تداعيات الإرهاب على العلاقات الدولية....

الدكتور عبدالله تركماني

ما من شك في أنّ تاريخ 11 سبتمبر/أيلول 2001 سجل كمحطة فاصلة بين كل ما سبقها على صعيد الفكر الاستراتيجي الأمريكي واستطرادا العلاقات الدولية، إذ أنّ ما جرى في الولايات المتحدة الأمريكية ليس حدثا عابرا بل هو زلزال أعاد خلط الأوراق وقلب المفاهيم وغيّر الموازين والمعادلات على المستوى الكوني . إنّ الهجمات الإرهابية على برجي نيويورك حينذاك ومحطة قطار مدريد وبعض الأقطار العربية لاحقا قد خلقت أوضاعا عالمية جديدة وستفرز معادلات ومتغيّرات من شأنها أن تقلب الموازين وتعيد ترتيب القضايا العالمية وفقا لمعايير ومصالح فرضتها المستجدات والعلاقات الدولية .

ما الذي نقرأه مما حدث ؟ وما هي دلالاته وآثاره المستقبلية على العالم عامة وعلى العالم العربي خاصة ؟! .

لقد دخلنا مرحلة دقيقة جدا، مرحلة إعادة ترتيب الأوراق دوليا، وربما إعادة ترتيب الأنظمة والدول والحدود . فالحرب ضد الإرهاب ستغيّر كثيرا من المفاهيم السائدة بين الأمم، تماما كما غيّرت نهاية الحرب العالمية الثانية مفاهيم العلاقات والتوازنات بين الدول .

ومن المؤكد أنّ الولايات المتحدة الأمريكية ليست بريئة من تضخيم حالة التسيّب التي تكتنف السياسات الدولية، ولكنّ المسؤولية لا تقع عليها وحدها، فالمشكلة تتعلق بالفراغ القيادي على أكثر من مستوى في عالم ما بعد الحرب الباردة . فهو بداية يكمن في قصور النظام الدولي القائم حاليا عن إدارة توازنات المجتمع الدولي الراهن، فمن عادة التاريخ أن يُنتـــج " نظاما ما " بعد نهاية الحروب الواسعة، وهذا على الأقل ما أكدته القرون الأربعة الأخيرة . فبعد نهاية حرب الثلاثين عاما في أوروبا (1618 - 1648) توصل العالم إلى معاهــــدة " وستفاليا "  وهي المعاهدة التي صنعت عصرا كاملا من عصور العلاقات الدولية المؤسسة على المساواة بين الدول واحترام سيادتها  بشكل متبادل . وبعد هزيمة نابوليون في العام 1815 تأسس عالم جديد على معطيات " توازن القوى " فكان اتفاق فيينا الذي أعاد رسم الحدود الأوروبية، وأنجب القرن الديبلوماسي ( 1815 – 1914 ) . وبعد نهاية الحرب العالمية الأولى تم بناء عالم جديد على أساس فكرة جديدة هي " التنظيم الدولي " الذي أنشأ، بموجب اتفاق فرساي ، "عصبة الأمم" كمنظمة وليدة غايتها تنظيم المجتمع الدولي والانتقال به من مرحلة الصراع إلى مرحلة التعاون . ومع أنّ الحرب العالمية الثانية اندلعت في ظل العصبة، فإنّ نهايتها استوجبت ولادة " هيئة الأمم المتحدة "، لتكون منظمة أكثر تطورا، بما انطوت عليه من تمثيل أوسع للدول ومن انعكاس ملحوظ للقيم الحضارية المتنوعـة .

والآن، الحرب الباردة انتهت منذ أكثر من عقد، وبمنطق التاريخ في القرون الأربعة الماضية، كان على العالم إعادة التنظيم للوصول بالمجتمع الدولي إلى مرحلة أفضل من التنظيم وابتكار أفكار جديدة ليتأسس عليها عالم اليوم بعد الحرب الباردة، لكنّ هذا لم يحدث بالرغم من محاولات التطوير التي شهدتها المنظمة الأممية تحت عنوان " الديبلوماسية الوقائيـة " في أوائل تسعينات القرن الماضي، وبالرغم من فرض الوقائع على النظام الدولي الذي اتبعته الولايات المتحدة الأمريكية في كوسوفو وأفغانستان وفلسطين والعراق .

هكذا، يمكننا القول، بعد 11 سبتمبر/أيلول 2001، أنّ " العنصر الأمني " أصبح السمة المهيمنة على العلاقات الدولية . وبالمفهوم السياسي، يمكننا القول أنه تم إعادة تنظيم أجزاء كبيرة من الخارطة الجيو- سياسية، فالشرق الأوسط " الكبير " أضحى تحت مظلة الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها في المؤسسات الغربية الكبرى، ولكنه متقلقل قد ينفجر إلى حالة من الفوضى في أية لحظة . والولايات المتحدة غدت أكثر قربا من روسيا، بينما تحاول أوروبا الموسعة أن تكون شريكا فاعلا في رسم معالم النظام الدولي الجديد . وقد أصبحت الصين خاسرا كبيرا لأنّ تزايد النفوذ العسكري والسياسي الأمريكي في آسيا قد قلص حضورها الكبير في المنطقة . وهكذا، مادامت الحرب ضد الإرهاب هي البند الأساسي على جدول أعمال العالم فإنه يمكن للإدارة الأمريكية أن ترتكب الكبائر لمحاربته وتجعل منه خيمة استراتيجية تساعدها على تحقيق السيادة المطلقة على العالم كله .

إنّ التوجه الأمريكي الجديد، في الجوهر، اتجاه هجومي وليس احتوائيا أو دفاعيا، يسعى لإحداث تغيّرات عميقة في البنى الداخلية للعديد من دول العالم، وهو يستند إلى قوة دولة عظمى لا منازع حقيقيا لها في العالم . وقد تحولت منطقة الشرق الأوسط، وخاصة العراق، إلى مدخل رئيسي ومركز أساسي لهذه السياسة الجديدة، فالإدارة الأمريكية مقتنعة اليوم بضرورة تغيير خريطة الشرق الأوسط السياسية على مستويات عديدة، والمقصود هنا شكل الحياة السياسية في العالم العربي والمناخ العام في مجالات الحريات والتنمية، إذ تعتبر أنّ هذا المناخ هو المسؤول عن  جريمة 11 سبتمبر/أيلول وليس إرهاب الدولة الذي تمارسه إسرائيل منذ سنوات ضد الشعب الفلسطيني، حيث يتحمل مسئولية جزئية تبعا لوجهة نظر الولايات المتحدة الأمريكية .

ويبدو أنّ زعزعة استقرار الشرق الأوسط بكامله ‏صار نتيجة متوقعة أو مطلوبة كهدف لذاته ‏من قبل الإدارة الأمريكية الحالية، ليتاح في ظل هذا الوضع الذي تسوده السيولة وانفلات الأمور، ‏‏والتشوش،‏ والفوضى أحيانا،‏ إمكانات التدخل لتغيير أوضاع وإعادة تشكيل  أوضاع تعزز الخطة الاستراتيجية الدولية الأشمل والأوسع مدى،‏ بجذب كل خيوط القيادة العالمية في كل مكان إلى يد الولايات المتحدة ‏.‏

لقد شكلت الحرب الأمريكية على العراق نقطة تطور بالغة الأهمية في العلاقات الدولية لفترة ما بعد الحرب الباردة‏,‏ وتتجاوز دلالات هذه الحرب السياق الإقليمي الضيق‏,‏ وصولا إلي ما تكشفه من محاولة الإدارة الأمريكية إرساء مبادئ جديدة في العلاقات الدولية‏,‏ تقوم علي تكريس حقها في التدخل العسكري متي وأينما شاءت‏,‏ وفق مبدأ العمل الوقائي‏,‏ بهدف التصدي لأي نوع من التهديدات‏,‏ حتى لو كانت تهديدات خيالية لا يوجد أي دليل فعلي علي وجودها علي أرض الواقع‏,‏ وكان العراق الساحة الرئيسية لتطبيق هذا المبدأ من جانب إدارة جورج بوش التي تحدت العالم بأسره تقريبا من أجل شن الحرب للإطاحة بنظام صدام حسين‏,‏ بحجة امتلاكه أسلحة دمار شامل‏,‏ وارتباطه بعلاقات وثيقة مع تنظيم القاعدة‏,‏ وهي المزاعم التي تبين في فترة ما بعد الحرب أنه لم يكن لها أي أساس من الصحة‏ .‏

إنّ ما يحصل اليوم ليس سوى استكمال لترتيبات النظام العالمي الجديد التي بدأت في أوائل تسعينات القرن الماضي، فعلى المستوى الاقتصادي دخلنا مرحلة العولمة الاقتصادية، إذ أصبح العالم يتجه نحو نظام اقتصادي واحد بمفاهيم ومقاييس موحدة . أما على المستويين السياسي والثقافي فكل شيء تغيّر في اتجاه نظام عالمي يعتمد الديموقراطية وحقوق الإنسان والحريات والانفتاح والتفاعل بين الثقافات والأديان .

إنّ الإنسانية في مفترق طرق، فإما أن تكون بداية لانقسام ضخم يفتح أبواب الصراعات بغير حدود ويعيد ملفات العصور الوسطى بمنطق المواجهات الدينية، التي تنطوي على مخاطر وتحديات عديدة، أو أن يتغلب العقل وتسود الحكمة وتتمكن الإرادة الدولية الخيّرة من المحافظة على وحدة الجنس البشري وتضامن شعوبه، بكل ما يحمله ذلك من آمال وتطلعات .

لقد دخلنا عالما جديدا وعصرا استراتيجيا جديدا قائما على " عولمة "  تامة لأزمات العالم كله، فكما أنّ العمليات الإرهابية أطلقت شرارة تغيّرات جوهرية في النظام العالمي، فإنّ طبيعة الرد عليها تساهم في صوغ هذا النظام الذي لا يعرف أحد كيف سيكون شكله وقواعده وتوازناته .

إنّ الصورة التي أمامنا هي صورة عالم يغيب عنه التوازن، فقد ازدادت الفوارق بين العالمين المتقدم والنامي بنسبة ثلاثة أضعاف بين الـ 20 %  الأغنى والـ 80 % الأفقر من سكان الكوكب . مليارا إنسان محرومون من المياه الجارية، 790 مليون إنسان يعانون الجوع أو سوء التغذية . الدول النامية ينقصها 80 مليار دولار سنويا لتأمين الخدمات الأساسية لشعوبها . وهناك علاقة مباشرة بين هذه الكارثة الاجتماعية وانتشار النزاعات والحروب الأهلية في عصر ما بعد الحرب الباردة . وبينما يمتلئ الخطاب السائد عالميا بالوعود والأحلام الوردية عن مستقبل أفضل تصنعه حرية انتقال السلع والرساميل، تزخر تقارير الخبراء بالتنبؤات المرعبة عن تفكك الدول والمجتمعات نتيجة لما يسمونه " الطابع اللامتكافئ وغير المكتمل للعولمة "، ونتيجة الفساد والاستبداد المنتشرين في العديد من دول الجنوب، بما فيها أغلبية الأقطار العربية .

لكن في المقابل، يبدو أنّ فسحة من النقاش الجدي تدور في الغرف الخلفية لمراكز القرار الأمريكي والأوروبي والمؤسسات الدولية المشتركة، تعطي الفرصة لإلقاء بعض الضوء على جانب من الزوايا المعتمة في هذا النقاش :

إنّ الشرط الحقيقي لحياة أكثر حرية هو بيئة أقل تورطا في إنتاج العداوات، بعدما ثبت أنّ بيئة مؤهلة لإنتاج الكراهية والحقد ليست آمنة حتى لو امتلكت أعتى ترسانة أسلحة في العالم .

في غمرة الحديث عن " صراع الحضارات "، من المهم أن تقلع بعض المواقع العربية والإسلامية عن عزف هذه السيمفونية، مبررة حالة العداء الهستيري للعرب والمسلمين التي يشحذ لها الصهاينة سكاكينهم ويجربونها في فلسطين والعراق، ويستدرجون العالم الغربي للإسراع في أخذ مواقعهم .

 في الظروف العالمية الراهنة، يكتسب رأي المجتمع الدولي أهمية حاسمة، إلى درجة أنّ الحلول التي تطرح للأزمات المختلفة، إنما تتحدد ملامحها الرئيسية وفق ما يقبله أو يرفضه هذا المجتمع . فلا وجود لحل يتعلق بأية مشكلة، في أية منطقة من العالم، خارج إطار مفاهيم المجتمع الدولي واهتماماته . من هنا فإنّ الوصول إلى حالة تماهٍ أو مقاربة بين أساليب المقاومة المتنوعة لشعب ما، وبين إجماع المجتمع الدولي، يعتبر هدفا في حد ذاته يستحق النضال والعمل من أجله بكل السبل .

 إنّ العالم سيتغير بالفعل نحو الأفضل فيما إذا تمت إعادة النظر في تكوين الأمم المتحدة ودورها في بناء نظام عالمي قائم على إشاعة العدل والحق في العالم، الطريق الوحيد لمواجهة أسباب العنف، وتحويل الصراع في العالم صراعا سلميا بين الرؤى والسياسات . فمكافحة الاستبداد والجهل والمرض والتأخر والفقر، وإشاعة ثقافة الحوار والعدل والديموقراطية والحريات، وإنهاء بقايا النظام الاستعماري، كلها تساعد على إقامة نظام دولي عادل .

 لقد آن الأوان لكي تكون هناك عدالة شاملة تعاقب القاتل وتحمي الضحية وتحقق نوعا من الثقة في النظام الدولي القائم على الحوار بين أطرافه، بدلا من شريعة الغاب التي تحكمه حاليا، والتي تسمح قوانينها للقوي بتركيع الضعيف، ويقوم على الحرب والانتقام والإبادة . ومن المؤكد أنّ المجتمع الدولي كله لن يقبل بشرعية قيادة الولايات المتحدة الأمريكية إذا استندت إلى شرعية القوة وحدها، بل لا بد لها من أن تستند إلى الشرعية الدولية بما اشتملت عليه من مواثيق ومعاهدات تمَّ الاتفاق عليها بين دول العالم على مر الزمن وما يمكن أن تتفق عليه من جديد، مثل المحكمة الجنائية الدولية .

فبقدر رفض المجتمع الدولي لجريمة 11 سبتمبر/أيلول وما تبعها من أعمال إرهابية مهما كان مصدرها ودوافعها، إذ هي خروج على القانون الدولي، لا بد من رفض تغيير حكومات الدول بقوة التدخل الخارجي للدول الكبرى . بما لا يجعلنا نغفل أنّ العامل الخارجي أضحى مؤثرا في معادلات التغيير الداخلية بعد أن أصبحت المصالح متداخلة بين الداخل والخارج، وهنا تبدو أهمية دعم قوى التغيير في الداخل بـ " قوة " المُثُل الديمقراطية والإنسانية لمنظمات المجتمع المدني العالمي، الذي أضحى قوة فاعلة في العلاقات الدولية .

لقد بُذلت محاولات جادة في بناء مجتمع دولي يسوده القانون، وما تم تحقيقه وإن كان قاصرا، بسبب سيطرة خمس دول على مجلس الأمن من خلال حق النقض، إلا أنه أفضل مما كان عليه الحال في الماضي . وهذا النظام - الآن - مهدد من قبل دولة فقدت قيادتها الرشد في التعامل مع الأحداث العالمية، إذ تتصرف وكأنها الحكومة العالمية المخوّلة بتسيير شؤون العالم، مما أدى إلى انتقاد انفراديتها من قبل العديد من رجالات السياسة والفكر في الولايات المتحدة الأمريكية نفسها، بل أنّ التقرير الذي أعدته لجنة التحقيق الأمريكية في جريمة 11 سبتمبر/أيلول مؤخرا قد نصح الإدارة بالنظر إلى قضايا الشرق الأوسط بعمق وروية أملا بأن يساعد ذلك على محاصرة أسباب الإرهاب الذي ينطلق من المنطقة .

وإزاء ذلك ثمة حاجة إلى أن يقف العالم أجمع في وجه هذا الطغيان الأمريكي، فالعمل الدولي يتطلب العدل والإنصاف، والقرية الكونية الصغيرة التي نعيش فيها لا يمكن أن تحتمل مثل هذا الجور . لذلك فإنّ العالم كله، بدوله وهيئاته ومنظماته المختلفة، مطالب بالعمل لحماية نفسه من بطش هذه الديكتاتورية الدولية المنفلتة .

إنّ الأخطار التي تهدد المنطقة العربية ومستقبلها لا تسمح بالعبث أو بالتردد والتذبذب وتحويل هذا الوطن الكبير إلى مجرد ريشة في مهب الرياح الدولية، خاصة وأن كل  المؤشرات تؤكد أن منهج " الخلاص الفردي "، وعدم إجراء إصلاحات حقيقية عميقة في البنى السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والإدارية للأقطار العربية، لم يعودا فقط مؤذيين ومدعاة للخسائر بالنسبة للجميع كما حدث خلال العقدين الماضيين، وإنما يمكن أن يصبحا مهلكين · ومما يزيد حجم القلق أنّ التوقعات الاستراتيجية والتصريحات الأمريكية والتحليلات الغربية تضع عددا كبيرا من الدول العربية كأهداف محتملة، وبطريقة لا يمكن فيها حتى الاطمئنان إلى مصير تلك الدول، مما يعني أنّ الخطر شامل ويحتاج إلى تعامل عربي استراتيجي ناضج وواعٍ . فالقضية صارت واضحة لم يعد ينفع معها اللف والدوران، كما لم تعد تنفع تلك اللغة الخشبية في التعبير عما نريده .  

 

تونس في 8/9/2004                             الدكتور عبدالله تركماني

                                              كاتب وباحث سوري مقيم في تونس

                                                     teab@planet.tn