معوّقات السلام العربي - الإسرائيلي وآفاقه ...2....

 (2) – الثقافة السياسية

إنّ عدم القدرة على تجاوز الإرث التاريخي سوف يكبل قدرة الساسة وصناع القرار علي إبرام اتفاقات للتسوية السياسية‏,‏ ويمنع بالتأكيد تحول هذه الاتفاقات إلى معاهدات سلام تتغلغل في نفوس الشعوب‏,‏ ومن ثم تبقي الاتفاقات بين الحكومات وتحفظ للشعوب قدرتها علي استدعاء الذاكرة التاريخية‏ .

إنّ أخطر تطورات القضية الفلسطينية والصراع العربي ـ الإسرائيلي في العقود القليلة الماضية وأهمها تنامي أهمية البعد الديني، وقد كانت سنة 1967، وما حملته من انتصار إسرائيلي ساحق على العرب، بمثابة معلم في هذا المنظور . فقبل عام 1967 كانت الصهيونية حركة تغلب عليها العلمانية، وقد تآكلت هذه العلمانية منذ تلك السنة . فللمرة الأولى وقع " كامل أرض إسرائيل "، وفي جملتها القدس بكاملها و" جبل الهيكل "، تحت السيطرة العسكرية اليهودية الكاملة المنتصرة . وقد اعتبر ذلك توكيدا للرضى الإلهي، ودليلا على صحة كون الشعب اليهودي شعبا مختارا، وأفضى إلى نشوء حركة الاستيطان القومية الدينيـة " غوش إيمونيم " أو " كتلة المؤمنين "، المصممة على بناء الهيكل واستيطان كامـل " أرض الميعاد " إلى الأبد، إتماما للعهد المقطوع مع يهوه (الله) . أما عند المسيحيين القائلين بعودة المسيح المبكرة، فقد كان انتصار إسرائيل وتنامي الاستيطان اليهودي في الأراضي الفلسطينية المحتلة تنفيذا لخطة الرب، ونذيرا بدنو المعركة الفاصلة " هرمجديون "، والرؤيا النبوئية، ونهاية الأيام، وقرب عودة المسيح ثانية . وأنّ تعويق الاستيطان اليهودي، أو إيقافه، إنما هو عرقلة للغاية الإلهية وتأخير لحلول حكم المسيح الألفي .

 وفي الجانب الآخر، يبدو أنّ العرب مغرومين بلعبة التطابق، فالتطابق الذي حصل بين المسألة الفلسطينية وبين الإسلام كظاهرة عالمية يبدو كأنه سدرة المنتهى للعالم العربي ولقسم من النخب الفلسطينية، حتى عندما صار هذا التطابق مهلكا بسبب من التحولات في العالم الإسلامي ونزوع حركات فيه إلى المواجهة العنيفة مع الغرب ورموزه، فلم نرَ أي جهد يذكر لفض هذا التطابق وتأكيد التباين والاختلاف بين المسألة الفلسطينية بوصفها قضية شعب يسعى إلى الحرية واستعادة جزء من وطنه التاريخي وبين الإسلام الجهادي الذي انزلقت أوساط فيه إلى العنف الصريح تحت مسميات وأغراض لا علاقة لها بالمسألة الفلسطينية التي تم تجييرها على غير إرادة منها . تضامن العالم الإسلامي مع النضال الفلسطيني شيء مستحب وضروري، لكن المسألة الفلسطينية ليست قضية إسلامية حصرا .

وهناك تطابق حصل في الجهة الأخرى من اللعبة، فقد بدا العرب والفلسطينيون مستعدين للتعاون مع كل جهة تقف في موقع المعاداة لإسرائيل . وهذا سهّل تصنيفنا في كثير من المناسبات على أننا " معادون للسامية "، منكرون لحصول " المحرقة " . وهكذا يتم زجنا في خانة التاريخ البشري الأسود وفي سياق تاريخي كان اليهود فيه ضحايا بامتياز! .

إذ يعتقد البعض في الساحتين الفلسطينية والعربية أنّ كل ما نأتي به في إطار مقاومة إسرائيل مشروع لأننا ضحيتها بامتياز، وهذا الاعتقاد يفسر تقادم مفهومنا للمقاومة في سبيل التحرر، بل أنّ هذه القيمة - المقاومة سعيا إلى الحرية - تحولت سريعا إلى تبرير لكثير من الأفعال البائسة التي راحت ضحيتها قيم لا تقل أهمية، مثل : حياة الإنسان الذي نقاوم لأجله ولأجل حفظ كرامته . كثير من الموت في الطرف الفلسطيني كان عبثيا ولا داعي له لكن تم تزيينه بصنوف الإنشاءات اللغوية المأخوذة مرة من الموروث التراثي ومرة من الموروث الديني حتى صار موتا جميلا ومعقولا يمكن تصنيفه على أنه موت مستحب من دون اكتراث إلى السؤال الكبير حول الاحتمالات الأكيدة لمنعه ! .

لقد بدا بعض الأخوة متحمسين لدخول مباني التصورات الإسرائيلية أو الخانات التي تكرسها المؤسسة الإسرائيلية لنا في الذهنية العامة بمقولات وفرضيات وقعنا فريسة في شباكها غير مدركين أنّ قول شمشون الجبار بعد قص شعره ووقوعه في الأسر لم يعد نافذا في زمن ثورة الاتصالات وإنتاج " الحقيقة " من خلال الشاشات والمرئيات، فتصير قابلة كأي شيء للتصرف خاضعة بالكامل لعلاقات القوة . فلنعترف، ما دامت حال " الحقيقة " آلت إلى هذا المآل، أنه لم يعد في هذه الدنيا قضايا مفهومة ضمنا أو مفروغ منها أو بديهية .

 وفي الواقع، تبدو إسرائيل اليوم، مجتمعا ونخبا سياسية، أبعد عن السلام من أي وقت مضى منذ توقيع اتفاق أوسلو عام 1993، في ظل حكومة لم تعرف إسرائيل، عبر كل تاريخها، مثيلا لها في تطرفها وعنصريتها، وهي حكومة بات القول الفصل في تحديد توجهاتها السياسية لجنرالات المؤسسة العسكرية، الذين يشيعون بأنّ إسرائيل في خطر وأنّ الحرب هي الوسيلة الوحيدة تاليا للحفاظ على وجودها . إذ أنّ الأوساط الصهيونية الحاكمة تعيش منذ سنوات حالة من التخبط السياسي، نجمت عن المأزق الوجودي الذي تواجهه إسرائيل، والذي برز للعيان بوضوح خلال الاحتفالات التي جرت في ربيع العام 1998 بمناسبة الذكرى الخمسين لقيام إسرائيل : وهو مأزق يعود بجذوره التاريخية إلى الهوة الواسعة التي برزت بين الآمال التي عقدتها الحركة الصهيونية على " دولة اليهود " وبين ما أنجزته هذه الدولة على أرض الواقع . ففي نظر رواد الصهيونية الأوائل كان على إسرائيل أن تتحول إلى موقع يتجمع فيه كل يهود الشتات ويعيشون فيه في أمن واستقرار بالاعتماد على قدراتهم الذاتية، كما كان عليها أن تكون مركزا يعزز وحدة " الشعب اليهودي " ويحافظ على " هويته المتميزة "، ويحمل رسالة " إنسانية وأخلاقية " للعالم بأسره .

غير أنّ إسرائيل أدركت، في الذكرى الخمسين لقيامها، بأنّ هذه الأهداف لم تتحقق . فدولة اليهود التي ظهرت إلى حيز الوجود أخفقت في العثور على " الأمة " التي كانت تنتظرها، فلم تنجح الحركة الصهيونية في تجميع أكثر من 37 % من مجموع عدد اليهود في العالم في إسرائيل، وبرزت، في المقابل، ظاهرة خطيرة تتمثل في تزايد عدد اليهود الذين يتركون إسرائيل ويستقرون بصورة نهائية خارجها .

وإحدى مفارقات التاريخ أنّ اليهود، الذين ساهموا بقسط يفوق حجمهم في الكفاح من أجل حقوق الإنسان العالمية والحريات المدنية، ونظروا إلى عودة اليهود القومية إلى فلسطين بطريقة تنسجم مع هذه القيم، يؤيدون في الوقت الحاضر سياسات حكومة إسرائيلية يمينية تهدد بتحويل إسرائيل إلى مشروع عنصري . خاصة وأنّ الهاجس الديمغرافي يسيطر على أغلبية النخبة الإسرائيلية، إذ توقع خبير إسرائيلي أن يتفوق الفلسطينيون عدديا على اليهود في فلسطين التاريخية في غضون خمسة عشر عاما من الآن .

وفي المقابل، يبدو أنّ انتقاد إسرائيل بدأ يشق طريقه في أوساط النخب اليهودية في العالم ، ولاسيما في أوروبا وأمريكا، فهذه النخب باتت تتبرأ من سياسات إسرائيل في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وتحملها مسؤولية ازدياد نعرة العداء لليهود في العالم، رافضة في ذلك ادعاءات إسرائيل المتعلقة بالمساواة بين أي نقد لها وبين " اللاسامية معتبرة نقد إسرائيل شرعيا وينسجم مع نقد أي اتجاه عنصري . ففي الولايات المتحدة، حيث نفوذ الحاخامية اليهودية الإصلاحية والمحافظة،  ثمة تبرم من سياسات إسرائيل، حيث اعتاد الحاخام أريك يوفا زعيم التيار الإصلاحي ( 1.5 مليون عضو ) انتقاد إسرائيل ودعوة اليهود الأمريكيين لممارسة نفوذهم لدفع الإدارة الأمريكية نحو إجبار إسرائيل لتقوم بما لا يوجد لديها استعداد لتقوم به بنفسها .  يقول يوفا " البناء في المستوطنات يهدد طابع الدولة اليهودي .. إسرائيل ستضطر للاختيار بين كونها دولة ديمقراطية وبين كونها دولة أبرتهايد .. لم يعد بإمكاننا الصمت ".  

وليست ثمة مبالغة في هذه المواقف، ففي إسرائيل ذاتها مواقف مشابهة.  فإذا تركنا الاتجاهات اليسارية المؤيدة للسلام مع الفلسطينيين فثمة أوساط عديدة باتت تبدي ميلا للتبرم من السياسات الإسرائيلية، التي تنتهك أية معايير إنسانية وتفتقد لأي أفق سياسي.  فهذا يوسف ليبيد رئيس حزب شينوي والعضو في الائتلاف الحكومي يصرح علنا بـ " إنّ صورة العجوز الفلسطينية التي وقفت بين أنقاض بيتها تذكرني بجدتي التي قتلت على يد النازيين " .  

ومن المهم التعرف على أطروحات المدرسة التأريخية الإسرائيلية " ما بعد الصهيونية " التي يذهب روادها في كتاباتهم إلى أنّ على إسرائيل أن تختار ما بين حكم قائم على العرق والنبوءة الأسطورية الدينية " الماشيحانية " والديمقراطية الليبرالية ما بعد الصهيونية . ويرى رواد هذه الدعوة أنّ الصهيونية يمكن أن تتحول من مخطط لدولة قومية متجانسة عرقيا إلى مشروع أكثر تنوعا مدني – ليبرالي – ديمقراطي إذا ما استطاعت تغيّرات العولمة تقويض العلاقة بين الإقليم والجماعة والانتساب لهما .

وهكذا، يمكن تفسير الإحجام الإسرائيلي عن الاستجابة لاستحقاقات عملية السلام بانقسام المجتمع الإسرائيلي على نفسه في هذا الموضوع . فعلى رغم الإجماع الإسرائيلي على أمن إسرائيل وهويتها اليهودية ورفض حق العودة للفلسطينيين والتمسك بالقدس عاصمة لدولة إسرائيل والعلاقة مع الولايات المتحدة، فإن ثمة طيفا واسعا من الخلافات في شأن مساحة الأراضي التي ينبغي الانسحاب منها وقضايا الحدود والمستوطنات والدولة الفلسطينية والتعاون الإقليمي .

ومن كل ذلك يتبين أنّ عملية السلام العربي – الإسرائيلي ليست سهلة أو مسلما بها، فثمة إشكاليات عدة تعاني منها إسرائيل وتجعلها حذرة وأكثر ميلا إلى الإحجام عنها، وأهم هذه الإشكاليات تكمن في الجوانب الآتية :

1 - إنّ الصراع بين الفلسطينيين والإسرائيليين ليس صراعا بين الشعب الفلسطيني والدولة الإسرائيلية المغتصبة، فحسب، وإنما هو أيضا صراع مع المجتمع الذي ينتمي لهذه الدولة، ويتماهى مع أيديولوجيتها وسياساتها . أي أنه لا يقتصر على الجوانب العسكرية أو الأراضي، وإنما يشمل الرموز والرواية التاريخية والمعتقدات الدينية، وهذا الصراع في الإدراك الإسرائيلي يبدو كأنه صراع على الأرض ذاتها، وعلى الوجود (يختلف عن الانسحاب من سيناء أو الجولان أو جنوب لبنان) .

2 - الترابط بين الاستحقاقات الداخلية والخارجية، فالتسوية مع الفلسطينيين تتطلب من إسرائيل تعريف حدودها وهويتها ودورها، في المنطقة، وهو ما يفسر التعقيدات المتعلقة بهذه العملية . فالانسحاب من الأراضي الفلسطينية يقوّض أسطورة " أرض الميعاد " والاعتراف بالشعب الفلسطيني يقوّض أسطورة " أرض بلا شعب " .

3 - الطابع التاريخي والسياسي الملتبس لإسرائيل، فهذه الدولة لم تنشأ نتيجة التطور التاريخي الطبيعي للتجمع اليهودي في فلسطين، وإنما بفعل عمليات الهجرة الاستيطانية - الإحلالية، وعلى رغم إرادة أهل الأرض الأصليين، وبفضل القوة والهيمنة والعون الخارجي . وبسبب ذلك فإنّ إسرائيل، على خلاف الدول العادية، تتهرب من إيجاد أجوبة حاسمة على الأسئلة المطروحة عليها .

4 - طوال المرحلة الماضية اتضح أنّ قوى السلام الإسرائيلية غير ناضجة تماما لعملية التسوية، وأنّ حزب العمل تبنى التسوية للتكيّف مع المتغيّرات الدولية وإقليمية، ومع الاستراتيجية الأمريكية في المنطقة لانتزاع أكبر قدر من المكاسب والمكافآت، من العرب ومن الولايات المتحدة، في مقابل الانسحاب من الأراضي المحتلة، على شكل قبول العرب برواية إسرائيل للصراع في المنطقة والدخول معها في علاقات وترتيبات أمنية وسياسية واقتصادية وأمنية ثنائية وإقليمية، وتعزيز العلاقة الإسرائيلية – الأمريكية . وهذا التيار ينطلق من دعمه للتسوية من واقع الحفاظ على إسرائيل وهويتها اليهودية وصورتها الديموقراطية، وهو يرى بأنّ الانسحاب من الأراضي المحتلة يجنب إسرائيل المخاطر الديموغرافية الناجمة عن وجود ثلاثة ملايين عربي في الضفة والقطاع، ويحافظ على " نقاوة " الدولة اليهودية ويخلصها من الأعباء السياسية والأمنية والأخلاقية الناجمة عن الاحتلال . وفضلا عن هذا الاتجاه، وبسبب من تطورات العولمة الاقتصادية والتغير في عناصر القوة لدى الدول، لم يعد يرى أنّ مساحة الدولة مهمة لاستقرار إسرائيل وازدهارها، بمقدار ما بات يرى ذلك في ميدان التطور الاقتصادي والتكنولوجي والعلمي، خصوصا بعدما ضمنت الولايات المتحدة أمن إسرائيل وتفوقها في المنطقة .

ومن المؤكد أنّ إشكاليات الثقافة السياسية لا تقتصر على الإسرائيليين، فحسب، فلهذه الثقافة إشكالياتها لدى الفلسطينيين، أيضا . وتتمثل هذه الإشكاليات، كما حددها الباحث الفلسطيني ماجد كيالي، في النواحي التالية :

1 ـ أنّ انخراط الفلسطينيين في عملية التسوية ناشئ، أولا، من الصعوبات والتعقيدات المحيطة بهم : الفجوة في موازين القوى وفي المعطيات الدولية والإقليمية غير المواتية لهم بالقياس لإسرائيل . وثانيا، من الإحباطات التاريخية التي مروا بها في تجربتهم الوطنية . وثالثاً، من المعاناة اليومية التي يعيشونها . هكذا تنعكس عملية توسل الفلسطينيين للتسوية في وعيهم السياسي بكونها مجرد محاولة للتحايل على الواقع البائس، والخروج من دوامة الوضع الراهن، والتعويض عن الخلل في موازين القوى، أكثر من كونها محاولة لتجاوز مأساة الماضي والحاضر، والتأسيس لمستقبل جديد مفتوح الآفاق والأبعاد .

2 ـ بالنسبة لغالبية الفلسطينيين كانت عملية التسوية بمثابة عملية افتراضية يأخذون فيها حقوقهم بالتمام والكمال، على اعتبار أنهم تنازلوا عن جزء من وطنهم، فيأخذون الجزء الباقي ويبنون دولتهم ويعيدون اللاجئين إلى أرضهم وممتلكاتهم التي شردوا منها قبل نصف قرن . ولكنّ هذه التسوية العادلة والشاملة في حقيقتها هي تسوية متخيلة، ليس لها سند في عالم السياسة الواقعي الذي لا يعترف إلا بموازين القوى، أو بالمعطيات الدولية والإقليمية، التي قد تعوض الطرف الأضعف عن الخلل في القوى الذاتية .

3 ـ غالبا ما يتم التعامل مع قضية التسوية في إطار النصوص، أي الاتفاقات، التي يجري التوصل إليها بين الطرفين، بدلا من التعامل معها في إطار موازين القوى الذاتية للجانبين والمعطيات المحيطة بهما . إزاء ذلك لا يوجد سبب يدعو أحد لاعتبار أية وثيقة على اعتبارها وثيقة مخلدة، وكأنها رسالة من السماء، وهذا ما ينبغي على الفلسطينيين أخذه بالاعتبار في مناقشاتهم الداخلية الصاخبة، لعل شيئا من العقلانية يهبط عليهم، بدلا من اعتماد لغة التخوين والتكفير السهلة التي لا تخدم إلا امتهان كرامة الفلسطينيين وتسطيح عقليتهم السياسية وإثارة غرائزهم وزرع الشقاق في صفوفهم .

4 ـ في الواقع فإنّ النقاش الفلسطيني، من حول عملية التسوية، هو نقاش مبتور لأنه لا يصل إلى نهاياته المنطقية والطبيعية . فمثلا، حتى الآن، لا يوجد نقاش مكتمل أو ناضج حول حل " الدولة الديمقراطية العلمانية " ولا حول حل " الدولة ثنائية القومية "، ولا حتى حول حل الدولتين، وكل ما هنالك ليس أكثر من شعارات أو مناقشات جانبية .

5 - جاء قصور العقل الأصولي الفلسطيني ليردف قصور العقل السياسي الفلسطيني حين تم خطف الانتفاضة الثانية وعسكرتها، وتكفل إلغاء السياسة واعتماد العمليات الاستشهادية بوصول غلاة اليمين الاستئصالي والاستيطاني إلى الحكم في إسرائيل، وإلى دمغ المقاومة الفلسطينية عالميا بالإرهاب، وتدمير البنى التحتية، واحتلال مزيد من الأرض .

أما الموقف العربي فهو أقرب إلى الثقافة السياسية الفلسطينية، إذ يعتمد في كثير من مواقفه على قرارات ونصوص الشرعية الدولية بشكل عام، دون أن يدرك أنّ هذا الموقف هو شق واحد من المعادلة التي تفترض العمل على مستويات أخرى مكملة أبرزها الرأي العام العالمي في الدول المحورية على الساحة الدولية، ربما لأنّ الثقافة السياسية العربية على العموم لا تشمل في بنيتها " مادة " الرأي العام وكسب الشرعية والولاء من المواطنين بفعل إرادي وحـر . كأننا نتصور الغرب يعمل بطرق الثقافة العربية، أنظمة يدين لها المواطنون بالولاء وراثة أو وضعيا لمجرد أنها سلطة ؟ وهذا ما يقودنا إلى عمليات صنع القرار كجزء من مبنى في الثقافة السياسية عندنا .

وهكذا، من الواضح للعالم أنّ لإسرائيل مشروعها السياسي المحدد وأنّ صراعها مع العرب يأتي ضمن هذا المشروع، لكن ما هو المشروع العربي أو جملة المشاريع العربية ؟ . التعامل العربي والفلسطيني مع هذا السؤال على تفرعاته يقلق على نحو خاص، فكأنه من المفروغ منه أنّ الأمور واضحة، وأنّ العالم الذي اتخذ القرارات الدولية في شأن الصراع مع إسرائيل لن يهدأ ولن يستكين إلا بتطبيق القرارات بحذافيرها ! . وهنا  تبدو أهمية تجديد المشاريع السياسية العربية لتصير مشاريع بلغة الثقافة السياسية السائدة عالميا، بلغة المفاهيم التي تتضمنها المواثيق الدولية ونصوص الأدبيات السياسية والأخلاقية المستحدثة التي تتخاطب بها المجتمعات العالمية الحديثة في ما يتعلق باستحقاقات شعب على شعب ودولة على دولة . علينا أن نخرج تماما، وليس نصف خروج كما هي الحال حتى الآن، من نفي إسرائيل وإنكار وجودها بالكلام والصياغات، من الانتصار عليها معنويا وإنشائيا، من إزالتها وتدميرها بخطب نارية إلى محاولة تفكيكها كظاهرة تاريخية سياسية فاعلة بقوة .

 إنّ الصراع العربي ـ الإسرائيلي، مثله مثل كل نظائره في العالم، لا يمكن حسمه حربا مهما طال الزمن، حيث تختلط فيه اعتبارات الجغرافيا والتاريخ والثقافة والدين والهوية والمصالح . فإذا اقتنع الرأي العام العربي والإسرائيلي بهذه الاستحالة، سيجدّ صناع القرار ويجتهدون في الوصول إلى تسويات ومصالحات تاريخية، تحفظ ماء الوجه و كذلك الحد الأدنى من المصالح والكرامة لكل الأطراف، وتضع حدا لسفك الدماء والخراب .

 

تونس في 24/9/2004                               الدكتور عبدالله تركماني

                                                 كاتب وباحث سوري مقيم في تونس

(*) – ورقة موسّعة لمحاضرة قدمت في إطار دورة " معهد العلاقات الدولية / جمعية الدراسات الدولية " للعام الدراسي 2004 – 2005 من 6 إلى 24 سبتمبر/أيلول بتونس تحت عنوان " في سبيل عالم جديد لإرساء السلام : استراتيجيات جديدة " .