الإصلاح وإشكالية بناء الدولة الوطنية السورية الحديثة في ضرورة دعم برنامج الإصلاح الرئاسي (2) بقلم: عبدالله تركماني

شكل خطاب القسم ومجموع المقابلات الصحافية والتلفزية للرئيس بشار الأسد منهجية متكاملة لرؤيته لكيفيات الإصلاح والتحديث في سورية، إذ حاول أن يحدد اتجاه السير وأدواته وأهدافه . ولاشك أنّ مقاربته انطوت، فيما عدا بعض محطاتها التي سنتناولها في مقاربات أخرى، على منهج نقدي واضح ورؤى مستقبلية هامة، حين حاول أن يحدد معاني العديد من المصطلحات العائدة إلى الدولة الحديثة وثقافتها، خاصة بما تتضمنته من قيم التنمية السياسية للسلطة والمعارضة، وبما وفرته من قاعدة انطلاق للرقابة والمساءلة، إضافة إلى أنها تشكل سلاحا هاما في قطع الطريق على الارتداد إلى الماضي .

لقد أعلن الرئيس بشار التصميم على تذليل الصعوبات ومواكبة العصر، ودعا كل المواطنين للمشاركة في مسيرة الإصلاح والتحديث للوصول إلى النتائج المرجوة في أقرب زمن ممكن . ومن أجل ذلك طرح ضرورة التحرك على ثلاثة محاور : أولها، طرح أفكار جديدة في المجالات كافة، سواء بهدف حل مشكلاتنا ومصاعبنا الراهنة أو بهدف تطوير الواقع الحالي . وثانيها، تجديد أفكار قديمة لا تناسب واقعنا، مع إمكانية الاستغناء عن أفكار قديمة لا يمكن أن نجددها ولم يعد ممكنا الاستفادة منها . وثالثها، تطوير أفكار قديمة تم تجديدها لكي تتناسب مع الأهداف الحاضرة والمستقبلية . وإن غاب عنه أنّ بنية الاستبداد التي تهيمن على مجمل الأجهزة والمؤسسات سوف تعطل – إلى حين – إمكانية نجاح هذا التحرك .

ومما يؤكد هذه الإمكانية أنّ مقاربات الرئيس حفلت بمجموعة واسعة من قيم الحداثة : الفكر المتجدد، والنقد البنّاء، المساءلة والرقابة، الضمير والوجدان، مواجهة أسباب المشكلات قبل نتائجها، العمل الجماعي، دور المؤسسات، عقلية وثقافة الدولة، العمل المؤسساتي، قبول الرأي الآخر، الديمقراطية " واجب علينا تجاه الآخرين قبل أن تكون حقا لنا "، نظافة المؤسسة القضائية، احترام القانون، تأهيل وتدريب الشباب السوري، التخطيط . كل ذلك بهدف الوصول إلى دولة ومجتمع " نوعيين "، ومتابعة بناء سورية عصرية متقدمة، انطلاقا من عدم الرضى عمّا نقوم به " كي يبقى هناك دافع للمزيد من التطوير " .

وتكمن أهمية القيم والأهداف، التي أعلنها الرئيس بشار الأسد، في الدور الهام الذي تلعبه مؤسسة الرئاسة في الجمهوريات الرئاسية عامة، وفي الحياة السياسية السورية منذ سنة 1970 خاصة، حيث كان الرئيس محور قوة السلطة، وحيث جرى احتكار العمل السياسي من قبل سلطة الدولة . وعليه، وبالرغم من كل الحيوية التي تتمتع بها النخبة الوطنية السورية، بات الإصلاح صعب ومكلف ( ينطوي على مخاطر تمزيق الوحدة الوطنية وتسهيل التدخل الخارجي )، من خارج إطار السلطة، ذلك لأنّ المجتمع  بات شبه عاجز عن المبادرة إلى إطلاق سيرورة إصلاح وتحديث، فهو مغيّب عن الحضور الفعلي في الدولة، فلا وجود لمنظمات مجتمعية مستقلة فاعلة، ولا وجود لأحزاب معارضة علنية فاعلة، ولا وجود لصحافة حرة مستقلة، ولا انتخابات تعددية نزيهة .

ثم أنّ مقاربات العهد الجديد للعملية الإصلاحية لا تختلف - في الجوهر- عن التوجهات العامة لقوى الإصلاح والتغيير في المجتمع السوري، خاصة من حيث الأهداف . ولكنّ سلطة التسيير والتنفيذ يمكن أن تجهض / أو تعجّل عملية الإصلاح والتحديث، إذ تبين خلال السنوات الثلاث الماضية وجود " ديناصورات حقيقية متخشبة " تشكل عائقا موضوعيا أمام برنامج الإصلاح .

وهكذا، يبدو أنّ قدر الدولة السورية الحديثة، ذات البنيان المركزي الشمولي، أن تأتي مبادرة إعادة بنائها من المؤسسة الرئاسية . فما هي المعوّقات التي يمكن أن تعترض هذا المشروع الإصلاحي ؟ .

لقد وصّف الرئيس بشار الأسد، في أحاديثه العديدة، المعوّقات التي يمكن أن تعترض مشروع الإصلاح والتحديث بأنها موضوعية " لها علاقة بالمفاهيم الموجودة في مجتمعنا... أتت من خلال تراكم مفاهيم معينة عبر التاريخ  "، وغير موضوعية " غالبا ما ترتبط بالأشخاص، ببعض الانتهازيين... الذين يعرقلون عملية التطوير... يقفون في وجهها، ببعض الذين ليس لهم مصلحة بالتطوير، ببعض الذين يقفون في وجه التطوير عن غير قصد... كأن يكون هناك إنسان مهمل أو لا يحترم القانون أو لا يمتلك ذهنية التطوير " . وعندما سئل عن من يكون هؤلاء ؟، أجاب أن جزءا كبيرا منهم موجود في المؤسسات " ... منهم من يعرقل العمل عن جهل ومنهم من يعرقله عن قصد " . وأشار إلى أنّ عملية التطوير هي " محصلة بين الدفع إلى الأمام والشد إلى الخلف " .  ووعد بالتعامل مع هذه المعوّقات، إذ أنّ الحالتين الموضوعية والذاتية " هما بحاجة لعمل اجتماعي- ثقافي لكي نطور المجتمع ونهيء الأرضية والقاعدة للوصول للديمقراطية المطلوبة " .

ولاشك أنّ الرئيس قد هوّن كثيرا من المعوّقات الذاتية " غير الموضوعية "، فعلى امتداد عدد من السنين هيمن نمط من الأجهزة الأخطبوطية على مجمل نواحي الحياة السورية، بحيث تم ابتلاع كل المظاهر الأولية لوجود المجتمع المدني السوري . بل أنّ المجتمع السياسي نفسه لم ينجُ من سيطرة هذه الأجهزة، حيث " قُضمت " الدولة وأُرغمت على إخلاء الساحة لـ " الدولة الأمنية "، مقابل " أمن الدولة " .

وعلى ضوء ذلك، فإنّ الرئيس مهدد باستمرار الحصار داخل قصور السلطة وتقارير الأجهزة الأمنية والقوى النافذة، مما يمكن أن يهدد مشروع الإصلاح والتغيير، ويعزل الرئيس عن حقائق الحياة السورية والإقليمية والدولية، ويحاصر آمال الناس بإعادة بناء الدولة الوطنية السورية الحديثة على أسس الحق والقانون والمواطنة . وستظل هذه القوى أسيرة العادة والتخوّف من مخاطر التجديد، كما ستستمد المزيد من قوتها " من تردّد قوى الإصلاح ومن تطرف بعض أوساط الرأي الآخر" .

ولكن، في المقابل، هناك أوساط في السلطة والحزب الحاكم والأجهزة الأمنية تناغمت مع البرنامج الإصلاحي للعهد الجديد، تعترف بالآخر، وتطمح إلى تعددية سياسية فعلية تضمن الاستقرار، ولعل تقدم عملية الإصلاح والسلوك المرن للرأي المعارض يزيلان محاذيرها .

ويبقى القول أنّ مصير مشروع إعادة بناء الدولة الوطنية السورية الحديثة مرتبط بـ " أزمة التطبيق "، إذ أنّ كل القوانين والإجراءات والتدابير التحررية تواجه المقاومة والتأجيل والإعاقة عند التنفيذ، أو تنفّذ على نحو بيروقراطي وبطيء وخالٍ من حيوية التغيير، لا بل يترافق تنفيذها أحيانا مع نية إبطال مفعولها . فثمة أمثلة عديدة عن دور الانتهازيين والمنافقين والمتملقين في تخريب تجارب بدأت مفعمة بأمل التغيير، فجرفها هؤلاء نحو عكس رهاناتها . إنّ الإصلاح والتحديث لا يحتاج فقط إلى إصدار مراسيم وقوانين، توصف من قبل المتملقين بأنها " عطايا الرئيس "، بل يحتاج أيضا إلى من يفعّل هذه القوانين ويضعها في حيّز التنفيذ . لقد علمتنا التجربة أنّ شيوع الفساد والبيروقراطية واللامبالاة بمصالح الناس لدى الجهاز الإداري التنفيذي من العوامل التي تبث اليأس عند الناس وترفع درجة السخط بينهم . وتشكل الرقابة المجتمعية، التي تتحقق في ظل الديمقراطية ووجود منظمات مستقلة للمجتمع المدني، والمساءلة القانونية ضمانتين مهمتين لحصار الفساد ومحاسبة المسؤولين عنه، كما تشكلان ضمانا أساسيا لحسن أداء تنفيذ القوانين التحررية والنزاهة في العمل، وهو الأمر الذي يحقق ظروفا أفضل لتنفيذ الإصلاح الاقتصادي، ومن ثم توفير الأمل لدى الناس في إمكانية تغيير أحوالهم المعيشية نحو الأفضل .

 فهل نعتبر ونضمن نجاح رهاناتنا المستقبلية من خلال بناء دولة الحق والقانون باعتبارها المدخل الأساسي لكل إصلاح اقتصادي واجتماعي ؟ .

لاشك أنّ تحديد الأولويات ومراجعة الأهداف المزمع تحقيقها ضرورة ملحة في سورية العهد الجديد، ليتم التركيز على متطلبات الإصلاح والتحديث وتكريس القواعد الديمقراطية وبناء المؤسسات الدستورية ومعالجة المشاكل المعيشية وتحديث الهياكل والبنى الاقتصادية والاجتماعية، وتحقيق التنمية والارتقاء بمستويات القدرة السورية على الانفتاح على العالم، والتعامل معه من موقع الشراكة المتكافئة، في ظل توجهات العولمة التي لم يعد هناك مجال لتجاهل آثارها السلبية والإيجابية على كل بلدان العالم .

وفي هذا السياق يبدو أنّ جوهر إشكالية الإصلاح والتحديث في سورية يتمثل باعتقاد المشروع الرئاسي بأولوية الإصلاح الإداري والاقتصادي وتأجيل الإصلاح السياسي . فبالرغم من اعتراف المشروع بالترابط بين الميادين الثلاثة إلا أنه يرجئ الميدان السياسي، بما فيه بناء مؤسسات المجتمع المدني، إلى مرحلة أخرى . فهل يستقيم المشروع بمثل هذا الاختيار للأولويات ؟ ألا نعتبر من تجارب غيرنا من الأقطار العربية في هذا المجال ؟ هل تمكّننا تحديات التحولات الجيو – استراتيجية واستحقاقاتها في المنطقة من النجاح في الميدان الاقتصادي بمعزل عن الإصلاح السياسي ؟ .

إنّ آليات السيطرة التي تكونت منذ سنة 1963 شكلت الغطاء للفساد العام والركود الاقتصادي على مدى سنوات عديدة، كما أعاقت إمكانية التعامل العقلاني مع الموارد الاقتصادية والبشرية السورية، وعطّلت انطلاق مبادرات المجتمع السوري الذي يتميز بالحيوية، وبالتالي أدت إلى الأزمة المعيشية لقطاعات واسعة من الشعب السوري . وبما أنّ هذه الآليات قد تولدت عن البنية الشمولية للدولة السورية، فمن الطبيعي أن يكون الإصلاح شاملا لكل ميادين الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية بتناغم واضح فيما بينها، ومن المؤكد أنّ المدخل إلى ذلك هو الديمقراطية باعتبارها " نظام مؤسسي لإدارة تعددية المجتمع المدني، ووسيلة لإدارة التعدد بواسطة مؤسسات متعاقد عليها " .

لقد كان غياب الديمقراطية عن الحياة السياسية والاجتماعية السورية العثرة الكبرى أمام بناء الدولة الحديثة، والثغرة الأساسية في عدم تقدم البنى الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية السورية . ولعل مسألة الديمقراطية هي من أهم الدروس التي يمكن أن نستخلصها، فقد أدى إضعاف دور المواطن وتقليص المشاركة الحقيقية في العملية الإنمائية إلى ضعف الإنجازات التنموية الحقيقية، إذ أنّ التقدم الشامل لا يمكن تحقيقه واستمراره في ظل غياب الإصلاح السياسي، والاستناد إلى قاعدة ديمقراطية أوسع وتمتع فعال بالحريات السياسية والفكرية .

ومن أجل ذلك، تبدو الديمقراطية في رأس أولويات التحديث السوري، فالإصلاح ونجاحه يستدعي مقولات جديدة : المجتمع المدني، الدولة الحديثة، المواطنة . وتبدو أهمية ذلك إذا أدركنا أننا، بشكل عام، لا نملك لغة سياسية حديثة، منظمة وممأسسة، في بنانا السياسية والثقافية، إذ بقينا خارج تسلسل وتاريخ التقدم الإنساني، فماضينا ما زال ملقى على هامش حاضرنا، بل يهدد مستقبلنا .

إنّ نجاح مشروع الإصلاح والتحديث مرتبط بإجراء إصلاح سياسي شامل، مقدماته الضرورية تقوم على إلغاء كل القيود على الحريات الديمقراطية، وتقوم أيضا على الدعوة إلى استقلال القضاء وسيادة القانون، إضافة إلى كل أسس النظام الديمقراطي، بما يضمن قيام دولة حق وقانون قوية .

وإذا كان من الطبيعي أن يخضع الاقتصاد السوري لتأطير معين يحدد اتجاهات الأداء الاقتصادي في السنوات القادمة، فإنّ الضرورة تقتضي دعوة الفعاليات الوطنية المختلفة للمشاركة في الحوار حول الآفاق القادمة، وعدم الاقتصار على مجموعة محدودة من المستشارين، بهدف الوصول إلى أفضل الخيارات الممكنة . ذلك أنّ المسألة الاقتصادية مرتبطة بمجموعة واسعة من المكوّنات : التنموية، والإدارية، والتشريعية، والاجتماعية، والرقابية، والسياسية .

إننا ندرك أنّ السؤال الاقتصادي يفرض حلولا ليست سهلة، خاصة في زمن العولمة التي باتت تفرض خيارات محددة (الخصخصة، وإعادة الهيكلة، واقتصاد السوق، وتحرير الأسعار، وحرية التجارة...)، وما يمكن أن يثيره ذلك من مشكلات تطال آليات السيطرة المتوارثة منذ عقود، كما تطال قطاعات اجتماعية واسعة مهددة بالبطالة والتهميش .

وفي كل الأحوال، وطالما أنّ كرامة وحرية الإنسان هي التي تشكل أساس تطور أي مجتمع، فإنّ الرقابة المُمَأسسة، التي تمكّن من وضع الإنسان المناسب في المكان المناسب، تشكل أحد أهم الشروط لتحقيق التقدم الاقتصادي، حين تفرض التنظيم العقلاني لعملية الادخار والتراكم وجذب الاستثمارات الوطنية والعربية والأجنبية .

 

تونس في 23/5/2004                      الدكتور عبدالله تركماني

                                         كاتب وباحث سوري مقيم في تونس