الإصلاح وإشكالية بناء الدولة الوطنية السورية الحديثة

في ضرورة الإصلاح والتحديث وإعادة بناء الدولة (1)

الدكتور عبدالله تركماني

بالرغم من مظاهر الحيوية والتفتح التي أظهرتها النخب الثقافية والسياسية السورية منذ خطاب القسم الرئاسي في العام 2000، فإنّ التوقعات المستقبلية لبرنامج الإصلاح والتغيير تتقاسمها نزعات الأمل والقلق في آن واحد . فهل ما تشهده سورية هو مجرد تدابير محدودة ومؤقتة، أم أننا أمام منهج تغيير متماسك صادر عن رؤية عميقة للتحديات التي تواجه سورية والأمة العربية وكيفيات التعامل معها ؟ .

لقد استقر الفكر الإنساني على وجود ترابط عضوي بين التنمية الاقتصادية- الاجتماعية المستدامة والديمقراطية وحقوق الإنسان، وكذلك على العلاقة المتبادلة التي لا تقبل التجزئة بين مجموعة فئات الحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية . إلا أنّ الأساس في هذا الترابط هو قيام الحكومات الحديثة على منظومة ثلاثية لحقوق الإنسان والتعددية السياسية والفكرية والمشاركة السياسية، بحيث تبدو الحقوق مبادئ موجهة والتعددية أطرا تنظيمية والمشاركة ممارسة عملية للحقوق والواجبات . وبذلك تنطوي الحياة المعاصرة على أكثر من دلالة حقوقية وسياسية تشكل، في وجه من وجوهها، فلسفة قوامها الإنسان الذي يتعين تحريره من الظلم والاستبداد والخوف، وهدفها ضمان الحرية والمساواة والتضامن، وأداتها إرساء دولة الحق والقانون في تناسق مع المجتمع المدني الهادف إلى ضمان الأمن والاستقرار والرخاء لأبنائه .

إنّ إنجاز الإصلاح والتحديث، في كافة البنى الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية، بات ضرورة للتمكن من التعاطي المجدي مع العالم المعاصر طبقا للمصالح الوطنية السورية العليا . ولعل البرنامج الرئاسي يساعد على الخروج من خيارات الماضي، الذي يفتقد حرارة التواصل مع الحاضر والمستقبل، إلى خيارات المستقبل التي تفتح الأفق أمام انطلاق مبادرات كل مكوّنات الشعب السوري . إذ أنّ أغلب الإجراءات والتدابير التي اتُخذت - حتى الآن - تشكل مؤشرات تدعو إلى التفاؤل النسبي بإمكانية دخول سورية في مرحلة انتقالية نحو الإصلاح والحداثة الضروريين .

إذ تؤكد كل المعطيات المتوفرة على الحاجة السورية الماسة إلى الإصلاح الشامل، فالنمو الديمغرافي هو من النسب الأعلى في العالم (يتراوح بين 2.4 إلى 2.5 %)، بينما النمو الاقتصادي مازال منخفضا . وتتميّز البنية السكانية السورية بغلبة الشباب (أكثر من 60% من مجموع السكان دون سن الـ 25 سنة)، وأكثر من 600 ألف عاطل عن العمل، و250 ألف فائض عن العمل في دوائر ومؤسسات الدولة، وما بين 200 إلى 250 ألف طالب عمل سنويا (بلغ عدد المكتتبين على العمل خلال بداية عام 2003 في مكاتب التشغيل 860 ألف مكتتب على فرصة عمل وزاد عدد العاطلين عن العمل إلى 850 ألف عام 2002،  بينما كان 500 ألف عاطل عن العمل عام 2001) .

 يضاف إلى ذلك أنّ متوسط الدخل الفردي (يبلغ متوسط دخل الموظف السوري حدود 120 دولار شهريا، وهو لا يكفي الاحتياجات المطلوبة للغذاء فقط لأسرة مكوّنة من خمسة أفراد) يقل عن مثيله في الدول المجاورة، ويزداد أثر ذلك بسوء التوزيع، إذ تشير المعطيات المتوفرة أنّ 5% من السكان يتمتعون بـ 50% من الدخل الوطني، وهم " لا يحصلون على هذه الحصة لدورهم في الإنتاج الاجتماعي، بل لمواقعهم في مراكز القرار أو قربهم من هذه المواقع " . وتشير معطيات هيئة الأمم المتحدة عن التقدم البشري في العالم أنّ 60 % من المواطنين السوريين يعيشون في حدود خط الفقر(أي من دولار واحد إلى دولارين في اليوم)، وأنّ 25 - 27 % يعيشون تحت خط الفقر (أي بأقل من دولار في اليوم) .

كما أنّ أغلب المؤسسات السورية تعاني من الترهل والتسيّب والركود، بحيث لا يمكن أن تشكل حاملا مؤتمنا على مشروع الإصلاح والتحديث، خاصة أنّ بعضها قد تحوّل إلى مؤسسات وجاهية وبيروقراطية، بما فيها العديد من المنظمات الشعبية والتمثيلية، لا تتوافق مع أي مشروع جدي للتحديث . أو ليس أمرا يدعو إلى الدهشة والتساؤل أنّ ما نسبته 70% من الطلاب السوريين في الخارج لا يعودون أبدا ؟!، وأنّ شابا سوريا متخرجا من الجامعة يقول  " أتمنى السفر والهجرة، أتمنى إن سافرت ألا أعود، لا يوجد أمل هنا، أنا أعرف كيف تجري الأمور هنا، أشعر أنّ البلد ليس لنا، صارت لأبناء المسؤولين، لقد أخذوا كل شيء، وإذا ما أراد أحد أن يبدأ بمشروع فهم يطالبونه بنصف الأرباح، إننا نعيش في غابة..." ؟! .

ومردُّ كل ذلك هو النظام الشمولي الذي حكم البلاد والعباد، والذي تميّز بالتماهي بين الدولة والسلطة والمجتمع والحزب، واندمجت كلها في شخصية الحاكم، بعيدا عن أية مؤسسات رقابية حقيقية، بل بوجود مراتبية تلعب فيها الأجهزة الأمنية الدور الأهم في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، تقرّب أهل الولاء وتنفّر أهل الكفاءة . ففي مثل هذا النظام كان من الطبيعي أن تغيب دولة الحق والقانون، خاصة عندما أصبحت حالة الطوارئ والأحكام العرفية، التي تكون مؤقتة في العادة، حالة دائمة منذ العام 1963 . وقد تولّد عن ذلك حالة خوف في علاقة الناس بالسلطة، وفي علاقتهم ببعضهم البعض .  

إنّ الوضعية، الموصوفة أعلاه، لا تحتمل تأجيل إعادة بناء الدولة الوطنية السورية الحديثة، تحت أي شعار، إذا ما أريد لتيار التجديد أن يأخذ مداه . ولاشك أنّ أغلب النخب السورية، خاصة ذوي النزعات القومية واليسارية والإسلامية، قد أهملت موضوع بناء الدولة، حين اعتبرت نفسها طليعة الأمة والطبقة العاملة والجماعة، فلم تبالِ بأهمية أن تكون الدولة ميدان الجميع لإدارة السياسة والشأن العام بشكل ديمقراطي من خلال التداول على السلطة طبقا لانتخابات نزيهة . 

لقد ورث الرئيس الدكتور بشار الأسد تركة ثقيلة : دولة متأخرة، ونفوذ جماعات تتسلط على مصالح البلاد والعباد، وحزب ومنظمات شعبية وأحزاب مشاركة مترهلة تبحث قياداتها عن مصالحها الذاتية، وإدارة اقتصادية غير حكيمة في إدارة الموارد بشكل عقلاني لإنتاج عناصر تطوير وتعظيم لها، وسجل حافل بانتهاكات حقوق الإنسان ... الخ . وعليه، فإنّ المواجهة الشاملة لهذه المشاكل والأوضاع الموروثة شرط ضروري لنجاح مشروع الإصلاح والتحديث وإعادة بناء الدولة، ولن يتم ذلك إلا بالنظر إلى هذه التركة نظرة نقدية موضوعية، وبأخذ مسافة عنها، على اعتبار أنّ الرئيس ليس مسؤولا عن سلبياتها وخطاياها . إضافة إلى أنّ التحديث مفهوم شامل لإدارة الدولة ككل، سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وثقافيا، فلذلك فإنّ الإصلاح الاقتصادي والإداري على أهميته لا يكفي، بل لا يمكن أن ينجح بدون إصلاح سياسي شامل .

لاشك أنّ تحديات الحاضر والمستقبل أكثر تعقيدا من تحديات الماضي، فلم يعد في عالم اليوم ممكن البقاء بعيدا عن ثورة العلم والتكنولوجيا والاتصال والمعلوماتية والديمقراطية وحقوق الإنسان، فالعولمة الزاحفة لن تترك أحدا خارجها إلا للتهميش . فهي " مرحلة جديدة من مراحل بروز وتطور الحداثة، تتكثف فيها العلاقات الاجتماعية على الصعيد العالمي، حيث يحدث تلاحم غير قابل للفصل بين الداخل والخارج، ويتم فيها ربط المحلي والعالمي بروابط اقتصادية وثقافية وإنسانية " .

 لقد وصّف الرئيس بشار الأسد الواقع الراهن بقوله : " إنّ واقعنا الحالي يشكل أرضية ليست ملائمة تماما لدخول القرن الجديد الذي هو قرن المؤسسات والتقنيات "، وعليه فإنّ سورية لم تعد تستطيع البقاء طويلا بعيدة عن روح العصر . وواقع الحال يطرح السؤال الجوهري التالي : كيف نهيء أرضية داخلية صلبة قادرة على التعامل مع معطيات وتطورات العالم المعاصر لتأمين مصالحنا الوطنية والقومية من خلال التكيّف الإيجابي مع متطلباته ؟ .

إنّ مجابهة أخطار وتحديات العولمة، وكذلك اقتناص فرصها، لا يتأتى من التنديد بها واعتبارها خطرا خارجيا داهما، بل بالبحث عن أسباب ضعفنا الداخلي ومعالجته جديا للنهوض بالقدرات الكامنة إلى مستوى التطورات الجديدة والتعامل معها على أساس من التكافؤ والاقتدار في الميادين المختلفة . مع العلم أنّ مصدر القوة الحقيقية لأية دولة هو التناغم والتكامل والتوازن، وليس الخلط كما فعل السيد الرئيس مؤخرا، بين سلطة الدولة ومجتمعها المدني . فالتحدي هو إخراج المواطنين من حال اللامبالاة ومن حال التهميش، بإعادة الأمل إلى قلوب الناس وبصائرهم، حين يدركون أنّ التغيير ليس ضروريا فحسب بل هو ممكن وواقعي .

إنّ صياغة معادلة جديدة في الحياة الداخلية تأخذ بعين الاعتبار تعاظم التحديات، في ظل علاقة بين السلطة والمجتمع قائمة على القناعة والثقة والتفاعل الحر، علاقة مقننة في إطار عقد اجتماعي جديد يوفر الشفافية والمؤسسية والقانون، هي وحدها الكفيلة بوضع سورية على أولى درجات الإصلاح والتحديث المنشودين، وإلا فإننا أمام حالة إعادة إنتاج الماضي بكل مآسيه، خاصة إذا بقيت بنية الاستبداد موجهة لمجمل توجهاتنا .

 

تونس في 23/5/2004                      الدكتور عبدالله تركماني

                                         كاتب وباحث سوري مقيم في تونس