الإصلاح وإشكالية بناء الدولة الوطنية السورية الحديثة

في ضرورة إعادة إنتاج النظام السياسي السوري (3)

الدكتور عبدالله تركماني

قد يكون من الصعب أن نقول أنّ الديمقراطية تملك حلولا سحرية لكل مشاكلنا، ولكن من السهل الاستنتاج، على ضوء تجربة شعبنا مع النظام الشمولي، أنها الطريق الأصوب للتعاطي المجدي مع التحديات المفروضة علينا، حين تقدم لنا إمكانية لإيجاد الحلول، خاصة إذا ساد الفهم المسؤول لمعانيها والإدراك الواعي لمتطلباتها ونقاط القوة والضعف فيها .

إنّ مقاربة الرئيس للمسألة الديمقراطية في سورية تشكل قاعدة يمكن البناء عليها، فالرأي الآخر هو " الأساس الذي نبني عليه هذا البناء الكبير الذي يسمى الديمقراطية "، والتطور الديمقراطي يحتاج إلى " تطوير اجتماعي "، وما نريده من فرنسا – كما قال الرئيس - هو " رسالتها الحضارية المتجسدة في مبادئ الثورة الفرنسية : الإخاء والعدل والمساواة وحقوق الإنسان " .

لكنّ ذلك يتطلب إعادة إنتاج النظام السياسي على نحو يؤسس لديمقراطية تشكل أساسا لمشروع الإصلاح والتحديث بكل مستوياته الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية، بما يفرضه ذلك من إعادة بناء الدولة الوطنية السورية الحديثة . إنّ القيم التي حملتها الثورة الفرنسية متعددة الجوانب : حقوق الإنسان والمواطن، وإرساء أسس الدولة الحديثة، وتوحيد المؤسسات وعقلنتها، وإصلاح القضاء، وإصلاح التعليم، والإصلاح الضريبي . وقد لعبت هذه القيم والتدابير الدور الأهم في انطلاق ربيع الشعوب منذ القرن التاسع عشر، واستمر في القرن العشرين، وأصبح حاجة ملحة مع بدايات القرن الواحد والعشرين .

إنّ التحولات العميقة التي تشهدها المجتمعات الإنسانية جعلت من الديمقراطية وحقوق الإنسان أحد علامات العصر، وأحد المعايير الأساسية للسير في الطريق الذي ترسمه التحولات الكبرى التي نشهدها الآن . إذ صارت الديمقراطية ضرورة لا غنى عنها، واختيار لا مفر منه، فهي معيار صلاحية الاختيارات الأخرى على صعيد السياسة والمجتمع والاقتصاد، إنها ما يمنح هذه الاختيارات جميعها بعدها الإنساني . ولا يمكن تمثّل هذه التحولات بعمق إلا في إطار الدولة الحديثة التي تقوم على أسس ثلاثة : فصل السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية، ورقابة المجتمع على سلطة الدولة، وخضوع سلطة الدولة نفسها للقوانين التي تسنها . بحيث ينظر إلى الدولة باعتبارها حقلا يعكس تناقضات البنية الاجتماعية وتوازنات القوى فيها .

وفي ظروف العولمة الجديدة لم تعد الديمقراطية مجرد مطلب ترفعه هذه الفئة أو تلك من القوى الاجتماعية والسياسية، ولا مجرد دعوة ثقافية تُعقد لها الندوات والملتقيات، ولا هي سياسة تتوخاها الدول الكبرى لاعتبارات استراتيجية فحسب، بل هي كل ذلك . وتمثل، فوق ذلك كله، مصلحة وطنية وقومية، فيها تستقر أوضاعنا ونضمن ولوج طريق التقدم .

وتبدو سورية في أمس الحاجة لأن تتضافر جهود جميع أبنائها في مواجهة تحديات التحديث والعولمة والسلام . لذلك فإنّ المطلوب هو التحوّل السلمي الهادئ من الدولة الشمولية إلى الدولة الديمقراطية، بما يوفّر إمكانية الانفراج التدريجي والمحافظة على الوحدة الوطنية وإعادة الاعتبار لدولة الحق والقانون المتصالحة مع مجتمعها . ومن أجل ذلك لابدَّ من سن قانون عصري لتأسيس الأحزاب والجمعيات، واستكمال الملف " الأمني " بإطلاق باقي معتقلي الرأي والضمير، وخاصة نشطاء المجتمع المدني : النائبان المستقلان  رياض سيف ومأمون الحمصي، والدكاترة عارف دليلة، كمال اللبواني ووليد البنّي، والمحامي حبيب عيسى، والمهندس فواز تلّو، والأستاذ حبيب صالح . وفتح ملف المفقودين ( يصل عددهم إلى ما بين 15 – 17 ألف )، وإصدار قانون عفو تشريعي عام  عن المنفيين السياسيين (يصل عددهم إلى ما بين 35 – 40 ألفا)، وإعادة الثقة بين السلطة والمجتمع .

 

ومما لا شك فيه أنّ توافقا بين السلطة القائمة والتيارات السياسية المعارضة قد يساهم بتطوير آليات المجتمع المدني، بما يساعد على توسيع رقعة الحريات العامة، وتحريك وعي الجماهير، ودفع شرائح واسعة منها إلى الانغماس في خضم العمل السياسي العام . مما يحيل أفراد المجتمع السوري من مجرد رعايا تابعين، غير مبالين، إلى مواطنين نشطاء فاعلين يمكنهم التأثير في ديناميات اتخاذ القرار السياسي والإسهام في تغيير بنية التمثيل السياسي، فضلا عن مشاركتهم في تحديد الأهداف الكبرى، وصياغة السياسات العامة . ومما لا شك فيه أيضا أنّ هذا التطوير لآليات مشاركة المجتمع المدني يمثل سيرورة مرهونة نتائجها : أولا، بمدى نضج القوى السياسية في السلطة القائمة والأحزاب المعارضة . ثانيا، بمدى التفاعل المثمر مع ديناميات التمايز والتمفصل بين السلطات وتعميق المساواة وتعزيز قدرة النظام السياسي على التكامل والتكيّف والإبداع .

لقد اعتادت السلطة، منذ عقود، مصادرة المجتمع وإخضاعه كليا، وأقامت في سبيل ذلك منظماتها الشعبية كامتداد لسلطتها، بحيث لم يعد من الممكن الحديث عن دولة ومجتمع بالمعنى الحديث . ففي هذا " المجتمع الشعبوي " تم تعميم قيم الوشاة والمخبرين، و " صار الأدنى يشي بالأعلى، والأقل كفاءة يشي بالأكفأ، والمختلس يشي بالنزيه والمستقيم، والجاهل يشي بالعالم، والأقل علما يشي بالأعلم، وغير المؤهل يشي بالمؤهل، وعديم الضمير يشي بصاحب الضمير..." .

 في حين أنّ الدولة الديمقراطية توفر الأطر المختلفة لقيام المجتمع المدني ومؤسساته بمهامها الاجتماعية، الرقابية والتنويرية والتطوعية، وفقا للدستور والقوانين ذات الصلة بعملها ونشاطها . لذلك فمن غير الممكن تصور إصلاح ناجح في سورية بمعزل عن عودة الروح إلى المجتمع المدني، وضمان مؤسساته المستقلة عن سلطة الدولة، كي يسترد المجتمع السوري حراكه السياسي والثقافي، بما يخدم إعادة بناء الدولة الوطنية الحديثة . إنّ الدولة التي لا تستمد مشروعيتها من مجتمهعا المدني، وليد مفاهيم السياسة المدنية والعقد الاجتماعي، تكون هشة وضعيفة مهما ادعت القوة .

ومن أجل صياغة إطار تعددي لابد من إدراك مخاطر الصيغ الواحدية القسرية التي عرفناها، حيث أنها كانت أداة قمع وتهميش للتعددية الفكرية والسياسية، مما جعل إدراكنا الجمعي مقتصرا على الإدانة الخطابية للمخاطر الخارجية، بدل البحث عن مصادر الخلل في بنياتنا الداخلية . إنّ إدارة التعددية بشكل حضاري تحمل بين طياتها إغناء لوحدة مكوّنات الدولة ولقوتها .

إنّ القائلين بأولوية الإصلاح الاقتصادي عليهم أن يدركوا أنّ نجاح مجمل مكوّنات المشروع الإصلاحي يحتاج إلى مجتمع مدني فاعل، يراقب ويحاسب، ويشير إلى الخطأ والفساد وقت حدوثهما .

إنّ تحديات الوضع الإقليمي الجديد بعد احتلال العراق، في هذا الزمن العربي الصعب، يتطلب وجود جبهة داخلية متماسكة وفاعلة بين كل مكوّنات الشعب السوري، لضمان التعاطي المجدي مع التحديات، مما يفترض المزيد من الإصلاح والتحديث، وليس التضييق والمنع على المواطنين تحت حجة الأولوية الأمنية . إنّ التعاطي المجدي مع مخاطر المشروع الصهيوني وملحقاته اليوم تتطلب صياغة أفق جديد للصراع، واستنباط أشكال جديدة تندرج ضمن إطار الصراع الحضاري الشامل الاقتصادي والتكنولوجي والثقافي والعسكري .

فبالرغم من تناقضاته الداخلية فإنّ المجتمع الإسرائيلي يمتلك الكثير من ميّزات المجتمعات المتقدمة، سواء على صعيد مؤسسات المجتمع السياسي أو المجتمع المدني أو تطور الاقتصاد، خصوصا في القطاعات المستقبلية : الاتصالات والبرمجة والتكنولوجيا الدقيقة وتطبيقاتها في جميع الحقول . كما أنّ قراءتنا لما يزيد عن نصف قرن من الصراع مع إسرائيل تدل على أنّ قوة أي مجتمع وقدرته على مواجهة التحديات الخارجية تنبع- أساسا- من داخله، أي من قوة بنائه السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي قبل أي شيء آخر . وتدل أيضا على أنّ النجاح في الصراع ضد الأعداء يرتبط بالقدرة على استخدام جميع مكوّنات القوة، وأهمها الموارد البشرية والاقتصادية .

إنّ التعاطي المجدي مع التحدي الإسرائيلي يتطلب اقتصادا قويا، ولحمة وطنية متينة، وحريات ديمقراطية، وأناسا مستعدين للدفاع عن وطنهم بقدر ما يوفّر لهم من حياة حرة وكريمة في ظل دولة حق وقانون . وعليه، فإنّ تعدد الآراء حول كيفيات المواجهة الناجحة للتحديات الخارجية هو علامة قوة واستقرار، مادامت هذه الآراء ضمن إطار الإجماعات الوطنية والقومية المطالبة بالسلام العادل والشامل وانسحاب إسرائيل من كافة الأراضي الفلسطينية والسورية واللبنانية المحتلة وإقامة دولة فلسطينية مستقلة في الضفة الغربية وقطاع غزة . بل أنّ التصدي مع الشعب، لا باسمه، للاستحقاقات المستجدة سيسمح للسلطة بمقاومة أية ضغوط خارجية، ما دام خلفها رأي عام فاعل ومانع لأية تنازلات يفرضها توازن القوى الإقليمي والدولي .

إنّ التاريخ السوري المعاصر قد رتّب على قوى الثقافة والعمل مسؤولية وطنية وقومية كبرى، تتناسب مع الدور الهام الذي تلعبه في الحياة الفكرية والمادية للشعب السوري، فلذلك فإنّ إعادة بناء الدولة الوطنية السورية الحديثة سوف تقع على عاتق هذه القوى في الدرجة الأولى، فهي التي ستكون القاعدة الاجتماعية الأهم للإصلاح والتحديث . ولاشك أنّ تحوّل هذه القوى إلى كتلة مؤثرة مرهون بقدرتها على جذب أوسع القطاعات الاجتماعية التي تطمح إلى التغيير، من داخل حزب السلطة ومؤسساتها ومن المثقفين وجماعات المعارضة . كما أنه مرهون بقدرتها على تجديد الثقافة السياسية السورية من خلال : اعتبار ساحة الفعل السياسي مفتوحة على الدوام على قوى ومجموعات سياسية ذات توجهات فكرية ومشارب سياسية متباينة، وضرورة التزام الخطاب العقلاني والواقعي في العمل السياسي، واعتماد ثقافة الحـوار .

إنّ نجاح مشروع الإصلاح والتحديث يتطلب الحوار المفتوح بين كل التيارات الفكرية والسياسية السورية من خلال مؤتمر وطني عام، بهدف الكشف عن الممكنات في الواقع السوري، وبناء أولوياتها وتوازناتها عبر منهج عقلاني هادئ، يقوم على التدرج وقبول الحوار مع الرأي الآخر ونبذ العنف والتطرف وعقد الماضي .

 ومما لاشك فيه أنّ تجسيد مثل هذا الحوار، بأهدافه وموضوعاته، منوط بالسلطة أولا، ويعكس مدى جديتها في برنامج الإصلاح والتحديث . إذ من المفترض أن تبادر إلى الدعوة الشاملة إلى الحوار المفتوح والمجدي والعملي، مما يرفع من شأنها في أعين المجتمع ويفتح في المجال لتجسيد قيم الإصلاح وحاجاته في الواقع . ومما يسهّل مثل هذا الحوار أنّ ثمة تقاطعا بين مشروعي السلطة والمعارضة، يمكن أن يساعد على إجراء تحوّلات ديمقراطية متدرجة، تهدف إلى إعادة بناء الدولة الوطنية السورية الحديثة .

نحن أمام تحديات حقيقية تستوجب تفعيل الخيارات الممكنة، من خلال إرادة سياسية صلبة، وإدارة عقلانية لكل إمكانياتنا المتوفرة، بهدف التعامل مع الوقائع القائمة كما هي لا كما تتخيلها رؤى أيديولوجية مبسطة . فليس من الواقعية والعقلانية والاعتدال أن نغمض أعيننا عن مختلف الخيارات والقدرات التي يمتلكها شعبنا وأمتنا العربية، وذلك من خلال إعادة صياغة كل أسس قوتنا، بترتيب أوضاعنا الوطنية والقومية، وإعادة ترتيب العلاقات مع العالم والموازين الدولية . 

وهكذا، فإنّ التغيير أضحى حاجة موضوعية في بلادنا كي لا تتأخر سورية عن المهام الوطنية والقومية المطروحة عليها، وبالتالي فإنّ التراجع عن مشروع الإصلاح والتحديث هو مجازفة خطيرة بمستقبل الدولة والمجتمع في سورية . فالحاجة ملحة إلى إعادة بناء السلطة على أسس جديدة تعطي الدولة طابعا آخر يوحد المطامح الوطنية العامة، ويؤسس لفاعلية جديدة تستوعب عناصر المجتمع كافة . إننا بحاجة إلى ديمقراطية حقيقية توفر الإمكانية لاستيعاب المتغيّرات العميقة في الحياة الإنسانية المعاصرة، مما يستوجب مأسسة الفاعلين السياسيين من خلال شرعنة وجود أحزاب وجمعيات علنية مستقلة عن السلطة تقبل التسويات التاريخية والحلول المعتدلة، وتعتمد الأسلوب السلمي للتغيير والتقدم .

إنّ سورية تواجه فرصة تاريخية تمكّن من إعادة بناء الدولة الوطنية الحديثة، بالاعتماد على تضافر جهود جميع النخب الفكرية والسياسية دون استثناء، فلا يجوز تفويت هذه الفرصة، بل الحرص على الانتقال الديمقراطي الهادئ والممأسس، الذي يفتح الآفاق أمام إعادة صياغة الحياة السياسية السورية على أسس جديدة .

 

 

تونس في 23/5/2004                      الدكتور عبدالله تركماني

                                         كاتب وباحث سوري مقيم في تونس