معوّقات السلام العربي - الإسرائيلي وآفاقه (*) (1)

                         " القديم يحتضر والجديد ولادته عسيرة "

                                                     (أنطونيو غرامشي)

 

الدكتور عبدالله تركماني

كثيرة هي الجهود ومحاولات الوساطة التي قامت بها أطراف إقليمية ودولية من أجل التوصل إلى تسوية سلمية للصراع العربي – الإسرائيلي، ولا مبالغة في القول إنّ هذا الصراع قد شهد فيضانا في الخطط والمبادرات ومشروعات التسوية السياسية‏,‏ كما تم توقيع العديد من الاتفاقات وخطط التسوية‏,‏ ورغم كل ذلك مازالت المنطقة بعيدة عن التسوية السياسية الحقيقية التي يمكن أن تقود إلى سلام عادل وشامل ودائم ‏.‏

فبعد مضي ما يقرب من ثلاثة عشر عاما على مسيرة مدريد للتسوية السلمية للصراع العربي - الإسرائيلي يبدو أنّ العملية قد وصلت إلى مأزق خطير ومرحلة حرجة نتيجة لسياسة شارون وحكومته المتطرفة، التي تريد أن تترجم " توازن القوى " إلى " أمر واقع "، في حين أنّ سلام " توازن المصالح " هو الذي يوفر الاقتناع لدى الشعوب للمحافظة عليه، أما سلام " توازن القوى " فهو مؤقت يحفّز الأجيال القادمة على تغييره لتصحيح ما فرطت فيه الأجيال السابقة نتيجة لعوامل ضاغطة غير مواتية .

وفي الواقع، لم يكن السلام فرضا نظريا‏,‏ ولا كان بالنسبة للأطراف العربية والإسرائيلية والدولية حلما‏,‏ لكنه كان عملية واقعية‏,‏ بنيت على لقاءات واتفاقات وتعاقدات‏,‏ عبر اجتماعات ومفاوضات‏,‏ بوجود الولايات المتحدة الأمريكية جزءا منها وسيطا وشريكا وضامنا للالتزام بأسسها ومرجعياتها‏,‏ وقطعت العملية شوطا‏,‏ كان في انتظاره الشوط النهائي لتستكمل وتختتم‏ .‏

إنّ السلام الشامل والعادل والدائم له شروط تحققه التي تنتظم في مستويين : أولهما، المستوى الداخلي، ضمن حدود الدول القومية، ويستلزم جملة من الشروط تحقق مركباته في جملة قوانين تقر بتمتع الأفراد بحقوقهم غير المنقوصة وبالتعددية والديموقراطية ضمن مجال المجتمع المدني . وثانيهما، المستوى العالمي، الذي يستلزم مؤسسات عالمية تشرعن له وفق مصالح وحقوق مختلف دول العالم وشعوبه، وتسهر على تحقيقه، مما يولد الشعور بالانتماء إلى الهوية العالمية والقانون الدولي العام . وهذا يرجعنا إلى دعوة الفيلسوف الألماني " كانط " لمشروع سلام دائم في القرن التاسع عشر . حيث بنى مشروعه للسلام الدائم على مفهوم ثلاثي للحقوق : الحق المدني، وحق الشعوب، والحق العالمي، وربط ما بين السلام المدني والسلام العالمي .

إنّ نظرية السلام الدائم، أو السلام الديموقراطي، ناقصة بشكل خطير عندما تطبق كإطار لتوجيهات السياسة, في الحالات التي يكون فيها الصراع مشتعلا . وإنّ الشرق الأوسط هو إحدى هذه الحالات حيث لا يمكن تحقيق سلام مستقر من دون حل عادل وشامل للصراع العربي - الفلسطيني – الإسرائيلي .

 وفي الواقع ينطوي مشهد الصراع العربي- الإسرائيلي على مفارقات مركبة ومعقدة .  فمن جهة، حالة شعبية فلسطينية تتميز بوضوح الهدف : تحقيق الحرية والاستقلال . ومن جهة ثانية، مزاج شعبي عربي محتقن ومُحبَط ومتوتر ومتحفز . ومن جهة ثالثة، سلوك عربي رسمي متهافت على أي حل . ومن جهة رابعة، عنف عسكري إسرائيلي متزايد، مع ارتباك سياسي واضح . ومن جهة خامسة، مجتمع دولي، في مقدمته الولايات المتحدة الأمريكية، مستنكف عن التعاطي الجدي مع هذا المشهد، ومكتفٍ بإدارته كي لا يؤدي إلى الانفجار الشامل . 

وهكذا، ثمة تغيّر جوهري يطرأ على التعامل السياسي مع القضية الفلسطينية، تغيّر يحدث قطيعة مع كل الأفكار والمبادئ والمصطلحات التي تم اعتمادها في السنوات العشر الماضية . والركيزة الأساسية لهذا التغيّر، هي التخلي عن فكرة إنشاء الدولة الفلسطينية المستقلة القابلة للحياة في الضفة الغربية وقطاع غزة، والتحول نحو بدائل أخرى .

لقد انتهى المشهد الشرق أوسطي، الذي حلم به دعاة السلام للوصول إلى " تسوية تاريخية " للصراع العربي – الإسرائيلي، بعد انتخاب شارون وجريمة 11 سبتمبر/أيلول وسقوط بغداد لمصلحة آخر مختلف عنه يتميز بأنّ العوامل المحركة للتسوية السلمية لم تعد ثلاثية (الولايات المتحدة الأمريكية - إسرائيل - العرب) بل ثنائية في ظل التضعضع والضعف العربيين، مما يدفع الطرفين الأولين، بعد أن تلاقيا على رؤية متقاربة للمنطقة في شكل غير مسبوق، إلى نبذ التسوية لمصلحة إنشاء مشهد إقليمي جديد ربما يريان بعده مصلحة في تدشين مسار للتسوية على قياسه .

 إنّ ما يجري حاليا على أرض فلسطين، متزامنا مع حماسة الرئيس الأمريكي المفاجئة لتكرار الحديث عن دولة فلسطينية قابلة للحياة، لا يعني أبدا إيجاد حل عادل للقضية الفلسطينية (كما يتوهم البعض) بل تصفية نهائية لهذه القضية، وفقا للخرائط السياسية الجديدة، التي يبدو أنها ستحكم المنطقة وتتحكم بها، لنصف قرن قادم، كما تحكم التأسيس الأول لإسرائيل بمصائر المنطقة طيلة نصف القرن المنصرم .

فما يبدو حاليا هو أنّ المجتمعين العربي والإسرائيلي يتباعدان أكثر فأكثر على المستويين النفسي والمادي، فالذي نشهده اليوم هو ظاهرة رفض عنيف ومتبادل . فمن ناحية نجد معظم الإسرائيليين، وقد أثارت لديهم الهجمات الاستشهادية الحنق واليأس والرعب . ومن ناحية أخرى بلغت كراهية إسرائيل في العالم العربي، بسبب قمعها للفلسطينيين، حدا قلما شهدناه منذ زمن طويل .

لقد حان الوقت لبذل جهد رئيسي إزاء عملية السلام العربي - الإسرائيلي، إذ أنّ العمل الأساسي الذي من المقرر أن يرتكز عليه هذا الجهد، يجب أن يبدأ الآن، إلا أنّ العقبة الأساسية هي جوهر القضية وليس إجراءات العملية في حد ذاتها .

ولكن، قبل التوجه نحو جوهر عملية السلام العربي – الإسرائيلي لا بد من التساؤل عن المعوّقات التي اعترضت إمكانية تحقيق هذا السلام حتى الآن ؟ . إذ يمكن تحديد هذه المعوّقات في ثلاث مجموعات هي : معوّقات عامة، ودور الطرفين العربي والإسرائيلي إضافة إلى دور المجتمع الدولي، والمعوّقات الراهنة . كما يمكن استشراف الآفاق على المسارين الفلسطيني – الإسرائيلي والسوري – الإسرائيلي على ضوء تجربة المفاوضات السابقة والمعطيات الراهنة . 

أولا – معوّقات عامة للسلام العربي - الإسرائيلي

تعود صعوبة السلام العربي – الإسرائيلي إلى عدة معوّقات عامة من أهمها : طبيعة الصراع العربي – الإسرائيلي، والثقافة السياسية السائدة لدى الطرفين العربي والإسرائيلي، وهيكل المفاوضات التي تمت بين الأطراف العربية وإسرائيل منذ انطلاق مؤتمر مدريد للسلام في أكتوبر/تشرين الأول 1991 .

(1) – طبيعة الصراع العربي - الإسرائيلي

يبدو أنّ تعقيد وصعوبة التسوية السياسية للصراع العربي ـ الإسرائيلي تأتي من طبيعة هذا الصراع الذي يندرج ضمن ما يسمى بـ " الصراعات الاجتماعية الممتدة "‏‏ وهي نوعية من الصراعات تسودها لغة صراع الوجود لا الحدود، وتضرب هذه الصراعات بجذورها في عمق التركيبة السكانية‏,‏ وتتبلور صور للعداء بين البشر الذين يبحثون عن أسس للانقسام والعداء‏,‏ وعادة ما تتم العودة فيها إلى عوامل الانقسام الأولى وفي مقدمتها العرق والدين‏ .‏ وأنّ تسوية هذه النوعية من الصراعات تتطلب وقتا أطول وتتم على مراحل زمنية طويلة‏ .

وبالفعل يعد الصراع العربي - الإسرائيلي‏,‏ خاصة علي المسار الفلسطيني، صراعا اجتماعيا ممتدا‏,‏ فالشعب الفلسطيني وهو صاحب الأرض‏,‏ تم طرده وتشريده‏,‏ ورأى الوافد من الخارج أنّ فلسطين " أرض بلا شعب‏ ",‏ وجب منحها لـ " شعب بلا أرض‏ " .‏

ومن خلال دراسة واسعة لنمط التسويات السياسية التي تمت في بعض الحالات المشابهة (البوسنة وأيرلندا وكوسفو‏),‏ تم التوصل إلي العوامل الرئيسية المحددة لتسوية هذه الصراعات والتي يمكن اعتبارها بمثابة شروط مسبقة لتسوية هذا النمط من الصراعات وتتمثل هذه العوامل في أربعة هي‏ :‏

1‏ ـ إقرار طرفي الصراع باستحالة الحل عن طريق القوة العسكرية .

2ـ توافر القيادات السياسية المستعدة للتسوية السياسية لدى الأطراف المتصارعة‏ .

3 ـ غياب الانحياز من جانب القوى الدولية لطرف من الأطراف‏,‏ أو توزيع الانحيازات الدولية علي النحو الذي يحيّدها ‏.‏

4 ـ توافر الرغبة لدى قوى دولية فاعلة في التوصل إلى تسوية سياسية لهذا الصراع‏ .

وبالعودة إلي الصراع العربي - الإسرائيلي‏,‏ نجده يعاني من غياب العناصر اللازمة لاستكمال تسوية سياسية حقيقية تقود إلى سلام شامل وعادل ودائم‏,‏ ويشمل الغياب معظم العناصر المطلوب توافرها علي النحو التالي‏ :‏

1 ـ الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، بعد معاهدتي السلام المصرية – الإسرائيلية والأردنية - الإسرائيلية، مازالت تؤمن بالقوة العسكرية لحسم الصراع على المسارين  الفلسطيني والسوري‏ .‏

2ـ لم تتوافر قيادات سياسية إسرائيلية مؤمنة بالتسوية السياسية للصراع‏,‏ وربما يكون رابين آخر من كان لديه استعداد لتسوية سياسية ما على النحو الذي جسده اتفاق أوسلو‏ على المسار الفلسطيني و " وديعة رابين " على المسار السوري .

3 ـ الانحياز الأمريكي المطلق لإسرائيل‏,‏ ولا وجود لطرف معادل يوازن هذا الانحياز أو يحد من تأثيراته‏ .‏

4 ـ غياب الرغبة لدى الولايات المتحدة الأمريكية في فرض تسوية سياسية عادلة بإمكانها أن تتحول إلى سلام حقيقي دائم .

ولعل اكتساب الصراع العربي – الإسرائيلي طابعا دينيا قد صعّب إمكانية الوصول إلــى " الحل الوسط التاريخي " . إنّ الرداء السياسي العلماني الذي تلبسه الحركة الصهيونية الرسمية، يبدو قناعا تتخفى وراءه رؤية دينية تصر إسرائيل من خلالها على تحديد مواقفها من الصراع استنادا إلى اعتبارات تمليها عقائد دينية بأكثر مما تمليها اعتبارات سياسية . ولأنّ المعتقدات الدينية لا تقبل بطبيعتها حلولا وسطا، فمن الطبيعي أن تصبح الصراعات المبنية على معتقدات من هذا النوع مستعصية على الحل وعلى التسوية . فأية تسوية قابلة للحياة هي بطبيعتها حل وسط بين حقوق ومصالح متعارضة . وما لم تبدِ أطراف الصراع جميعها استعدادا حقيقيا ومتكافئا لتفهم حقوق الآخرين ومصالحهم، والقبول بصيغة تحقق التوازن بين حقوق ومصالح الجميع، يصبح إمكان التوصل إلى أرضية مشتركة، أي صالحة لبناء اتفاق نهائي فوقها، مسألة بالغة الصعوبة . وحين يكون هناك طرف يرى الصراع من منظور سياسي، وهو منظور براغماتي - مرن بطبيعته، وآخر يراه من منظور ديني، وهو منظور عقائدي - جامد بطبيعته، يصبح من الصعب جدا التقريب بين مواقف الطرفين للاتفاق على مرجعية واضحة للأسس التي يقوم عليها الحل .

ومن المؤكد أنه إذا أصرت إسرائيل على رؤيتها هذه فلن يكون هناك سلام شامل وعادل ودائم . ففي مواجهة رؤية لحقوق يهودية مستمدة من التوراة، لا بد أن تبرز رؤية مقابلة لحقوق إسلامية تعتبر فلسطين كلها أرض وقف وجزء من دار الإسلام الذي لا يجوز لأحد التفريط في شبر واحد منه .

تونس في 24/9/2004                               الدكتور عبدالله تركماني

                                                 كاتب وباحث سوري مقيم في تونس

(*) – ورقة موسّعة لمحاضرة قدمت في إطار دورة " معهد العلاقات الدولية / جمعية الدراسات الدولية " للعام الدراسي 2004 – 2005 من 6 إلى 24 سبتمبر/أيلول بتونس تحت عنوان " في سبيل عالم جديد لإرساء السلام : استراتيجيات جديدة " .