معوّقات السلام العربي .. الإسرائيلي وآفاقه ...3...

عبدالله تركماني

(3) – هيكل المفاوضات

بعد مرور قرابة ثلاثة عشر عاما على انطلاق المفاوضات العربية ـ الإسرائيلية في مؤتمر مدريد يبدو من الضروري جدا استيعاب دروس وعبر خبرات المفاوضات وفهم معطيات الواقع الراهن وتخطيط الموقف التفاوضي العربي على أسس موضوعية، خاصة بعد أن وصلت عملية التسوية إلى المأزق حين تم الانفصام بين أهدافها وتفاصيل تطبيقها، وبين المرجعية القانونية والدولية لأسس ومبادئ التسوية والممارسات الإسرائيلية باسم عملية السلام، وحين أوقعت الإدارة الأمريكية نفسها في فخ السياسة الإسرائيلية وفشلت في الجمع بين دور الوسيط الشريك للطرفين العربي والإسرائيلي وبين الحليف لإسرائيل .

وحين نقوم برصد نتائج مسيرة التفاوض على المصلحة العربية يجدر بنا أن نستحضر عناصر عملية التسوية : الإطار المرجعي والأساس والأطراف والخطوات . ففيما يخص العنصر الأول " الإطار المرجعي "، نرى أنّ المصمم الأمريكي جعله " مؤتمرا دوليا " يعقد بعيدا عن المنظمة الأممية مفتقدا من ثم مرجعية الشرعية الدولية، ومعتمدا مرجعيته الخاصة به التي حددها مصمم العملية الأمريكي وألزم الأطراف العربية بقبولها، بعد أن استلهم جل مطالب إسرائيل وضمنها فيها .

نلاحظ فيما يخص العنصر الثاني وهو " الأساس "، أنه قرارا مجلس الأمن 242 و 338 . والثاني يتضمن اعتماد التفاوض، أما الأول فينص في مقدمته على مبدأ عدم " جواز الاستيلاء على الأراضي بالقوة " ويتعامل مع الأراضي الفلسطينية والعربية المحتلة عام 1967، ويدعو إلى الانسحاب منها، وإلى ضمان أمن جميع دول المنطقة، وإيجاد تسوية عادلة لمشكلة اللاجئين . وقد تعذر تطبيقه منذ صدوره في خريف 1967،  واختار مصمم العملية الأمريكي هذا القرار من بين العديد من القرارات الدولية التي تحدد الحقوق الوطنية الثابتة غير القابلة للتصرف للشعب العربي الفلسطيني . ولم يكتفِ المصمم الأمريكي بذلك، بل قبل وجهة النظر الإسرائيلية في أنّ لهذا القرار تفسيرات مختلفة ويحق لكل طرف أن يتمسك بتفسيره .

أما العنصر الثالث وهو " الأطراف "، فقد لبى مصمم العملية الأمريكي في تصميمه الطلب الإسرائيلي في أن تتفاوض إسرائيل مع كل طرف عربي على حدة . وكان قد وفى من قبل بتعهده لإسرائيل أن تتفاوض من موقع القوة، بحيث تتفوق قوتها على الأطراف العربية مجتمعة .

نصل إلى العنصر الرابع في العملية وهو " الخطوات "، فنجد أنّ المصمم الأمريكي حدد بداية فترة ثلاث سنوات تكون إسرائيل طوالها مطلقة اليد في الأراضي العربية المحتلة . وعمد إلى تأجيل البحث في موضوعات القدس والاستيطان واللاجئين والحدود، وهذا ما تم الاتفاق عليه في اتفاق أوسلو، وباشر منذ انعقاد مؤتمر مدريد إجراء مفاوضات متعددة الأطراف تستهدف إقامة نظام إقليمي جديد يكون لإسرائيل مكان خاص فيه .

وهكذا، فإنّ المأزق الراهن للمفاوضات العربية – الإسرائيلية هو نتيجة منطقية للهيكل التفاوضي الذي تبلور في مؤتمر مدريد، إضافة بالطبع للشكوك حول نيات إسرائيل وسياساتها ومحركاتها الأساسية : نزعة احتقار العرب، ونزعة عبادة العنف، وفجوة الشك وعدم التصديق النابعة عن مخاوف لا حصر لها، والعقيدة الأمنية التي تتصور إمكانية السيطرة الأبدية على كل مفاتيح الأمن بالوسائل العسكرية .

لقد كانت هندسة التفاوض مبنية بصورة محكمة تمنع أي تصرف " غير عاقل " . ومن أهم عناصر تلك الهندسة ثلاثة : الأول، هو أنها خططت بطريقة تجعل من يخرج من المسيرة يخسر بالضرورة . والثاني، أنها جعلت موافقة الأطراف المعنية مرتبطة بضمانات خطية قدمتها واشنطن قبل مدريد إلى كل من الأطراف المعنية . أما الثالث، فهو إقامة وضع يجعل الخيار دائما بين المسيرة كما هي جارية وبين العدم، بالتركيز على أنّ " لا لعبة في المدينة غير هذه اللعبة " . فإما أن تلعبها، وإما أن تبقى وحيدا وتندم .

وفي سياق ذلك مارست إسرائيل لعبة ابتزاز تناقضات الأطراف العربية، فقد علمتنا تجارب السنوات الماضية أنّ إسرائيل تستخدم المسار الفلسطيني للضغط على المسار السوري، وعندما لا تحقق مراميها في هذا المسار تتحول إلى المسار السوري وتمارس الضغط نفسه، وهكذا .

وهكذا، فإنّ المفاوضات الفلسطينية – الإسرائيلية افتقرت إلى رؤية واضحة محددة للهدف، مما دفع الطرفين إلى تناول المرحلة الانتقالية ليس على أنها مهلة للاستعداد لاتفاق نهائي بل مجرد تمهيد للمفاوضات النهائية، وليس على أنها فرصة لبناء الثقة بل لتحسين الموقف التفاوضي . النتيجة أنّ كلا منهما حرص على الحفاظ علي مكتسباته لحين الوصول إلى المفاوضات النهائية . وهكذا غذّى موقف كل من الطرفين تصلب الطرف المقابل، مما أدى إلى حلقة مفرغة من التهرب من الالتزامات، والانتهاكات الواضحة، والاتهامات المتبادلة .

ومع تزايد الالتزامات التي وافق عليها الطرفان أدت الاتفاقات المرحلية المتتابعة إلى تزايد إمكان المخالفات والتراجع عن المواعيد المحددة للتنفيذ، وأصبح كل اتفاق مؤقت محورا للخلاف المقبل وصورة مصغرة للصراع في شموليته، وقاد ذلك إلى إعادة التفاوض مرارا وتكرارا وتراجع الاحترام لنصوص الاتفاقات نفسها . وأغرى ذلك قيادتي الطرفين باتخاذ مواقف تعويضية، مثل الخطب النارية من قبل الفلسطينيين مقابل إنشاء المزيد من المستوطنات من قبل الإسرائيليين، مع إعراض كل من القيادتين عن تهيئة شعبيهما للتنازلات التي لا بد منها في النهاية . وكان لهذه الخطوات التي هدفت إلى ترضية الرأي العام على الجانبين نتيجة غير مقصودة هي المزيد من نفور كل منهما من الآخر، وهو ما زاد من صعوبة التوصل إلى صفقة نهائية . أخيرا، ضاعفت الاتفاقات الجزئية التدرجية من صعوبة تعبئة المجتمع الدولي لمساندة المسيرة .

بل أنّ من بين أكثر المغالطات غرابة في قاموس السياسة الدولية‏,‏ ذلك الزعم الذي تردده إسرائيل‏,‏ بأنها مضطرة للتصرف بمفردها بشأن مستقبل الضفة الغربية وغزة‏,‏ نظرا لعدم وجود شريك فلسطيني قادر علي التفاوض معها‏,‏ بشأن ما تعتبره ـ من وجهة نظرها ـ أراضٍ متنازعا عليها وليس أراضٍ محتلة ‏.

والحقيقة أن التسليم بحق إسرائيل في أن تحدد ما إذا كان في الجانب الفلسطيني شريك تفاوضي أو لا يمثل ارتدادا عن كل ما تحقق ـ علي مدى أكثر من عقدين ـ لنشر أجواء السلام وبناء روح الثقة بين الفلسطينيين والإسرائيليين‏ .‏ إنّ خطورة ما تصر عليه إسرائيل ويلقي دعما أمريكيا وقدرا من القبول والفهم الأوروبي‏,‏ هو أنّ هناك ردة إسرائيلية ودولية عن خيار السلام الذي مازال يمثل خيارا استراتيجيا للفلسطينيين والأمة العربية بأكملها‏ .

وهكذا، يبدو أنّ العرب كانوا حسني النية في تصورهم أنهم دخلوا عملية تنتهي بإغلاق ملف الصراع العربي - الإسرائيلي نهائيا ‏.‏ لكنّ المشكلة لم تنشأ نتيجة أنّ لإسرائيل أطماعا خفية‏,‏ أو لأنها ارتدت عما كانت قد تحركت في اتجاهه لأسباب كانت قائمة وقتها‏,‏ وإنما المشكلة نبعت من اختلاف النظرة إلى طريق بلوغ هدف السلام‏,‏ بين كل من العرب وإسرائيـل ‏.‏ فالعرب منذ دخلوا عملية السلام بانعقاد مؤتمر مدريد عام‏1991,‏ وضعوا في حساباتهم أنّ عجلة السلام تحركت‏,‏ وستواصل تحركها بتلقائية وبقوة الدفع‏,‏ وكل ما عليهم عمله هو أن ينتظروا بلوغها محطتها النهائية‏ .‏

أما إسرائيل فقد اعتبرت عملية السلام نزالا حادا بين طرفين‏,‏ حتى ولو كان نزالا من أجل السلام ‏.‏ وهذا يعني أن تصيغ لنفسها استراتيجية تدير بها هذه العملية‏،‏ فإذا كان عليها أن تسلم للطرف الثاني بشيء عن طريق المفاوضات‏,‏ فليكن بأقل القليل‏,‏ وأن تستخلص منه أقصى ما تستطيع استخلاصه‏,‏ عن طريق الضغط السياسي والديبلوماسي‏,‏ والنفسي‏,‏ وخلق عقبات وعراقيل تحبط الطرف الآخر في المفاوضات‏،‏ وتضعضع مركزه التفاوضي‏ .‏ أي أنها جهزت نفسها لما اعتبرته صراعا‏,‏ أو حسب الوصف الذي استخدمه شيمون بيريز في محاضرة بجامعة " جورج واشنطن " في عام ‏1998,‏ في تعريفه لعملية السلام بقوله‏ :‏ نحن في حرب من أجل السلام ‏.‏ وفي سياق ذلك استثمرت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة " الرأي العام " لديها كوسيلة إضافية للضغط على المفاوض العربي على أساس أنها شديدة المرونة بالمقارنة بمواطنيها المتشددين الذين يقاومون " تنازلاتها "، في حين أنّ المساندة العربية للمفاوض العربي مفتقدة تماما، بل أصبحت المظاهرات التي تستنكر مواقف التعنت الإسرائيلية تجري في إسرائيل ذاتها على يد حركة " السلام الآن " ولا تجري في العواصم العربية .

 

 

 

 

 

ثانيا – دور الأطراف

حيث لعبت الأطراف المعنية ( إسرائيل والقيادة الفلسطينية والحكومات العربية )، والمجتمع الدولي، وفي مقدمته الولايات المتحدة الأمريكية، أدوارا معطلة لاستكمال عملية السلام العربي – الإسرائيلي .

(1)         إسرائيل

بانعقاد مؤتمر مدريد للسلام، صار السؤال المطروح هو : ما هو مضمون السلام الذي تريده إسرائيل ؟ ومع الوقت صار يتضح بأنّ السلام الذي تريده يقوم على قاعدة " جزء من الأرض في مقابل السلام الكامل " . أما القناعة التي كانت تقبع في خلفية هذا التصور للسلام، والتي شكلت إحدى ثوابت الفكرة الصهيونية على مدى تاريخها، فهي أنّ الأرض العربية التي احتلتها إسرائيل في عام 1967 هي " ملك الشعب اليهودي " وأنّ تنازل إسرائيل عن جزء منها هو للخروج من المأزق ولضمان وجود إسرائيل ومستقبلها والحفاظ على طابعها اليهودي على المدى البعيد . وبينما كانت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة تتردد وتمانع في الاستجابة لشروط السلام الدائم والشامل، كان المجتمع الإسرائيلي، الذي تبين بأنه يخشى السلام أكثر مما يخشى الحرب، يتجه نحو التطرف أكثر فأكثر في ظل الدور المتزايد في حياته السياسية لقوى إثنية ودينية واجتماعية : اليهود الشرقيون، والمهاجرون الروس، والمتدينون الأرثوذكس والمستوطنون، يجمع بين أطرافها عدم الثقة بالسلام مع العرب، والاعتقاد بأنّ المواجهة الشاملة هي " البديل الأفضل " للصهيونية، وهي الوسيلة الفعالة التي تحافظ على متانة ووحدة " القلعة " وتمنع انفجار التناقضات الداخلية المعتملة داخل المجتمع الإسرائيلي .

وقد كان الفوز الساحق الذي حققه آرييل شارون في انتخابات فبراير/شباط 2001 دليلا واضحا على أنّ هذه القوة اليمينية المتطرفة التي صارت تتحكم بالسياسة الإسرائيلية قد استقطبت تأييد القسم الأعظم من الإسرائيليين، وأنّ حزب العمل، الذي أضاع نصف قوته الانتخابية، مقارنة مع الثمانينات، بات أسير هذه القوة اليمينية المتطرفة، وأسير حكومــــة " الوحدة الوطنية " التي تعززت مواقع اليمين المتطرف وغلاة المستوطنين فيها . مما جعل السلام الإسرائيلي في عهد شارون يتميز بـ :

1 ـ رفض مفهوم السلام المتعارف عليه والقائم على " شروط " مدريد وأوسلو، لأنه حسب تصور شارون يهدد الأمن الإسرائيلي وبالتالي يصبح المطلوب تأجيل هدف التوصل إلى اتفاقات سلام رسمية إلى أجل غير مسمى .

2 ـ تحقيق الأمن المطلق، فالقيادة الإسرائيلية الحالية لا تتطلع إلى إحداث تحول أو تغيير نوعي في العلاقات العربية ـ الإسرائيلية عكس ما طرحته قيادة حزب العمل، بل هي  تتطلع إلى إحداث مزيد من التغيير النوعي في ميزان القوى العربي ـ الإسرائيلي . فالأمن، حسب هذه القيادة، يتحقق بواسطة سياسة الروادع وليس بواسطة سياسة الحوافز .

3 ـ يقود ذلك كله إلى ضرورة تحقيق سلام " الأمر الواقع " المبني على نظام من الروادع، وعلى تفاهمات مع الأطراف العربية المعنية وذلك بشكل مباشر أو بواسطة الولايات المتحدة الأمريكية وحدها أو مع غيرها من الأطراف الدولية والإقليمية القادرة والمعنية .

فمنذ انتهاء زيارة آرييل شارون إلى واشنطن في أوائل شهر ديسمبر/كانون الأول 2001 صار الحديث الإسرائيلي يركز على " الفرصة الاستراتيجية السانحة التي توفرها الضغوط الدولية لحسم الحرب ضد الإرهابيين " . وقد استطاعت إسرائيل أن تقنع العديدين على الساحة الدولية أنّ " إرهاب الدولة " الذي تمارسه ليس بـ " إرهاب "، وإنما هو نشاط " مشروع " محافظة على " الأمن " و" النظام ".. وأنّ الانتفاضة الفلسطينية، التي هي في جوهرها مقاومة مشروعة ضد الاحتلال، هي عين " الإرهاب " الذي يتعين على إسرائيل مناهضته بكافة السبل المتاحة ! .

   لقد بات واضحا أنّ شارون جاء إلى الحكم بقرار صهيوني استراتيجي يهدف إلى تحقيق الأطماع والمخططات بقوة السلاح، بغض النظر عن مواقف الدول والاتفاقات المعقودة والشرعية الدولية ومبادئ حقوق الإنسان . وهكذا جاء ليعيد التاريخ إلى الوراء، أو إلى المربع رقم واحد وينفّذ مخططا يرتكز إلى :

-                 نسف مسيرة السلام بكاملها ودفن مرجعية مدريد بكل أسسها وبنودها والتزاماتها .

-                 الإلغاء الكامل لاتفاقات أوسلو وملحقاتها وتوابعها والتزاماتها .

-                 ضرب البنى التحتية للسلطة الوطنية الفلسطينية وتفكيك مؤسساتها الأمنية والعسكرية والنظامية والإدارية والاقتصادية .

-                 تدمير الاقتصاد الفلسطيني عبر الحصار المستمر والإجراءات الصارمة ووقف أي ضخ للموارد الوطنية من أجل تركيع الشعب الفلسطيني .

-                 إثارة النعرات والفتن لإشعال نار حرب أهلية بين الفلسطينيين .

-                 تفتيت مناطق السلطة الوطنية إلى كانتونات وجزر منفصلة ومحاصرة وعدم تمكين سكانها من أي اتصال أو انتقال .

-                 تسريع وتيرة بناء المستعمرات الاستيطانية وتوسيع المستعمرات القائمة لفرض أمر واقع على الفلسطينيين والعالم .

-                 تفريغ القدس من المؤسسات الفلسطينية الرسمية والشعبية وإرهاب السكان لحملهم على الهجرة والرحيل لتأكيد مزاعم " العاصمة الموحدة الأبدية " ورفض أي بحث في مستقبل المدينة المقدسة أو المقدسات الإسلامية والمسيحية .

إنّ شارون يريد أن يستفيد من دروس عملية السلام السابقة للتأكد من أنّ العملية لن تتكرر.. إنه ينطلق من أنّ السلام الذي جرى التفاوض عليه - حتى الآن - كان عبارة عن تنازلات غير مقبولة من قبل إسرائيل، عليها وضع نهاية لها . لقد انصب اهتمام شارون على إعادة الوضع مع الفلسطينيين إلى سابق عهد المفاوضات والاتفاقات، والتقليص من توقعاتهم إلى أدنى المستويات، ليستخرج منهم قبولا نهائيا بالحكم الذاتي في مناطق سيطرة مقلصة ومحصورة، تكون بالكامل محاطة بالسيادة الإسرائيلية .  

لقد حدد شارون " الطريق إلى الأمام في الشرق الأوسط " عشية لقائه الرئيس الأمريكي في يونيو/حزيران 2002 بثلاث نقاط رئيسية :

الأولى، أن تهزم إسرائيل الإرهاب لأنها لا تستطيع التفاوض في ظل النيران ولأنها تحتاج إلى شريك للسلام لا يتمثل بالرئيس ياسر عرفات .

والثانية، أن تركز الديبلوماسية على الواقعية عندما ينخرط الإسرائيليون والفلسطينيون مجددا في مفاوضات . والواقعية هذه في رأيه أظهرت فشل " السباق " للتوصل إلى حل نهائي في " كمب ديفيد " و" طابا "، وتظهر أنّ الخيار الجدي الوحيد هو الذي يستند إلى اتفاق مرحلي طويل الأجل يضع جانبا كل القضايا المستقبلية التي يصعب حلها في الوقت الحاضر. وتاليا فإنّ إسرائيل لن تعود إلى حدود 1967 ولن تقسم القدس أو تتنازل عن حقها في حدود تدافع عنها بموجب القرار 242 .  

والثالثة، إعطاء بعد إقليمي للديبلوماسية، أي أنّ إسرائيل لن تتوصل إلى سلام دائم مع الفلسطينيين بمعزل عن المحيط وأنها تحتاج إلى سلام مع كل العالم العربي .

وتكمن المشكلة في أنّ الرؤية الصهيونية تحدد للفلسطينيين وضعا محددا، عليهم الالتزام به، لكنهم " لم يتعلموا حسن القبول " بعد، لهذا تحركت القوة العسكرية الصهيونية بكل جبروتها وتقنياتها الهائلة من أجل أن يصبح وضع الفلسطينيين محددا في الخريطة الإسرائيليـة . في عام 1967، بعد هزيمة يونيو/حزيران تحققت المطابقة بين دولة إسرائيل و أرض إسرائيل . هذا هو الوعي الذي تشكل آنئذ، والمؤسس على الرؤية الصهيونيــة لـ " دولة اليهود "، وبالتالي أصبحت الأسطورة واقعا، لكن لم تكن دولة إسرائيل قادرة على ضم الأرض الجديدة إليها، ليس خوفا من الرأي العام العالمي، أو من العرب، بل لأنّ مشكلة عويصة قد برزت، تتعلق بالسكان الفلسطينيين الذين بقوا في أرضهم، حيث لا يجب أن يتحولوا إلى مواطنين في دولة اليهود، لأنها دولة اليهود، ولأنه لا يجوز تحويل كتلة بشرية كبيرة من قومية أخرى إلى مواطنين . حيث أنّ ذلك يقود حتما إلى اختلال الطابع القومي للدولة، ويخضعها لكتلة كبيرة من العرب، يضاف إلى العرب الذين بقوا سنة 1948، وبالتالي يصبح مصيرها مهددا .

لهذا انطلقت كل مشاريع السلام الصهيونية من معالجة هذه الحقيقة، وكان مفهوم الفصل بين الأرض والسكان في عمقها، بمعنى أنّ كل تلك المشاريع كانت تعالج مشكلة السكان، والشكل السياسي الذي يمكن أن يتبلوروا عبره مع أقل قدر ممكن من الأرض .

وهكذا، كان المطلوب إسرائيليا من الحرب الدموية على الفلسطينيين، التي بدأت في مارس/آذار 2002، أن تفضي إلي قبول الفلسطينيين بحل يقوم علي أساس تحقيق حكم سياسي لهم في المدن والبلدات المحيطة بها بالأساس، وعلي شكل كانتونات، فهي مدن محاطة بالمستوطنات والطرق الالتفافية والمواقع العسكرية، وبالتالي يسهل عزلها عن بعضها، والتحكم في العلاقات فيما بينها، ولتبقى إمكانية توسيع المستوطنات والاستيلاء على أرض جديدة إمكانية قائمة ليس من حق أحد وقفها . وهذا الفصل العنصري يمكن أن يعطى شكلا سياسيا مستقلا، وربما يسمى دولة، رغم أنّ خيارات الماضي كانت تضعه عند سقف الحكم الذاتي، لكنها دولة منقوصة السيادة، أو لا سيادة لها إلا في إطار القضايا المدنية والشرطة التي تمارس القمع تحديدا . وبالتالي ليصبح الفلسطيني جزءا من الدولة اليهودية واقعيا، انطلاقا من استمرار السيادة الإسرائيلية علي الأرض، مع مراعاة وضعهم السياسي الخاص، كونهم ليسوا مواطنين، لكن مع تكثيف قضم أراضيهم، ومحاصرة تحركاتهم، ودفعهم قسرا إلي الهجرة، أو تحويلهم إلي عبيد، في شكل " الأبارتهيد " .

 

تونس في 24/9/2004                               الدكتور عبدالله تركماني

                                                 كاتب وباحث سوري مقيم في تونس

(*) – ورقة موسّعة لمحاضرة قدمت في إطار دورة " معهد العلاقات الدولية / جمعية الدراسات الدولية " للعام الدراسي 2004 – 2005 من 6 إلى 24 سبتمبر/أيلول بتونس تحت عنوان " في سبيل عالم جديد لإرساء السلام : استراتيجيات جديدة " .