلك يجري بمعزل عما إذا كان ذلك يعبر عن متطلبات المستقبل في التطور الاقتصادي والسياسي والقومي للمنطقة، فالمصالح الاستراتيجية العليا للدول الكبرى، هي الراسم وهي المقرر والمنفذ في النهاية .

ولعل هاتين الحقيقتين تفرضان على العرب، حكومات ونخب ومؤسسات المجتمع المدني، أن يصيغوا برامج واقعية تربط بين الإصلاح وتحديات صنع السلام العربي – الإسرائيلي،  فمن دون السلام فإنّ الإصلاح العربي سيفشل على الأرجح, ولكن مع السلام سيزدهر هدف الإصلاح العربي . ومن دون الديموقراطية فلن يكون هناك أساس للسلام, ولكن, إن اجتمع السلام والديموقراطية معا فسيكون المستقبل مشرقا .

إنّ معاهدات السلام العربية مع إسرائيل التي تم إبرامها حتى الآن عكست نهجا لإدارة الصراع بوسائل أخرى، وليس لحل الصراع أو تسويته على نحو شامل ودائم . ويبدو أنّ هذا النهج يعود إلى الفشل في حشد كل الإمكانات المتاحة للتعاطي مع التحديات التي يفرضها هذا الصراع بأكثر مما تعود إلى الفشل في اغتنام الفرص التي أتيحت لتسويته كما يعتقد البعض .

لقد جاءت قمة بيروت في مارس/آذار 2002 وبدا الاهتزاز واضحا من أثر أحداث 11 سبتمبر/أيلول 2001 وعلامة استفهام كبيرة تطوق قاعات المؤتمر بعدما اتهم العرب والمسلمون بأنهم الضالعون في هذه الأحداث، وأنّ العالم العربي أصبح ساحة للانتقام وأنهم أصبحوا كبش الفداء أمام الانتقام الأمريكي . وللحق، فإنّ قمة بيروت العربية حاولت المحافظة على ثوابت الموقف العربي عامة، ولو من الناحية النظرية، لكنّ الطموح الذي سيطر عليها كان مفارقا تماما للهوة التي كان العالم العربي ينزل إليها . يكفي أن نشير إلى أنه في الوقت الذي تواضعت المواقف العربية العملية، فإنّ قمة بيروت قدمت مبادرة بالغة الطموح لقيت تحديا إسرائيليا مكشوفا ومساندة أمريكية مستترة لهذا التحدي، مما يكشف عن الفارق بين طموح المبادرة، ومدى ملاءمة البيئة الإقليمية والدولية لاستيعابها .

لقد كان على قمة بيروت أن تضع مشروع آلية تنفيذية للمبادرة السعودية . فلو حدث ذلك لتم قطع الطريق على كل المبادرات التي تلتها، بما فيها " خريطة الطريق " التي ابتلعتهـــا " خريطة السور " ثم التفت عليها مبادرة شارون . لقد أصبح بإمكان إسرائيل، بمباركة أمريكية، اللعب على المسار الفلسطيني مرة، وعلى المسار السوري مرة .

فمع إعلان شارون نيته في الانسحاب من غزة كان لا بد من بروز أفكار جديدة تحل محل فكرة الدولة الفلسطينية، وما لبثت هذه الأفكار أن جاءت سريعا، وعلى قاعدة حل إسرائيلي ـ عربي بدل الحل الإسرائيلي ـ الفلسطيني، واندفعت إلى الواجهة فكرة العودة إلى ما كان عليه الحال عشية الحرب عام 1967، حيث كان قطاع غزة تحت الإدارة المصرية، بينما كانت الضفة الغربية تابعة للأردن . وقد تسللت هذه الفكرة إلى صلب الموضوع تسللا هادئا ناعما يكاد يخفي الهدف الأساسي منها . وبدأت إسرائيل مفاوضات مع مصر على قاعدة هذا التصور، ولكنّ مصر ارتأت صيغة للعمل تختلف عن الصيغة الإسرائيلية، تقوم على أساس المشاركة الفلسطينية ـ المصرية في بلورة وضع أمني مستقر في قطاع غزة بعد الانسحاب الإسرائيلي، وتضمن هذه الصيغة من حيث المبدأ ألا يتم استبعاد الفلسطينيين نهائيا من عملية التسوية . إلا أنّ هذه الخطوة المصرية الإيجابية لم تستطع أن تستبعد الشرط الأمريكي ـ الإسرائيلي الأساسي بضرورة إبعاد الرئيس عرفات، شخصيا وقياديا ورؤية سياسية، عن مضمون الحل، وهو مضمون تتم ترجمته بنزع صلاحيات الرئيس عرفات الأمنية، وتحويل هذه الصلاحيات كليا إلى وزير داخلية موثوق .

وفي الواقع فقد اعترف العرب في أكثريتهم الساحقة، ومنذ زمن طويل، بإسرائيل كلاعب على مسرح الشرق الأوسط، بل اعترفوا بها كلاعب أعدوا أنفسهم للتعامل والاتفاق معه على أساس شروط معينة . لكنّ العرب لم يعترفوا ولن يعترفوا بإسرائيل كلاعب مهيمن، وهم لم يقبلوا ولن يقبلوا يوما بالاحتلال الإسرائيلي في عام 1967 .

 

 

معوّقات السلام العربي - الإسرائيلي وآفاقه (*) (5)

(4) – مواقف المجتمع الدولي

من الواضح أنه إذا بادر أي من الطرفين العربي والإسرائيلي إلى السلام، فإنّ المبادرة لن تكتمل إلا بمشاركة أطراف خارجية أخرى، لا بد أن تكون الولايات المتحدة من بينها . ويمكن تفسير الاهتمام الدولي بالقضية الفلسطينية والمفارقات والتعقيدات المحيطة بها، بأسباب عديدة، أهمها :

أولا ـ منذ نشوئها كانت القضية الفلسطينية قضية دولية بامتياز، وبغض النظر عن نصيب الحركة الصهيونية في إقامة دولة لليهود في فلسطين، فإنّ الجهد الدولي هو الذي مكّن هذه الحركة من النجاح في مشروعها وضمان استمراره وتطوره .

 ثانيا ـ تستمد القضية الفلسطينية عالميتها أيضا من العدو نفسه الذي تواجهه، فالمسألة اليهودية باتت مسألة عالمية منذ أواخر القرن التاسع عشر، بحكم التطورات في أوروبا، وازدادت عالميتها بعد الحرب العالمية الثانية .

ثالثا ـ تستمد القضية الفلسطينية عالميتها من الموقع الجغرا - سياسي الاستراتيجي الذي احتلته فلسطين في استراتيجيات الدول الكبرى وفي الصراع بين الدول الاستعمارية، فعلى الدوام اعتبرت الدول الكبرى بأنّ السيطرة على فلسطين تسهّل عليها السيطرة على العالم العربي .

وعلى ذلك من غير الممكن اعتبار الصراع مع إسرائيل مجرد صراع محلي، فهو جزء من الصراع في هذه المنطقة وعليها، وهو مرتبط بالصراعات الدولية، وهو اليوم مازال يحتل مركزا مهما في إطار الاستراتيجية الأمريكية لتعزيز هيمنتها كقطب أوحد على العالم .

وفي الظروف العالمية الراهنة يكتسب رأي المجتمع الدولي أهمية حاسمة، إلى درجة أنّ الحلول التي تطرح للأزمات المختلفة، إنما تتحدد ملامحها الرئيسية وفق ما يقبله أو يرفضه هذا المجتمع . فلا وجود لحل يتعلق بأية مشكلة في أية منطقة من العالم، خارج إطار مفاهيم المجتمع الدولي واهتماماته . من هنا فإنّ الوصول إلى حالة تماهٍ أو مقاربة بين أساليب المقاومة المتنوعة لشعب ما، وبين إجماع المجتمع الدولي، يعتبر هدفا في حد ذاته يستحق النضال والعمل من أجله بكل السبل .

إذا قاربنا بين هذه المفاهيم وبين المسألة الفلسطينية في حالتها الراهنة، فإنه يمكن ملاحظة التالي : إنّ الانتفاضة الفلسطينية التي اندلعت في 28 سبتمبر/أيلول عام 2000 ضد الاحتلال الإسرائيلي، نجحت بداية في فرض نفسها كقضية ملحة على جدول أعمال المجتمع الدولي . لكنّ نجاح إسرائيل في استفزاز الفلسطينيين وجرهم تدريجيا إلى حلبة العمليات الاستشهادية، وتحوّل هذه الأخيرة إلى السلاح الأبرز والأكثر طغيانا في الانتفاضة، قد نقل القضية الفلسطينية إلى مستوى جديد كليا . فالاهتمام الدولي انقلب إلى إدانة هذه العمليات، أو على الأقل مساواتها بالعنف الموجّه من جانب الدولة الإسرائيلية .

ومن جهة أخرى، فقد أدى التبني الأمريكي لإسرائيل وتوفير الحماية السياسية والقانونية الدولية لها إلي شعورها بأنها دولة فوق القانون الدولي تنتهكه كما يحلو لها .‏ وتلك هي المشكلة الجوهرية‏,‏ وفي ظلها لن تكون هناك تسوية سياسية حقيقية بل تصرفات وسياسات إسرائيلية وليدة غطرسة القوة وغرورها، تراكم من العداء وتضاعف من تأثيرات العوامل الكامنة في الصراع الاجتماعي الممتد .

لقد أصبحت أمريكا طرفا دائما في الصراع، حربا وسلما، فهي تقدم دعما كبيرا لإسرائيل، وكذلك لعدد من الدول العربية، ولها مصالح نفطية ضخمة في منطقة الخليج وخاصة السعودية، وربما كان هذا الاندماج الأمريكي الواضح أحد أسباب حضورها وتأثيرها الكبير في إدارة الصراع . ومهما كان الرأي العام العربي سلبيا نحو الولايات المتحدة، بسبب تحيّزها الواضح لإسرائيل، إلا أنّ أغلب المراقبين يجمعون على أنّ من المصلحة الأمريكية أن تتحسن الأوضاع في الشرق الأوسط، ويسود السلام بين العرب وإسرائيل .

وبعد أن أصبحت فكرة " الشريك الكامل " عنوانا لدور أمريكي أعمق في المفاوضات العربية – الإسرائيلية منذ انطلاق مؤتمر مدريد للسلام، وبعد أن أصبحت الفكرة موضع ترحيب أطراف المفاوضات، تساءل المراقبون عن كيفية التطبيق الأمريكي لهذه الفكرة في مسيرة المفاوضات ؟ . فقد كان واضحا أنّ الولايات المتحدة دفعت الأطراف العربية والإسرائيلية إلى المفاوضات آملة أن يكون للعملية المباشرة قوة دفعها المستقلة التي تؤدي إلى نتائج ملموسة . إنّ المفهوم الأمريكي للعملية التفاوضية يقوم على أساس ضرورة الدخول في المفاوضات مهما كانت الظروف والشروط وبصرف النظر عن توافر العناصر التي تكفل وصول هذه المفاوضات إلى نتيجة، حيث أنّ " قوة الدفع " التي تنبثق وتتولد من خلال العملية التفاوضية ذاتها يمكن أن تقود إلى نتائج، بل تفرض ضرورة تحقيق هذه النتائج مهما استعصت المشكلة على الحل كما يبدو في بداية التفاوض، وكذلك مهما أظهر الطرف الآخر من تعنت وجمود .

وبدأت المفاوضات، وتوالت الجولات، وتبين أنّ الموقف الأمريكي يرتكز إلى مجموعة أسس أهمها :

1 ـ الانحياز التام لإسرائيل، إذ ظهر بما لا يقبل الشك أو التأويل أنّ السياسة الأمريكية تجاه المنطقة تتحدد بمنظور أمريكي ـ إسرائيلي مشترك، وذلك لأنّ العلاقة بين الطرفين تتعدى البعد الاستراتيجي لتشكل تلاحما عضويا . ولذلك تبنت الولايات المتحدة الموقف الإسرائيلي التفاوضي بشكل كامل، وتصرفت كأنها " وكيل " إسرائيل في المفاوضات، وليـس " الراعي " العادل للمفاوضات .

2 ـ تحقيق " استقرار" المنطقة، وذلك باستغلال الظرف المؤاتي عربيا بعد حرب الخليج الثانية أولا واحتلال العراق ثانيا لتثبيت الرؤية والبرنامج الأمريكيين لشرق أوسط جديد تلعب فيه أطراف غير عربية، في مقدمتها إسرائيل، دورا أساسيا .

3 ـ اتباع سياسة براغماتية في المفاوضات وذلك بتفسير دور " الراعي " للمفاوضات على أنه " المسرع " لها . وبدور " المسرع " تختزل الولايات المتحدة تدخلها في الأمور الإجرائية وتتلافى التدخل في القضايا الجوهرية . فطالما أنّ ميزان القوى يرجح لمصلحة إسرائيل، فلا ضرورة لتدخل الولايات المتحدة في القضايا الجوهرية . وبالطبع، فقد أعلنت أنها تقبل بأية صيغة اتفاق تصل إليه الأطراف المتفاوضة .

4 ـ وفي إطار " التسريع " أصبح دور " الراعي " الأمريكي توفيقيا تخلت فيه الولايات المتحدة عن كل ما فسر عربيا بأنه ضمانات أو حتى تطمينات مسبقة، وتحول الموقف الأمريكي خلال لعب دور " الشريك الكامل " إلى متابعة مجريات الأمور على طاولة المفاوضات . فالهدف الأمريكي تحدد بتذليل العقبات وليس بإيجاد الحلول، وعند تذليل العقبات يتم العمل على أساس إيجاد مقاربة ترتكز على حدود " القاسم المشترك الأصغر " للفرقاء، بحيث أنّ المبادرة الأمريكية مفتوحة النهايات كما لم يحدث في أية مرة من قبل .

وفي عهد الرئيس بوش الابن كشف الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي بوضوح عن الديبلوماسية الأمريكية الحذرة، التي تعتمد على قاعدة أساسية وهي التدخل فقط عندما تصبح القدرة على تحقيق إنجازات مؤكدة، عملا بتفكير ريتشارد هاس ( خبير في الشؤون الديبلوماسية وكان يعمل مستشارا للرئيس بوش الأب )، الذي يرى أنّ أفضل طريقة للتعامل مع النزاعات الـ " غير ناضجة " بعد من الحل هو تقليل التدخل . في هذا الإطار جاء التحرك الأمريكي على ساحة الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي لوقف مفاعيله وتداعياته، وإدارته بالطريقة التي تخدم ما تسميه واشنطن " حربها على الإرهاب " . بوضعه خارج المعادلة الدولية الراهنة، عبر السعي إلى تجميد المجابهة . فقد اقترن إعلانها  بقبول قيام دولة فلسطينية " قابلة للحياة "، وإرسال مبعوثين إلى المنطقة للعمل على إعادة الطرفين إلى طاولة المفاوضات بطرح آلية عمل تبدأ بوقف " العنف " واعتقال نشطاء حركتي " حمــــاس " و " الجهاد الإسلامي " الفلسطينيتين وجمع السلاح الفلسطيني غير الشرعي مقابل وقــــف " الاستيطان " .

لقد كان واضحا أنّ هذه الآلية تفسح في المجال أمام إغراق الطرف الفلسطيني في مستنقع إدارة أزمة متحركة بين الدعوة إلى بذل جهود بنسبة 100%، وبين الدعوة إلى تحقيق نتائج بنسبة 100% . بحيث سمحت للجنرال شارون بإدخال الوضع في حلقة مفرغة، حين لم يعدم الوسيلة لاستفزاز الفلسطينيين ودفعهم إلى رد فعل عنيف يعيد به الأمور إلى المربع الأول .  وهنا تقتضي الحصافة أن لا نستبعد أبدا أن تكون الصواريخ الإسرائيلية التي دكت المدن والقرى الفلسطينية جزءا من الخطة الأمريكية التي تعمل وفق ما تسميه أوساط في الإدارة الأمريكية " إنضاج " الأطراف للحل، حيث تقوم عمليات القتل الواسع للفلسطينيين بإنضاج الطرف الفلسطيني للقبول بالشروط الإسرائيلية .

لقد ولّدت جريمة 11 سبتمبر/أيلول الضالة الأمريكية المنشودة منذ إقفال ملف الحرب الباردة، بإيجاد المبرر الفلسفي والأخلاقي والسياسي الجديد، لحرية الحركة السياسية والعسكرية الأمريكية في طول الكرة الأرضية وعرضها، حيثما تدعو المصالح الأمريكية إلى تدخل أمريكي مباشر تحت عنوان " محاربة الإرهاب " . إلى درجة أنّ قضية فلسطين، التي تعود في جذورها إلى نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، قد اختُزلت بقدرة قادر أمريكي، وأُدخلت قسرا في ملف الإرهاب، بعد أن كانت قرارات الأمم المتحدة ذات الأرقام 181 و194 و242 و338 تضع القضية منذ العام 1947 - على الأقل - في ملف تقسيم أرض فلسطين بين العرب واليهود .

ومنذ ذلك الحين، ومع كل عملية استشهادية فلسطينية، كان الموقف الأمريكي يزداد اقترابا من الموقف الإسرائيلي، ويزداد ابتعادا عن الفلسطينيين، وصولا إلى المماهاة الأمريكية - الإسرائيلية الكاملة، وإلى اعتبار أنّ المدخل إلى الشرق الأوسط كله هو من بوابة هذه العمليـات .

ومادام الإرهاب ـ بتوصيفه الذي تراه مجموعة بوش للسياسة الخارجية ـ هو محور حركة الديبلوماسية الأمريكية,‏ وبالتالي اعتبار أي شكل من أشكال المقاومة الفلسطينية للاحتلال الإسرائيلي‏,‏ إرهابا‏,‏ فقد تم وضع أمن إسرائيل في أولوية متقدمة في الترتيب على قضية الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية‏,‏ ومن ثم صارت عملية السلام ‏ في حالة تبعية‏ لحالة أمن إسرائيل,‏ طبقا لما يقرره شارون .

ولا يغيّر في الأمر كثيرا ما طرحه الرئيس بوش في خطابه الشهير يوم 24 يونيو/حزيران 2002 وما تضمنه من وعود بدعم " قيام دولة فلسطينية " . فإذا ما حاولنا أن نقدم قــراءة لـ " رؤية بوش " استنادا للتطور الذي شهدته القضية الفلسطينية منذ اندلاع الانتفاضة عام 2000،  وإلى تحوّل الولايات المتحدة لطرف في هذا الصراع، مع أخذ المتغيّرات العالمية الجديدة في الاعتبار وخاصة الاحتلال الأمريكي للعراق وتداعياته، يمكن أن نصل إلى بعض النتائج الهامة التي قد تساعدنا على فهم حقيقة ما جاء في هذا الخطاب/الرؤية، وما يحمله من فرص ومخاطر، وصولا إلى كيفية التعامل مع الواقع القائم الآن في المنطقة .  فمن الملفت للانتباه أنّ الرئيس بوش طرح في خطابه معادلة جديدة لتسوية الصراع تتمثل في " السلام مقابل الأمن " وذلك بدلا من " الأرض مقابل السلام "،  وهي تعد بمثابة تحوّل خطير .

وقد اتضح هذا التحوّل في رسالة ضمانات بوش الأخيرة إلى شارون، حيث يعلن معارضة أمريكا حق العودة للاجئين الفلسطينيين وأخذ الواقع الديمغرافي بالحسبان، وهو ما ترى فيه إسرائيل اعترافا أمريكيا بالكتل الاستيطانية . وفي أنّ " الاتفاق الدائم بين إسرائيل والفلسطينيين يجب أن يأخذ بالاعتبار الواقع القائم على الأرض، فليس من الواقعي انتظار العودة الكاملة إلى خطوط عام 1967 " .

وتكمن خطورة رسالة الرئيس بوش وقرار الكونغرس الأمريكي بهذا الشأن في أنهما تجعلان من السياسة التي تنتهجها إدارة بوش عمادا أساسيا من أعمدة السياسة الخارجية لكل إدارة أميركية . وقد جرى التعبير عن ذلك في الفقرة التي تقرر " أنّ الكونغرس يتبنى هذه المبادئ كسياسة أمريكية في الشرق الأوسط " .

وهكذا، فقد سقطت خريطة الطريق على مراحل : سقطت أولا، على يدي حكومة آرييل شارون التي وضعت أربعة عشر تحفظا على الخطة أدت إلى إلغاء مضمونها وتعطيله . وسقطت ثانيا، على يد الرئيس الأمريكي حين التقى مع آرييل شارون في واشنطن، واستمع منه إلى خطته بالانسحاب من جانب واحد ومن دون مفاوضات مع الفلسطينيين، من قطاع غزة، ونال من الرئيس بوش موافقة متحمسة على هذه الخطة، مع إشادة غير مألوفة بمضمونها ودلالاتها، وقدم له مقابل هذه المبادرة " الشجاعة " تنازلات أمريكية هائلة تمس مضمون مفاوضات الحل النهائي مع الفلسطينيين، وتتعلق تلك التنازلات بثلاث قضايا هي : الحدود والمستوطنات وحق العودة للاجئين الفلسطينيين . وشكل التبني الأمريكي للموقف الإسرائيلي في هذه القضايا نسفا لمبدأ المفاوضات، وفرضا مسبقا لمضمون الحل النهائي، وإلغاء عمليا لفكرة الدولة الفلسطينية .

وفي الواقع, فإنّ الإدارات الأمريكية ظلت, على الدوام, تعلن صراحة دعمها المطلق لإسرائيل, وحرصها على تغطية سياساتها في الأراضي العربية المحتلة، وضمانها لأمنها وتفوقها النوعي في المنطقة . وفوق كل ذلك, فإنّ هذه الإدارات لم تقل مرة أنها مع عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى أرضهم أو ديارهم التي شردوا منها في 1948. ولم تطالب بتفكيك المستوطنات, على رغم اعتبارها إياها غير قانونية مرة, وعقبة في طريق السلام مرة أخرى . وهي لم تفسر قرار مجلس الأمن الدولي الرقم 242, باعتباره ينص على انسحاب إسرائيل من كامل الأراضي التي احتلتها عام 1967، وإنما فسرته على أنه يعني انسحاب إسرائيل من أراضٍ احتلتها, بما يفيد قيام حدود آمنة ومعترف بها لكل دول المنطقة .

وفي هذا السياق يرى هنري كيسنجر، وزير الخارجية الأمريكية الأسبق، أنّ الفلسطينيين والعرب يجب أن يدركوا ويقبلوا تماما أنه ليس كافيا أن يعترفوا بوجود إسرائيل لكي يوافق الإسرائيليون على تأمين كل حقوقهم ومطالبهم، بل يجب أن يعتادوا على تقديم التنازلات والتضحيات لطمأنة الإسرائيليين . وأوضح قائلا : إنّ عملية السلام تعرقلت وتجمدت بسبب رفض العرب مواجهة  " الحقيقة الأساسية "  وهي أنّ أية تسوية للنزاع العربي - الإسرائيلي لن تقوم في النهاية على أساس الانسحاب الإسرائيلي الكامل من الأراضي المحتلة خلال