صدقية الباحث عن الحق في نفيه حق الآخرين ....(الحلقة الثالثة )

مشعل التمو 

 

أن مناقشة الطرح السياسي لأي فصيل حزبي سوري في شقه المتعلق بالموقف من وجود الشعب الكوردي أمر بات ضروريا لراهنيته في المرحلة التأسيسية الحالية التي نحتاج فيها جميعا إلى التفاهم والتماسك , فما هو مطلوب منا على صعيد النضال الديمقراطي العام , يحتاج كل الطاقات الشعبية , وتأطير هذه الطاقات يحتاج إلى فهم وتفهم الواحد للأخر , وعلى هذا فأنني سأنتقل لمناقشة أطراف المعارضة السورية وموقف شخصياتها الاعتبارية من وجودنا القومي , لان موقعنا النضالي الراهن وخاصة بعد تبدله وتغير معطياته اثر انتفاضة القامشلي وما تلاها من حلول أمنية عنفية , يستوجب انفتاح أكثر على قوى المعارضة السورية واعتقد تنظيما وتجانسا اكبر , وهذا يحتاج إلى مناقشات هادئة وشفافية كبيرة في الطرح السياسي الذي بالضرورة يأتي بعد الاتفاق على نوعية وجودنا القومي وفيما إذا كانت أطياف المعارضة تؤمن بهذا الوجود أم لا ؟ وبالتالي سأناقش وفي بضع حلقات أفكار وطروحات المعارضة السورية , منها قبل الانتفاضة , ومنها خلال الانتفاضة , ومنها بعد الانتفاضة , وهذه الحلقة سأناقش فيها البعض من الطروحات السياسية لبعض شخصيات المعارضة قبل دفاع الذات القامشلوي.

الأستاذ طارق أبو الحسن احد قيادي حزب العمال الثوري وممثلا عن التجمع الوطني الديمقراطي في سوريا حضر الطاولة المستديرة التي عقدت في 11/1/2004 ونظمها منتدى الاتاسي في دمشق .

سأورد بعض مما قاله الأستاذ طارق في متن مداخلته , (.... ولان كان أكثرية الشعب في سوريا لا يتمتع بالحقوق السياسية كما نفهمها , ومعظمه لا يتمتع بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية , فللأكراد ما للسوريين غيرهم من حقوق؟ ... معظم الذين التقيناهم وحاورناهم من أحزاب الجبهة أو التحالف الكورديين , طبعا يقول انه لا يقبل إلا أن يكون جزء من النسيج الوطني السوري , وأنهم لا يفكرون بالانفصال عن سوريا , لان سوريا بلدهم ووطنهم الذي لا بديل عنه , وعندما نسألهم : لماذا تشكلون أحزاب محض كردية , يتلعثمون ويتئتتون وغالبا يسكتون ؟ ..... وعندما نناقشهم في موقف أكراد العراق .. يقولون أنهم تنظيمات مستقلة عن العراق ...... وعندما طلبنا منهم إدانة العدوان واستنكاره لم يلبوا , بل صدرت عن بعضهم صيغة اقرب للتأييد ... نقول لهم أن كنتم مستقلين فعلا , تعالوا وانخرطوا في الأحزاب الوطنية السورية ولا تشكلوا تنظيمات عرقية تخلق شبهة الانفصال ؟... ) .

وقد تكرم الأستاذ طارق بالاعتراف بضرورة  " منح الجنسية للمواطنين الذين عاشوا فوق الأراضي السورية منذ أمد بعيد .. أو من ولدوا لهؤلاء بشكل قانوني ومنحهم الجنسية العربية السورية " ؟.... " ولا بد أن يكون للأكراد كأقلية قومية لهم الحق في الثقافة الخاصة واللغة والآداب الخاصة وجمعيات تدافع عن حقوقهم ومصالحهم ؟؟"".

إذا وفق وجهة نظر الأستاذ طارق , التي هي وجهة نظر التجمع الوطني الديمقراطي " المعارض " والذي تنضوي تحت جناحه خمسة أحزاب جلها يمتلك ملحقة " العربي " بجانب اسمه ؟ فهذه لها الحق أن تشكل أحزاب " محض عربية " ولكن هذا الحق لا يشمل الأكراد , هو حق انتقائي تمتلكه القومية الكبيرة ولا تعطيه للقومية الأصغر , وبالتالي لا يمكن وصف هكذا حق بأنه "حق" وإنما هو اغتصاب لحق ؟ فإذا كان من حق الإخوة العرب تشكيل أحزاب قومية عربية , فهذا من حق القومية الكوردية , وعندما يمنع وينتزع هذا الحق من الشعب الكوردي , فهذا يحمل دلالة نفي الوجود القومي الكوردي في سوريا , فهم " مجموعة تقيم على الأرض السورية " وبالتالي فلا حق لهم بتشكيل أحزاب قومية , ولكنهم " غير مستقلين " وعدم استقلاليتهم أو الجهة التي يرتبطون بها دفعتهم إلى تشكيل أحزاب قومية ؟ ودليل الأستاذ طارق على عدم الاستقلالية هو عدم انخراط الأكراد في " الأحزاب الوطنية السورية " التي هي عربية وعروبية " قومية عربية محض " ؟ ولا ادري حقيقة من الذي تلعثم أمام الأستاذ طارق من شخوص الحركة الحزبية الكوردية , واجزم بأنها أما لا تدرك أهمية موقف الأستاذ طارق , وأما إنها تعيش في خواء معرفي , وفي الحالتين هي نتاج عمليات قيصرية حزبية , تبيع بضاعتها ببخس الأسعار " قد أعالج هذه المسالة في حلقة منفصلة " .

من وجهة نظري المقولة الأنفة الذكر للأستاذ طارق تتضمن ما يلي :

من حق العرب تشكيل أحزاب تحمل ملحقة " العربي " لأنهم قومية تعيش على أرضها , وليس من حق الأكراد تشكيل أحزاب قومية أو تحمل ملحقة كوردي , لأنها ليست قومية تعيش على أرضها وإنما هي وافدة من الخارج وتأتمر بأوامر خارجية ؟

الأحزاب الكوردية وبالتالي كل الشعب الكوردي مدان وغير مستقل , وفقط إذا انضم إلى الأحزاب " العروبية " يثبت بأنه مستقل , بمعنى أما التعرب وأما عدم الاستقلالية ؟ ولا خيار ثالث فإما أن تتعربوا وأما أن نتهمكم بالارتباط بالخارج ؟.

لا حق للأكراد بتشكيل أحزاب سياسية , فقط جمعيات تدافع عن حقوقهم ومصالحهم ؟ بمعنى مصادرة حق الوجود السياسي الكوردي واختزاله إلى حق جمعياتي يمثل بضعة وافدين ومغتصبين للأرض العربية ؟.

تنظيماتهم عرقية تحمل شبهة الانفصال ؟ بمعنى الأحزاب الكوردية أحزاب ذات شبهة انفصالية , وحتى نرضى عنها , وحتى تبعد شبهة الانفصال عنها , عليها الانخراط في الأحزاب الوطنية " العروبية " ؟ بمعنى الإدانة موجودة طالما كانت الأحزاب الكوردية موجودة , وان كانت على صيغة شبهة ؟.

أن أكثرية الشعب السوري لا تتمتع بالحقوق السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية , وللأكراد ما لغيرهم من السوريين ؟ وفعل الحرمان المشترك هنا ينفي الاضطهاد القومي على الأكراد , وبالتالي المساواة في الحرمان صحيحة من جهة , ولكنها مختلفة من جهة أخرى , فالعرب لا يتمتعون بالحقوق السياسية لكونهم مواطنون سوريون , والأكراد لا يتمتعون بالحقوق السياسية لكونهم أكراد ولا يعترف بمواطنيتهم السورية , وفعل الحرمان في الحالتين مختلف بقاعدته وتوجهه وركائز ممارسته , وعندما يساوي الأستاذ طارق بين الحرمانين , فله هدف سياسي واضح ينفي عبره وجود قومية كوردية مضطهدة يمارس عليها فعل الحرمان وفعل الصهر والإذابة القسرية ؟.

بتعبيرات انتقائية اختارها الأستاذ طارق بعد مقدمة مسهبة عرض فيها بعض معايير الشرعة الدولية , وبعض العبارات الديمقراطية الشعاراتية والمنمقة , التي أوردها لتخفي الدلالة السياسية التي يريد إيصالها , وبالتالي الحق في الثقافة والأدب وجمعيات تدافع عن الحقوق , هي حقوق أفراد وجماعات وافدة , وطرحها على أرضية " الديمقراطية " المنشودة التي يناضل من اجلها الأستاذ طارق ومن يمثل ؟ تسقط مصداقية الطرح الديمقراطي من جهة , وتعاكس معايير الشرعة الدولية من جهة ثانية , وتنسجم مع الممارسة الشوفينية للسلطة السورية ثالثا , وتنفي وتدين الوجود القومي الكوردي رابعا ؟ .

وعندما تمنع وتدان التعبيرات السياسية لأي شعب , فهي تنفي وجوده , وهذا ما فعله الأستاذ طارق إذ الإصرار على إنها قضية ثقافية وليس سياسية , ولعلها النقطة الخلافية الأساسية بيننا وبين العقلية الاستئصالية الرسمية , وتغليف هذه الرؤية واكسائها بمفاهيم ديمقراطية , لم يعد ممكنا أخفاء مضمونها القومجي العروبي الواضح ؟ وجلي هنا حجم الصدقية الديمقراطية وهشاشة الرؤية تجاه الأخر المختلف قوميا , الذي لا خيار له سوى الانصهار ولكن هذه المرة تحت غطاء " الديمقراطية " وهو أمر يجب أن نشكر الأستاذ طارق عليه , ولعلها نقطة تمايزه عن سياسة الصهر العنفية الرسمية ؟ ولكن النتيجة واحدة , فالكل يسعى إلى الصهر والإذابة وإنكار الوجود ؟ واعتقد بان ما يوجهه الأستاذ طارق لنا , هو عنفي وإقصائي مقنن بالديمقراطية ليس إلا ؟ ومن جهة ثانية فالخيارات التي يضعها أمامنا أما التعريب وأما الإدانة وعدم الاستقلالية وشبهة الانفصال , هي اكراهات تنبع من الرأي الوحداني الرافض للأخر الذي يمتلكه , والمتسم بثبوتيته المطلقة وصحته , وهذا الإطلاق موجه ضد الإنسان ورفضا لوجوده وواقع تاريخه .

أود أن أفيد الأستاذ طارق بأنني لن اتعلثم وسأخبره بكل وضوح وصراحة , انه من حقنا تشكيل أحزاب قومية ومحض كوردية مثلما من حقه تشكيل أحزاب محض عربية , وإذا استطاع يوما أن يكون سوريا فسيجد حتما يدي ممدودة له , ولكننا لسنا عربا وهذه بديهية , من المفيد للعقل العروبوي أن يدركها , ولكننا سوريين , هذه أرضنا وهذا وطننا , وشبه مؤكد بأننا أقدم من وجود أي شوفيني عروبي ؟ ولسنا في حاجة لحسن سلوك على وطنيتنا من احد , ولكننا بحاجة إلى اطر نضالية وطنية تحتضن جميع أبناء سورية على قاعدة الاعتراف المتبادل بالحق والواجب , فما خلفته الجغرافيا السياسية نتعايش معه بخصوصيتنا التي هي جزء من عام سوري , نعمل ما نستطيع ووفق إمكانياتنا على دفع عملية تحوله الديمقراطي .

وبهدوء وبدون حساسية اهمس بأذن الأستاذ طارق , إذا كانت ملحقة " العربي " بجانب اسم حزبك تشعرك بالعزة القومية , فلماذا تصادر هذا الشعور وهذه العزة مني ؟ اوتدرك حجم العنصرية في طرحك هذا ؟ أي عرج ديمقراطي هذا الذي تقول ؟.

أعود إلى موضوعة العراق التي يجد الأستاذ طارق أن من حقه " وأنا أوافقه في ذلك " أن يتضامن مع الشعب العراقي ضد الاحتلال الأمريكي , ولكني اختلف معه في خلفية طرحه السياسي المتضمن تحميل الأكراد في العراق وزر هذا الاحتلال ؟ فالشعب الكوردي في العراق ضحية متميزة من ضحايا النظام الدكتاتوري البائد , والأمريكان جاءوا بحثا عن مصالحهم وبالتالي فمن تعاون معهم ليسوا الأكراد وحدهم بالتأكيد , والسؤال لماذا التركيز فقط على الأكراد ؟ ولمصلحة من ؟ وأي مخطط عدائي آخر يهدف تهويل هذا الأمر ؟ ثمة أسئلة كثيرة حيال تكوين هذا العداء ؟ وفقط أود أن أقول للتوضيح ليس إلا , بان الضحية لن تدافع عن الجزار , حتى وان ضخم الوعي القوموي العروبي الفضفاض الأمر ونسى أو تناسى ماهية الجزار أو حتى ماهية مطلبه في ساحته النضالية ذاتها , إذ ليس معقولا أن تكون داعية ديمقراطي هنا , ومتضامن أو مؤيد لديكتاتور هناك ؟ وبديهي هنا حجم اختزالية الوطن في الحاكم , الصورة التي يختزنها اللاشعور والتي تطفو إلى السطح وتنتفض ضد المتمايز قوميا عندما تحين اللحظة الحرجة والتي كان السبب في حدوثها أصلا هو ذات الحاكم المستبد ؟ .

أخيرا نحن لسنا أقلية وافدة يا صديقي , وكل المشاريع الشوفينية الرسمية سقطت ولم ننصهر ؟ وبالتالي فلا اعتقد بان سياسة الهروب إلى الأمام المزنرة بتفاحة الديمقراطية تفيد في صهرنا ؟ وفي الحالتين باتت لدينا بعض الخبرة , بمعنى نحن شعب ومن حقنا أن يكون لدينا أحزاب سياسية قومية , وإذا كنا نطمح لبناء وطن حر وسعيد فمن الضرورة أن نكون في ذلك الوطن كأكراد سوريين , متكاتفين ومتضامنين مع كل الطيف القومي السوري .

حقيقة , أسفت جدا لما طرحه الأستاذ طارق , لأنه احد شخوص المعارضة من جهة , ولأنني لم أجد آية مصداقية ديمقراطية في معرض بحثه عن حقه الديمقراطي المصادر ؟.

القامشلي  19/7/2004

 

كاتب كوردي , ناشط في لجان إحياء المجتمع المدني في سوريا