ديمقراطية الحزب السياسي في سوريا ...

 الأحزاب الكردية نموذجاً

 

مشعل التمو

 

تنويــــه :

 

بداية أود أن أقول بأن ما أقوله ليس موجها ضد أي احد محدد بعينه بقدر ما هو مساءلة للبداهات الموجودة , ودعوة نقدية لإعادة النظر بالرؤى والمناهج والمفاهيم الحزبية , وليدة المرحلة التاريخية الماضية والتي حلت في الممارسة الحزبية بديلا عن الديمقراطية الداخلية , إذ مهما كانت أحقية الأصل وصحته , فهو نتاج زمن ولى بكل تجلياته السياسية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية , واعتقد بان التماهي مع الأصل بات يعتبر نوعا من التعلق اللاهوتي الذي يكتسب مصداقيته من انتسابه إلى فكرة مقدسة , وهذا التعلق يعتبره المفكر علي حرب " اسطرة غيبية وغبية بالوقت نفسه " .

أن كل تكوين حزبي هو رهن بظروف نشأته ومجالات فعله السياسي , وبالتالي علاقته بالحقيقة تبقى نسبية وظرفية وتنتفي هذه العلاقة في حال لم يمتلك ديناميكيات التطور الداخلي لجهة مفاعيل الديمقراطية الداخلية أو لجهة الخطاب السياسي والذي اعتقد بأنه يعبر عن الحالة الفكرية السائدة في الحزب نفسه , من حيث تطور الفكر وتبدله بالتوافق مع مستجدات الواقع الموضوعي وما يرشح عن هذا التبدل من أساليب عمل نضالية , واقعية , مترافقة مع إعادة تحديد المفاهيم السياسية والحزبية وتجديد الرؤية المفهومية للعمل الحزبي المجتمعي ,  بمعنى امتلاك القدرة على الفعل الاجتماعي في المجتمع المنوط بذاك الحزب الدفاع عن مصالحه.

المشهد العام :

هناك دوامة عامة في المشهد الحزبي السوري العام اختلطت فيها المواقف الباحثة عن معان لوجودها الحزبي أو مسوغات لبقائها السياسي , بحكم الانسداد السياسي الذي وصلت إليه الحالة الراهنة سوريا , كنتيجة طبيعية لسيطرة الحزب الواحد وابتلاع المجتمع والدولة , بمعنى مصادرة الفضاء الحيوي الذي يُمكن أي حزب سياسي من البحث عن ذاته وتجسيد بعض شعاراته في ظل عقلية الاحتكار السياسي واستبدال الماهية والهدف المعمول بها , كما أن العلاقة الوحيدة المتوفرة راهنا في سوريا , هي علاقة استبعادية تحجب شرعية العمل السياسي , فالعقائد المسموح الدوران داخلها ترفض ما يغايرها وتقصي ما هو مخالف لشرطها الأخروي , أي أن إحداثيات السوق المحددة للعمل السياسي تلتقي في نقطة مفصلية يجسدها حزب قائد بات هو ذاته غير قادر على نقد أفكاره وممارساته .

أن حلقة النشاط السياسي في سوريا كحقل منتج للأفكار والآراء وناظم للإدارة ,  وبعد صيرورة أحادية طويلة ألغيت فيها المشروعية الشعبية لوجود الحزب السياسي المعارض لها , بمعنى بات هناك عقيدة سكونية برؤاها تمنع وتحجب وتصادر وتمتلك الحقيقة والمصداقية , الأمر الذي انعكس وبشكل ميكانيكي على مجمل الأحزاب الأخرى الموجودة , وتجلى نمط التعامل معها أما عبر إلحاقها بالحزب الحاكم بشكل علني أو مستتر كأحزاب  الجبهة القائمة , أو إقصائها وفرض شروط غير صحية أن لم تكن عنفية على وجودها ونشاطها , وهو ما أدى بالكثير منها إلى التماهي والتفاعل مع بديهيات الحزب الحاكم لدرجة بات ميكانيزمها الداخلي معطلا , وتنتظر الفعل لتقوم برد فعلها , مما افقدها الفكر المحرك لتطورها , حتى أن الكثير منها ينادي بالتغيير والديمقراطية وهو في داخله لا يستطيع إنجاز أي من مطالباته , واعتقد بان مطالبة الآخر بالتعددية والديمقراطية وحرية الرأي والتعبير , تفقد مصداقيتها في حال لم يستطع الحزب المعارض ممارسة هذه المفاهيم في حياته الحزبية الداخلية  .

أن غياب الديمقراطية في سوريا منع وجود أو قيام أحزاب ديمقراطية , إذ لا يمكن في الأجواء ذات التنظيم الواحد والمقونن دستوريا أن تسمح بوجود أو تشكل أحزاب ديمقراطية , والأحزاب الموجودة تصبح أمام خيارات صعبة , أما أن تلتحق كأحزاب تابعة ملغية شرعيتها الشعبية لتحصل على شرعية الحاقية , أو تلجا إلى العمل السري وتصبح معرضة إلى شتى المواجهات العنفية , ناهيك عن أن العمل السري الحزبي يحيلها إلى الاعتماد على عصبية  موثوقة غير فاعلة في اغلب الأحيان , أو لا تجد المتنفس لنشاطها , والسرية هذه عانت منها غالبية الأحزاب السورية ودفعت ضريبتها شخوصا وفكرا وجماهير .

راهنا انتفى العمل السري نسبيا بحكم خضوع المجتمع السوري إلى جملة من المتغيرات الإقليمية والدولية , ولكن الأحزاب بمجملها لم تستطع حتى تاريخه التخلص من عقلية العمل تحت الأرض , بمعنى عدم وجود القدرة على امتلاك شفافية وصدقية تؤطر شكلها مع مضمونها , والخلاص من شرنقة التشكيلات الموروثة والمركزية , فهي لا زالت تدير نشاطها الحزبي العلني أو شبه العلني بعقلية أزمة الظل الموروثه وهو ما يفسر التناقض بين شكل الطرح السياسي والمضمون التنظيمي المؤطر لذلك الطرح ,  أي لم تمتلك حتى تاريخه القدرة على التحول إلى عقد مجتمعي متجدد يمتلك دستوره الديمقراطي الناظم لنشاطه الحزبي والسياسي على السواء , والمعبر عن معايير الممارسة الديمقراطية الداخلية والخارجية .

أن وجود الديمقراطية كمعيار موضوعي داخل أي حزب سياسي , هو تعبير عن توفر شرط عضوي لتطور هذا الحزب , وبالتالي فان توفر ديمقراطية داخلية في الحزب السياسي يجعله حزبا ديمقراطيا , بغض النظر إذا كانت هذه اللفظة مضافة إلى اسمه أو لا , فيمكن أن يوجد في الواقع مجموعة من الأحزاب السياسية , ولكن قليلة هي الأحزاب الديمقراطية التي يمكن الاستدلال عليها من نظامها الداخلي واليات ممارسة وتجسيد المنهجية الديمقراطية داخل الحزب من جهة , وفي التعامل مع الأحزاب الأخرى من جهة أخرى , أو في الرؤية إلى فعاليات الشعب الذي انبثق الحزب من لدنه من جهة ثالثة , بمعنى سياقات تجلي الخطاب الحزبي وبكل مفاصله السياسية والثقافية والاجتماعية , أي أن صفة الديمقراطية هي صفة مكتسبة من نظام محدد المعالم تتجلى من خلال منظومة بناء الحزب وتكاملها وترابطها عبر مبادىء ومؤسسات واليات تحديد الخيارات واتخاذ القرارات , والاهم من هذا وذاك تداول السلطة داخل الحزب كقاعدة مؤسسية للمارسة الديمقراطية , هذه الممارسة المفتقدة إلى حد كبير في مجموعة الأحزاب السورية من حيث أن هناك وفرة من الأحزاب السياسية وندرة من الأحزاب الديمقراطية .

ديمقراطية الحزب السياسي :

معلوم أن أحزاب الشرق بغالبيتها تقمصت نمطا معينا من التنظيم والمستمد من البناء التنظيمي للحزب الشيوعي السوفيتي والمرتكز على مبدأ المركزية الديمقراطية , على الرغم من اختلاف أسماء واجهاتها ومفاهيمها وشعاراتها , ولكنها تتفق في ميكانيكيتها المركزية وتطبعها بالطابع الفردي العام , حيث اختزلت تلك المفاهيم والبرامج والأدوات الحزبية لتتماهى مع شخصية الزعيم في خوصنة للحزب وللمجتمع وتعطيل لإرادة الأعضاء أولا ومن ثم الشعب عبر ادعاء تمثيله النرجسي ثانيا , حتى أن كثرة المبادىء والأهداف التي طرحتها هذه الأحزاب والتي بقيت مجرد شعارات بعضها ماضوي بامتياز وبعضها عاطفي يصلح للتجييش الشعبي وليس للتطبيق العملي ,  أهداف وشعارات تلامس المشاعر وتعجز عن استيعابها أمهات الكتب من الحرية والاشتراكية الشعبية والوحدة والديمقراطية ..الخ  والتي لم تجد أي منها منعكسا مجتمعيا لها , وبات لسان حال الجموع الشعبية المشبعة بالشعارات والمترنحة بحكم الاستبداد , كحال مترنيخ وزير خارجية النمسا في بداية القرن الثامن عشر عندما قال " سيان عندنا من يقصفنا بالمدافع ومن يقصفنا بالمبادىء "   .

إذا هناك ظاهرة استملاك الحزب السياسي في سوريا وتعليبه بمواقف رومانسية اقرب إلى الوجدانيات التراثية منها إلى البرامج العملية الميدانية , على الرغم من أن هذه الأحزاب نشأت تلبية عن حاجات وطنية أو قومية , ولكنها وصلت إلى حالة من التجمد لدرجة أن علوم التاريخ والعلوم الإنسانية كافة تقف حائرة غير قادرة على تفسير أو تأويل ما آل إليه حال هذا الأحزاب بخطابها الثابت وممارساتها العصية على التغيير بالضد من كل ما يستجد من وقائع وعلوم ومتغيرات سياسية , بمعنى هناك حتى تاريخه من يرتكز ويراهن على منظومة قيم متخلفة للعلاقات الاجتماعية , ويتستر وراء منظومة أفكار سياسية وسلوكيات قبلية تهدف إلى إعادة عجلة التاريخ إلى الوراء .

أن أي حزب سياسي ليس بالضرورة أن يكون ديمقراطيا , ولا يفيده إلحاق اللفظة باسمه , من حيث أن هناك حزب سياسي , وان هناك حزب ديمقراطي , كما أن هناك الكثير من التيارات السياسية السورية منها والكردية بضمنها ,  بنيت على أرضية تسفيه الديمقراطية السياسية , والتغني بالديمقراطية الاجتماعية بالاتكاء على الشرعية التاريخية التي أضحت راهنا جزء من الماضي , ولم تعد قادرة على تسويغ ذاتها في معطيات العصر الحالي المتغير وسريع التبدل , حتى أن انغماسها في القضايا الواجباتية اليومية لم يعد يعطيها معنى في الحاضر ولم تعد كارزمية أي من شخوصها قادرة على تخفيف معاناتها أو إخراجها من دائرتها السكونية المنغلقة ذاتيا  .

ما أريد قوله في هذا الجانب أن الأحزاب السورية والكردية بضمنها لم تستطع في فعلها وتنظيمها الخروج عن محيطها العام المقونن وفق مرجعية حزب البعث القائد للمجتمع والدولة , ولا قانونية الأحزاب الأخرى لعدم وجود قانون ناظم للتعددية الحزبية , والتناقض بين الحالتين أوجد حالة من التماهي فالاستبداد الأول انعكس على الأحزاب الأخرى وولد استبدادا داخليا من قبل الأحزاب الأخرى على أعضائها ومجتمعها من جهة , واستبدادا اقصائيا خارجيا على غيرها من الأحزاب من جهة ثانية , وبالنتيجة مالت الأحزاب على وقع الثنائية إلى الاختزالية والأحادية وهو ما تجلى في أمرين اثنين :

داخليا : داخل كل حزب على حدة , حيث تم تجميد الداخل الحزبي ومنع أي حراك تفاعلي فيه , مما أدى إلى شل الدينامية الداخلية التي هي احد أهم مكونات الحيوية والتطور , حتى أن حالة بعض الأطر وصلت إلى مرحلة يمكن وصفها بـ " حالة التصلب الدفاعي " حيال المستجدات السياسية , حالة موصوفة بالثبات وأحادية الرؤية وادعاء الخصوصية وامتلاك الحقيقة مع عزل الخصوم السياسيين وتصفيتهم اجتماعيا وسياسيا , وبالتالي الاغتراب عن الواقع الموضوعي المجتمعي مع إيجاد دوائر محرمة ومقدسة وإنتاج جوقة مصفقة داخل كل حزب هي عبارة عن صدى مشوه لرئيس أو سكرتير الحزب .

خارجيا : من حيث التعامل مع الآخر الحزبي المختلف والرؤية الاقصائية له , وركون كل تنظيم إلى أناه الحزبي والعيش فيه بالاتكاء إلى ارجحيته ومصداقيته الغير قابلة للنقاش أو التأويل .

اعتقد بان كل إيديولوجيا تبشيرية سواء كانت دينية أو قومية أو علمانية , تمتاز كلا منها بالميل إلى الاختزالية والأحادية , لامتلاكها خاصية بنيوية تختلف من واحدة إلى الأخرى ولكنها تتفق في نتاجها , فهي تفيد كل إيديولوجية في التماسك الداخلي من جهة , وتُظهر مشروعيتها الخارجية من جهة ثانية , وفي الحالتين تدفع باتجاه وقف المغايرة والتعدد , وهذا يحتاج إلى دستور داخلي يجسد هذه البنيوية , وأغلبية الأحزاب وجدت ضالتها الدستورية في المركزية الديمقراطية المبدأ الناظم للعمل الحزبي , كآلية للتحكم بالحزب ونفي للديمقراطية الداخلية , من حيث أن المركزية تنفي الديمقراطية والربط بينهما معاكس لقانون نفي النفي نفسه ولا يفيد الادعاء بالربط الجدلي بينهما , إذ لا جدلية في هذا الترابط بقدر ما يشير إلى هدف سياسي يعود إلى الرؤية الحديدية للتنظيم الصارم , وفق ما كانت تقتضيه أيام العمل السري الذي تحرم فيه حياة حزبية صحية , الأمر الذي يعتبر الحاضنة الطبيعية للتفرد وظهور زعامات فردية تكتسب ديمومتها ليس من فاعليتها السياسية وإنما من مركزة القرار الحزبي , وما يرافق ذلك من أساطير وأوهام شرقية تنسج حول الشخصية الوحدانية , بمعنى أن المركزية الديمقراطية تمارس منها المركزية وتغيب الديمقراطية رغم التغني بكتابتها , حيث تصبح قوانينها سلاحا فتاكا بيد شخص واحد يتحكم بالحزب بمن فيه , لذلك اعتقد بان فتح هذا الملف وما تعنيه مفردة المركزية الديمقراطية قد يفتح أفقا جديدة وفهما أكثر واقعية حول ماهية الكثير من هذه الأحزاب , وبالتالي أسباب عجزها عن إنتاج فكر نقدي يواكب العصر ويدفع كماكينة تطور بالحزب إلى التجدد والتطور , فالتعريف المبسط للمركزية الديمقراطية هو :

انتخاب هيئات الحزب القيادية من القاعدة إلى القيادة .

الانضباط الحزبي الصارم وخضوع الأقلية للأغلبية .

الإلزامية المطلقة لقرارات الهيئات الأعلى بالنسبة للهيئات الأدنى التي عليها التنفيذ ومن ثم المناقشة .

قيام الهيئات الحزبية بتقديم حساب دوري إلى منظماتها والى الهيئات الأعلى .

وحدة التنظيم المقترنة بوحدة الفكر .

هذا المبدأ الذي لا زال معمولا به في أغلبية فصائل العمل السياسي السوري , والذي استورد من روسيا دون مراعاة للظرف التاريخي الذي وجد لينين فيه نفسه واضطر إلى ابتداع آلية يستطيع فيها لملمة أجزاء حزبه في مركزية قراراتية , بغض النظر عن ذلك فان تطبيق أغلبية الأطر السياسية لهذا المبدأ في حياة الحزب الداخلية أدى بالمحصلة إلى التالي :

إقفال الباب أمام الاجتهاد والتفاعل الثقافي والفكري , بمعنى أن وحدة الفكر وصرامتها تنفي إمكانية التواصل الفكري الذي يبقى حكرا على ما تريد القيادة الحزبية تلقينه للعضو , وبالتالي تمنع تكوين العقل لديه وتصادر ملكات التفكير والتعلم من أي منحى أخر غير الحزبي .

مصادرة الرأي المعارض أو المختلف مع رأي القيادة , وبناء حاجز عسفي يمنع انتشار أي فكر مناقض استنتاجا إلى الوحدة التنظيمية المفترضة والقامعة لأي حراك ثقافي داخل الحزب , كما أن وحدة الفكر تعني إلزامية فكر القيادة الذي تمنع الاختلاف معه أو حتى طرح رؤى سياسية بديلة , وهو ما يشكل حاجزا أمام التفكير وبالتالي يحيل العقل الإنساني إلى السكون ويدفع العضو الحزبي إلى الركون ويصبح مجرد متلق يجيد الترداد .

الترهيب العملي أو المبطن والكامن حيال أي قرار غير مقنع للعضو الحزبي , وبالتالي دفع المختلف أما إلى الصمت أو التشهير بانحرافه عن خط الحزب النضالي في حال عدم التنفيذ , أو تخوينه وتجريمه وهو الأمر السائد في اغلب الأحيان , فضرب المختلف هو درس تلقيني للعضو الأخر , يرهبه ويصمته , مما ينتج عضوا لا يجيد القراءة والتفكير وإنما الانصياع والتنفيذ .

تنمية سياسة التعصب والعصبية لعضو الحزب من خلال ادعاء الصوابية في الرأي , والعصمة الفكرية غير القابلة للجدل , مما يؤدي إلى انتشار ظاهرة الحقد السياسي على الآخر المختلف أو على العضو المتباين في الرأي مع رأي الزعيم , بمعنى إنتاج عقل سلبي , حزبي , يتحرك ضمن سياقات الانا الحزبية , المستندة إلى جملة أقاويل تدعي محاربة إلانحراف والهمجية في تعاملها مع ما عداها من المختلفين في الرأي أو التنظيم , وهو ما يصحر الحياة السياسية ويحيلها إلى واجبات يومية خارج المعطى السياسي المنظور .

تأبيد القيادات الحزبية واستملاكها للمنصب الحزبي , وبالتالي دفع المعارضين أما إلى الانشقاق أو إلى الانزواء وفي كل الحالات فهم عرضة للتشويه الاجتماعي والسياسي , بسبب معارضتهم لاستمرارية المنطق الأبوي في اعتلاء المنصب الحزبي , على الرغم من أن كل إنسان يغير على الدوام كل شيء في حياته من ثيابه أو سلوكه أو حتى نمط أفكاره , ولكن في حالة ديمومة الفرد \ الأسطورة تكرس عجزا فظيع فشل في إرساء ناظم تداولي للسلطة نقيض للقهر والعنف , والتداول الذي اعني يعتبر حجر الأساس في الوعي بالديمقراطية , وهو ما أشاد به الفيلسوف الفرنسي "مونتانيي"  خلال الحديث عن تجربة الإمبراطور شارل كوينت عندما تخلى عن السلطة بقوله (( أن أجمل عمل قام به الإمبراطور شارل كوينت الذي ترك السلطة طواعية انه عرف كيف يقر تقليدا  لبعض القدماء من صنفه )) .

الوحدة التنظيمية التي يتم الادعاء بوجودها في المركزية الديمقراطية تصبح في حالة الأحزاب خارج السلطة عبارة عن وحدة شكلية سرعان ما تتفتت ويتذرر محتواها في كل منعطف خلافي داخلي , لتأخذ شكلا انشقاقيا , عنفيا بامتياز .

أن ما نلمسه راهنا من تذرر حزبي يرتبط جزء كبير منه بالممارسة القمعية الداخلية للحزب نفسه , بالإضافة إلى عوامل خارجية تتعلق بالوضع العام السائد في سوريا , وتجاذبات المصالح الشخصية الحزبية , ويمكن القول بان الأطر الموجودة راهنا تنحصر في تيارين :

التيار الأول : غير المستعدة للخروج من إيقاعها الراهن الذي تتخبط فيه , رغم تسلحها بمصطلحات وشخوص تدعي التاريخانية وهي من الفجاعة بمكان بحيث باتت امتدادا لتشكيلات اجتماعية قديمة , فهي غير قادرة على مجرد تصور تغيير يقينياتها وخاصة على صعيد تغيير الرؤى السياسية واليات العمل التنظيمي وممارسة الديمقراطية الداخلية بما يتوافق مع متطلبات المرحلة السياسية الراهنة  .

التيار الثاني : وهي القوى التي تتلمس نسبيا طريق الخروج من شرنقة الأمر الواقع , عبر التسليم به ومحاولة تجاوزه , هذه المحاولات الخجولة اغلبها تحتاج وفق ما اعتقد إلى فكر نقدي متجدد وإرادة تغيير شاملة كمرتكز لتحديد الهوية وبالتالي الانتماء إلى الكل المجتمعي من جهة , والبقاء في اللعبة السياسية السورية المستقبلية من جهة أخرى , وإرساء نواظم داخلية تعتمد التعبير الحر مع الاعتراف بالاختلاف والتعدد الفكري من جهة ثالثة , وهو ما يصنع القاعدة الدستورية الناظمة للعمل والتعامل الداخلي والخارجي , وبه يتم تهيئة الأعضاء الحزبيين بالوعي بالديمقراطية وآليات ممارستها , لأنها الطريق الوحيد لنضج القاعدة الحزبية , الذي يعتبر قبول الأخر المختلف والتداول السلمي اللاانشقاقي للسلطة في المراكز الحزبية احد أهم تجلياته .

من وجهة نظري الديمقراطية الحزبية الداخلية وممارستها تعني نزع امتيازات النفوذ داخل الأحزاب ومنع اختزالها إلى أحزاب فرد واحد يستبد بالحزب أولا وأخيرا , هذه النواظم لها مقوماتها  ومرتكزاتها التي يجب أن تكون بديلا عن المركزية في التنظيم لعل أهمها :

حق العضو الحزبي في امتلاك حق الكلام والنشر وإبداء الرأي .

الحق في حرية الممارسة والفكر وتكافؤ الفرص والمساواة بين الأعضاء  .

إفساح المجال للتباين والاختلاف والتعدد الفكري , من حيث أن الفكر متجدد ومتبدل دائما , بمعنى إتاحة الفرصة لنمو ووجود تيارات وأطياف رؤيوية , فكرية , متعددة , لكل منها شكلها الممارس في إطار مفهومي للتعدد داخل الوحدة .

تداول السلطة داخل منظمات الحزب عبر تشريع دستوري ناظم للعملية ومُقيد لأي تأبيد للفرد .

احترام وقبول وجود الأحزاب الأخرى , وزرع ثقافة القبول والتوافق في أطار حق الرأي والتعبير.

إتباع تربية حزبية , مدنية , علمانية , تؤطر لفضاءات عديدة متجاورة ومتشابكة ومتشاركة في المجتمع الواحد.

اعتقد بان المنطق المتحكم في بناء الأطر السياسية السورية , والمتمثل في الجذور التاريخية لتحديداتها , إيديولوجيا وشخوصا وأهداف والية عمل , بات الآن أمام تناقض صميمي بفعل حركة الواقع المتسارعة , والمثقلة بذهنية فكرية وسياسية تختلف إلى حد كبير عن الجذر الفكري الذي نشأت عليه هذه الأطر , هذا التناقض في حال عدم امتلاك القدرة على حله ومواجهة استحقاقاته , سيدفع بالكثير من هذه الفصائل الحزبية إلى قفص الانحلالية الطبيعية , مهما تعالت وانكرت القتامة التي تنتظرها .

 الأحزاب الكردية نموذجاً :

الأحزاب الكردية الموجودة في الساحة السورية هي نتاج هذا المجتمع وذاك الواقع العام الأنف الذكر , وبالتالي فهي لا تختلف إلا في صبغتها القومية ووجودها المناطقي وهامش حركتها الأكبر بحكم الرؤية الرسمية لها , والتي لا تعتبرها خطرا يهدد البناء الأحادي القائم , كما أن ناظم عملها هو الهم القومي الخاص بالترابط النسبي مع الهم الديمقراطي العام , ناهيك عن انه في حياة هذه الأحزاب التي توالدت من رحم واحد , يتنازعها صنفان من الدوافع , دافع الدفاع عن القضية القومية , ودافع الحفاظ على الذات الحزبية التي تتقهقر تحت ضغط المتغيرات الإقليمية والدولية , ويجب أن ننوه هنا بأنه هناك في العقل الكردي الشعبي وفرة في المقدسات وكل منها نشأ لظروف اجتماعية معينة , إضافة إلى انه لدينا تراث ضخم من اللامبالاة الناتجة عن ظروف القهر التاريخي للشعب الكردي , وهذا ما يطبع بعض الأطر الحزبية الكردية في سوريا التي استمدت ديمومتها من نسغ الاحباطات المتكررة وتغليفها بالعديد من الحقائق الوهمية المتعلقة بكاريزما شخصية غير موجودة في الواقع اغلب الأحيان , على الرغم مما تعانيه على الصعيد العام .

ما اعنيه هو وجود غمامة وهمية تطفو إلى السطح مع خطاب بعض الأطر الحزبية الكردية , ويمكن تقسيمها وفق  " فرانسيس بيكون " إلى ثلاثة أقسام :

أوهام القبيلة والتي هي المركزية المفرطة والذاتية المنبثقة من تقاليد القبيلة ومنظومة تعاطيها مع الغير .

أوهام الكهف وهي المرتبطة بالتربية والموقع الاجتماعي والتجربة الحياتية , ومنها يتجلى ميل الإنسان إلى تفضيل وتصديق كل ما هو قديم .

أوهام السوق وهي المتولدة عن تسلط مذاهب وأنساق فكرية معينة , متبنية لحقيقتها ومنغلقة على نفسها سلفاً.

من المفيد القول بان نشؤ الحزب القومي يكون دائما بضغط الحاجة الموضوعية لمواجهة حالة عدائية مقابلة , وبالتالي يمتلك الحزب قوة وسلطة الفكرة السياسية ( الايديوقراطية ) , وهي التي تلم شمل القومية وتدفع بها إلى الالتفاف حول حزبها القومي , واعتقد أن هذه الحالة عاصرناها جميعا في حالتنا الكردية في بدايات النشوء , بمعنى العقيدة القومية كانت هي الناظم للالتفاف الشعبي حول الأحزاب الكردية , هذه العقيدة القومية مثلها مثل بقية العقائد غير ثابتة وتتبدل مثلها مثل أية فكرة أخرى , لان الحالة القومية نتاج مرحلة تاريخية لها محدداتها , وبالتالي هي فكرة مرتبطة بزملكانها , وثباتها غير ممكن مهما طال الزمن أو قصر , بحكم أن الأفكار إذا لم تتطور تنتفي وتغيب أو كما وصفها " ميرلو بونتي " بأن ( الأفكار بعد فترة معينة من الامتداد , تتوقف عن التكاثر والحياة وتهبط إلى مصاف التبريرات والذرائع )  الأمر الذي نلاحظه في الواقع الكردي من حيث أن العقيدة القومية باتت ذريعة للوجود وليس دافعا للنضال نظرا لأنه ومع الزمن وبحكم الفشل الحزبي وانهزامية الوعد السياسي , وتبدلات الواقع المجتمعي تناقصت تأثير هذه العقيدة , خاصة مع حالة التذرر الحزبي وظهور معطيات جديدة على ارض الواقع سواء محليا أو إقليميا أو دوليا , وباتت معطيات مختلفة تصنع التاريخ حيث لم تعد البيانات والادانات تصنع تاريخا أو تؤمن بقاء حزب سياسي حتى وان كان مسوحه العقيدة القومية .

أن الأحزاب الكردية الموجودة مثلها مثل الأحزاب السورية الأخرى أسيرة المركزية الديمقراطية ووليدها المستديم المتمثل بالفردية , مضافا إلى ذلك الإرث القبلي ونمطية صراعاته وتناحراته , مما شكل حالات حزبية فريدة تجمع كل الموروث القروي سواء الاقصائي للأخر أو المخُون والمدين للمختلف , أو في أحسن الحالات الملموسة حديثا إعادة تشيؤ الماضي واستحضاره ليكون مادة خلافية تهربا من فشل سياسي أو انكسار حزبي , بمعنى سعى كل حزب كردي إلى إضافة نوعية داخلية للتحكم بأعضائه مستفيدا من سوية الوعي الشعبي وتهربا من استحقاقات نضالية عامة وخاصة فيما يتعلق بالمسالة الديمقراطية في سوريا , وهو ما نعلمه جميعا فأي خلاف داخلي في الرأي مهما صغر يتحول إلى انشقاق وتراشق بمدافع التخوين , ومن ثم تهدأ الحالة بعد أن يتم تغيير اسم القبيلة الجديدة ليعاود رفاق الأمس حوارا ثنائيا بعد تثبيت كل زعيم قدميه في حزبه الجديد , على أرضية أن وعي الشعب الكردي وذاكرته الجمعية غير مدركة وسريعة النسيان وانطلت عليها شعارات الوحدة والقومية ..الخ لكن الحقيقة أن هذه الأطر تخدع نفسها إذا لم تلحظ حجم اللامبالاة الشعبية حيال وجودها أو أسمائها  أو ادعاءاتها السياسية , واللامبالاة هذه عميقة الجذور وتتعلق بالثقة بما هو موجود , وحجم اللامبالاة يقابل حجم عدم الثقة , حتى وان كانت الفكرة القومية هي العقيدة المصرح بها , والمسيجة لمجموعة الأهواء السياسية التي حلت بديلا عن الحقائق السياسية في الخطاب السياسي الكردي  .

اعتقد بأنه في الحالة الحزبية الكردية هناك فوضى داخلية أنتجت كما من حزبيات , يمتلك كلا منها نظم واليات عتيقة ودائرية الفعل بات الكثير منها عاجزا على التكيف مع الجديد ومتطلباته , غير مدركة بان التقدم التقني وغزارة المعلومات والتحولات الجوسياسية في المنطقة , طوت الفكر المؤدلج على ذاته وأظهرت عجز أدواته المفهومية واضمحلال سلوكياته الفردية , وبالتالي قصور اللاعبين المستديمين والمتشظية طاقاتهم عن فهم حالة وطبيعة الصلة الاجتماعية والسياسية الجديدة , وطبيعي أن هذا العجز يعود إلى العامل الذاتي الداخلي لهذه الأطر الحزبية الذي خلق وفق بنائه المركزي اللاديمقراطي جهازا بيروقراطيا للحركة والعمل يرتدي قناعا موحدا بحكم وحدة الفكر والتنظيم , حيث تخفي الأقنعة هذه , اختلاف وتباين الوجوه , لذلك نجد السرعة في الانشقاق عند من يحاول إظهار وجهه الحقيقي , أو أن القناع يحل محل الجلد لطول فترة استخدامه عند بقية الأعضاء .

في أغلبية الأطر الحزبية الكردية ليس هناك جدل سياسي داخلي , ثقافي أو سياسي يختلف أو يغاير الفردية المهيمنة , فهناك داخل كل إطار سلطة شمولية تستند على المركزية الديمقراطية , وتعتبر أن الحقيقة نتاج سياستها ونهجها الواضح الذي أثبته التاريخ , وطبيعي أن الثقافة المنبثقة عن مثل هذا المعتقد تؤطر لجغرافية كراهية , عدائية مستديمة حيال الآخر , وبالتالي حلت الخصومات الشخصية مكان الاختلافات السياسية , وانبثقت بالنتيجة الثنائيات الخصومية والحدية التي باتت عنوانا نضاليا حل محل القضية والحزب والشعب , ولا يخفى على احد أن تحوير الوجهة هو في الواقع نتاج العجز الاجتماعي والأخلاقي والثقافي والفكري للفكر الأحادي وتداعياته .

أن الحقوق التي تنص عليها الأنظمة الداخلية للأحزاب الكردية المبنية وفق النموذج المركزي ليست حقوقا لأحد , لان الانطواء وفق معايير الشمولية المركزية تنفي أية حقوق فردية سواء في الرأي أو الاختيار , والاختلاف هنا يعني الفصل         والطرد , فلا حرية لانتشار وتبادل الأفكار , سوى ما يرشح من القائد الذي تكون رؤيته قدسية والاقتراب منها أو حتى محاورتها فكريا , يؤدي بصاحبه إلى سلسلة من عمليات الاغتيال الاجتماعية والسياسية , ناهيك عن أن أغلبية الأطر الحزبية الكردية تمقت التسامح وتستعيب الاعتراف بالخطأ وتستعيض عنه بخطاب تبشيري فات أوانه , تتحدث فيه عن الشعب وكأنه تجمع خراف بائسة ويائسة .

لا ريب أن هكذا خطاب هو نتاج العقل الاختزالي , الوعظي الذي ولدته المركزية , عقلية كسر الأيدي التناحرية البديلة لعقلية الوفاق والتوافق , لذا فهو – الخطاب - يختزل ويختصر كل الظواهر والمعطيات والتصورات والمواقف والناس أيضا في صفة محددة يعطيها أريحية الصحة والديمومة كإطار مركزي , الذي ورغم عمره المديد لا زال حتى تاريخه ضبابيا حول الهوية ومكوناتها , إضافة إلى انه ارتجالي آحادي  سرعان ما يصاب بالنشنج والاضطراب عند توجيه أي نقد إليه أو إلى فكره السياسي , وعادة يكون الرد على النقد أو الرأي المتباين عنفيا وانفعاليا ناظمه الإدانة والتجريد , وهو ما يمكن تسميته بالهوس الانفعالي المفعم بشهوة الضعف , وبالتالي فهناك بعض الأطر الحزبية الكردية ماتت فكريا واجتماعيا , حتى وان بقي اسمها لفترة طويلة كراسب سياسي بعد أن شاخت لغته السياسية , وعجز عن تكوين محور وأداة ضاغطة شعبية وسياسية ولم يعد يمتلك القدرة على التوفيق بين الفكرة القومية الجامعة والمسوغة لإنشاء التنظيمات القومية وبين الواقع المتحرك الذي أصبح فيه الجميع ساسة ومثقفين ورأي شعبي عام يستطيعون الكلام بدون وصاية من واعظ شمولي , ما اعنيه هنا هو أن تفسخ مثل هكذا أحزاب بات أمرا لا يمكن تفاديه ؟.

أن بناء الأطر الحزبية الكردية ودستورها التنظيمي الراهن يقف بالمرصاد حيال تطورها وتحديث فكرها , بينما نحتاج كشعب وكقضية قومية خاصة ووطنية عامة إلى امتلاك وعي ثقافي\سياسي قادر على تحليل وتفكيك الواقع الراهن بكل انكساراته وانحطاط سوية الفعل السياسي فيه , وبالتالي إنتاج بنية تنظيمية جديدة تتجاوز المركزية , وتصنع بيئة وحاضنة يحس الإنسان فيها بإنسانيته ويتخلص من حالة الاغتراب الفكري والسياسي الذي وضعته فيه الأطر الحزبية المغلقة على صرامتها التنظيمية .

اعتقد بان الحق في الرأي ضمن الأطر الحزبية هو حق جماعي وليس فردي , بمعنى حرية الرأي تعبير ووسيلة اتصال وتفاعل مع الغير , كما أنها – الحقوق الفردية – هي حقوق سياسية تنتظم في حزب سياسي فيما إذا كان هذا الحزب ديمقراطيا فكرا وممارسة داخلية , أي أن الحق السياسي للفرد في الحزب السياسي هو الجذع المشترك الذي تنبثق عنه كل السياسات الأخرى , أو كما يسميه بعض الفلاسفة بـ" مستودع الحرية " .

اعتقد بان مفردة الديمقراطية لا زالت تستخدم كلصاقة بجانب اسم الحزب , لكنها مقصية عن مضمونها , محاطة بحقل ألغام مركزي , وأسلاك شائكة تراثية , وكما أسلفت سابقا أن عامل الزمن ومستجداته المتلاحقة ليس في صالح هذه المنظومة الفكرية , وبالتالي مطلوب التفكير بجدية أكثر وحيوية ثقافية أعمق , والعمل لتوفير وإعادة ديناميات التطور الداخلية إلى الحياة الحزبية , وتنظيم الحزب بآلية شفافة ومفتوحة تؤمن القدرة على الفكر والاختلاف ,  أو كما يقول جول جوليار " الحزب الجماهيري لا يجب أن يتم تنظيمه حسب مبدأ الطاعة المركزية الفوقية , بل حسب مبدأ التضامن الأفقي , فلا يجوز أن يشبه هرما , بل يجب أن يكون كالحديقة العامة "".

 

القامشلي 5/3/2004

 

كاتب كوردي سوري