الصحافة السورية، بين حالة الطوارىء وقانون المطبوعات الجديد....

 

  أكرم البني

 

لا يختلف المشهد الصحفي السوري تحت وطأة حضور تاريخي ومعلن لقانون الطوارىء والأحكام العرفية عنه بعد صدور قانون المطبوعات الجديد، فكلاهما منح السلطات التنفيذية الحق الكامل في التدخل دون إذن أو اعتبار لأحد، بكل شاردة وواردة في حركة النشاط الإعلامي ووسائله، وكلاهما يعمل من حيث الجوهر على تسخير الصحافة ووسائل الإعلام والنشر لتسييد أفكار النخبة الحاكمة ومفاهيمها السياسية والإيديولوجية وضمان سيطرتها التامة على صناعة الرأي العام والوعي الشعبي.

يمكن تكثيف مبادىء سيطرة السلطات الحاكمة في سورية على للنشاط الصحفي والإعلامي بما يلي :

أولاً، احتكار الدولة لوسائل الإعلام كافة وإلغاء حق تملك الصحف إلا للسلطة ومن تراه أهلاً للالتزام بمواقفها وخطوطها الحمر.

ثانياً، سيطرة الدولة على منافذ البيع وتوزيع الصحف والمجلات ومؤسسات الإعلان، وفرض رقابة مشددة على دور النشر والمطابع الخاصة.

ثالثاً، ممارسة رقابة صارمة على الجرائد والدوريات والمجلات الخارجية ومنع بعضها من الدخول المؤقت أو الدائم عندما تتعارض مع مواقف الحكومة أو تنشر ما يفسر أنه انتقاد لسياساتها.

رابعاً، الاعتماد على مبدأ الإعلام الموجه ورفده بقوى وامكانات متميزة وإصدار صحف رسمية أحادية الخطاب ودوريات تشرف عليها قيادة الحزب ومؤسساته.

في ظل حالة الطوارىء السارية المفعول منذ عقود يمكن أن تلاحظ أن الصحافة السورية محكومة في كل لحظة من لحظات حياتها بإرادة السلطات التنفيذية وحقها في التدخل لتقرير كل شيء حتى أدق التفاصيل، وقد سارعت السلطات فور إذاعة البلاغ رقم / 2 / عام / 1963 / القاضي بإعلان حالة الطوارئ والأحكام العرفية الى إصدار الأمر العرفي رقم / 4 / الذي يقضي بإغلاق جميع الصحف والمجلات ووقف العمل بقانون المطبوعات الذي  صدر بعد الاستقلال بالرقم / 35 / لعام / 1946 / ، وبمنع الترخيص لأية صحيفة أو مجلة، ومصادرة جميع أدوات الطباعة وحجز الأموال المنقولة وغير المنقولة لمالكي المطابع ودور النشر.

وبموجب قانون الطوارىء والأحكام العرفية يمكن للحاكم العرفي أو نائبه أن يقرر ما يراه مناسباً من قيود على حرية الأشخاص في الاجتماع والإقامة والتنقل والمرور, كما يملك الحق التام في مراقبة الرسائل والمكالمات الهاتفية أياً كان نوعها، وأيضاً مراقبة الصحف والنشرات والمؤلفات والرسوم والمطبوعات والإذاعات وجميع وسائل التعبير والدعاية والإعلان قبل نشرها..الخ وهذا ما تنص عليه صراحة الفقرتان أ و ب من المادة / 4 / من قانون الطوارىء السوري !!..

استخدمت هذه الصلاحيات الواسعة للقوانين الاستثنائية ليس فقط في تصفية الخصوم السياسيين وحرمان القوى المعارضة من حقها الطبيعي في الوجود والتنظيم وإنما أيضاً  في فرض احتكار تام على ممارسة النشاط السياسي أو الإعلامي لصالح حزب واحد أو ائتلاف حزبي يقوده الحزب ذاته، وتم تسويغ الأمر، مرة تحت ذرائع الوحدة الوطنية وحماية الاستقرار ومواجهة أعداء الوطن من إمبرياليين وصهاينة، ومرة بأن النخبة الحاكمة هي الطرف الوصي على مجتمع قاصر ودون سن الرشد بل هي المرجع الوحيد القادر على التمييز بين الخير والشر ومعرفة ما يضر الناس أو ينفعهم، وما يعني ذلك من تنكر لمفاهيم الاختلاف والتباين والصراع والنقد والمواجهة، وحتى لطرح الأسئلة أو إبداء الشك والريبة، ومقاومة أو قمع أي امتعاض أو استنكار أو رفض.

اللافت أن سقوط الكتلة الشيوعية وتقدم مفاهيم العدالة والديمقراطية وحقوق الإنسان ومن ثم تطور الاتصالات ونمو وسائل الإعلام والقنوات الفضائية وجرائد الانترنيت وارتفاع الأصوات الداعية إلى رفع قانون الطوارئ وإلغاء الأحكام العرفية والى إعادة تفعيل هيئات المجتمع المدنية، كل ذلك أكره النظام الحاكم على مراجعة حساباته في محاولة التكيف مع المتغيرات المجتمعية والعالمية وشهدنا في بحر السنوات القليلة المنصرمة تكرار التصريحات الحكومية عن الاصلاح والتغيير أو التحديث والتطوير أو الراغبة في تحجيم حالة الطوارئ والأحكام العرفية والحد من دورها في الحياة العامة.

 لكن للأسف يبدو أن عقلية الماضي النافذة لا تطمئن إلا للأساليب الأمنية القديمة في السيطرة، فبقيت التصريحات ودعوات الاصلاح مجرد كلام، وعرفنا في سورية " آلية ذكية "  للحفاظ على حضور قانون الطوارىء ودوره في الحياة العامة سماها أحد المحامين، وناشط في مجال حقوق الانسان، بطورأة القوانين، أي إعادة بناء القوانين العادية وصوغها على صورة الشروط والحيثيات والعقوبات الواردة في قانون الطوارىء ذاته!!.

من هذه القناة يمكن النظر الى قانون المطبوعات السوري الذي صدر في أيلول بالمرسوم التشريعي رقم / 50 / عام / 2001 /، والذي يعتبر بمثابة قانون للعقوبات على الصحافة وحرية القلم كما أشار أحد الصحفيين، أو " انه كتب في مخفر للشرطة " كم علق آخر!! بعد أن تبين دوره في تكريس الواقع الصحفي البائس حقوقياً, وفي إخضاع النشاط الإعلامي والصحفي قانونيا للاشتراطات العملية ذاتها التي تكبل حرية الرأي والتعبير والنشر، مقيداً الكتاب والمبدعين الى سلاسل جديدة من الممنوعات والمحظورات، ومطلقاً يد السلطة للتحكم بكل شاردة وواردة في مجرى النشاط الإعلامي!!.

فقانون المطبوعات والقرارات المكملة له تم تفصيلها على مقاس النخبة الحاكمة مؤكداً استمرار احتكارها للفضاء الإعلامي، واضعاً الكثير من الحواجز والعراقيل التي تحجب حقوق الرأي والتعبير والنشر وتلتف على بعض المبادىء الواردة في الدستور السوري أو في المواثيق والاتفاقات الدولية لحقوق الانسان. أهمها استمرر ملكية الدولة لمعظم وسائل الإعلام وفرض رقابة شديدة على ما يخرج من قبضتها، وثمة محرمات أساسية أو خطوط حمر يجب عدم المساس بها تصل في بعض الأحيان الى تحطيم جوهر الصحافة ودورها النقدي، كما يفرض قيوداً على النشر ويراقب بتدقيق غريب كل الكتب والصحف والمطبوعات الواردة من الخارج ليحجب بعضها تماماً ويمنع تداول بعضها الآخر من التداول، ولنا في سورية خير أمثلة على مثل هذه الظواهر في إغلاق صحيفة الدومري بعد ترخيص لم يدم طويلاً وفي استمرار دور الرقيب اللدود على صحافة الحلفاء في الجبهة الوطنية التقدمية وأيضاً حصار منتديات الحوار وإغلاق معظمها والتضييق على الأنشطة الثقافية الأخرى في رقابة قاسية على الإبداعات المختلفة من شعر وقصة ورواية.

فمن زاوية الحق في إصدار الصحف أو تملكّها، يعمم القانون ملكية الدولة لمعظم وسائل الإعلام ولا مانع من  تلطيف هذه الملكية ببعض الصحف الخاصة المشروطة بالمادة رقم /129 /  الفقرة  /19/ التي تمنح رئيس مجلس الوزراء الحق الكامل في قبول أو رفض منح الرخصة للمطبوعة الدورية لأسباب تتعلق بالمصلحة العامة يعود تقديرها إليه ودون إبداء أسباب الرفض أو القبول، ولا يحق لطالب الرخصة الاعتراض أو إقامة دعوى، كما لا يحق له تقديم طلب جديد قبل مضي سنة على الرفض، ما يعني أن منح الرخصة أو حجبها أصبح أمراً استثنائيا وحكراً على شخص واحد هو رئيس الوزراء!!. ثم ما يلفت النظر هو اقتصارهذا الترخيص على المطبوعات والصحف وعدم ذكر وسائل الإعلام الأخرى من إذاعة وتلفزيون, ما يعني إصرار السلطة على إبعاد هذه الأخيرة عن حيز المناقشة والقوننة، واعتبارها من المحرمات التي لا تقبل العرض والمشاركة!!.

أيضاً شكّل هذا القانون من زاوية العقوبات المنزلة استمراراً فعلياً  لشروط حالة الطوارىء وربما أشد وطأة، عقوبات واسعة وقاسية ترتهن لتعبيرات مطاطة وغير واضحة, بدءاً من رفع سقف مدة السجن إلى ثلاث سنوات بعدما كانت سنة واحدة, ورفع سقف الغرامات المالية إلى مليون ليرة سورية بعدما كانت ألف ليرة, وعقاب على نشر دورية غير مرخصة بالحبس لثلاثة أشهر, وحظر على الدوريات غير السياسية نشر مقالات سياسية تحت طائلة السجن. كما وضع نظام رقابة صارما وشديدا , وألزم الصحف بتسليم نسخ عن المطبوعات قبل نشرها. ووضع قيودا كبيرة على حركة الصحفيين وإمكانية معالجة موضوعاتهم بمواد يمكن شدها وتبديل قياسها حسب ما تراه السلطة مناسبا لإيقاع من تريده تحت طائلتها، كتعبير الأخبار غير الصحيحة – أو أخبار تمس الأمن الوطني – أو أخبار تلحق الضرر بالاقتصاد وسلامة النقد- أو النيل من هيبة الدولة ومس كرامتها – أو مس الوحدة الوطنية...الخ، وربما تقصدت السلطات هذه التعابير العامة والمبهمة وتهربت من التحديدات الدقيقة والواضحة لتقبل التأويل كما يرغب الطرف الحاكم، كأنها سيف مسلط على رقاب الصحفيين تهددهم بغرامات كبيرة وبالسجن لقاء أية هفوة!!.

ولا نحتاج الى كبير عناء كي نكتشف كيف تستطيع السلطات السورية توظيف بعض المواد لهضم الحقوق الصحفية ومحاربة الصحفيين مثل المادة رقم /29/ الفقرة / 5 / التي تحظر نشر المقالات والأخبار التي تمس الأمن الوطني ووحدة المجتمع!! كما المادة / 50 / والمادة / 51 / التي تفرض عقوبات شديدة على من يتعرض للأخلاق العامة، أو يقلق الراحة، أو يعكر العلاقات الدولية!! أو نقل الأخبار غير الصحيحة ونشر أوراق مختلقة أو مزورة، وتنص على معاقبة من يفعل ذلك بالحبس من سنة إلى ثلاث سنوات، وبالغرامة من خمسمائة ألف ليرة سورية إلى مليون ليرة سورية!! وتنص أيضاً بتنفيذ الحد الأقصى من العقوبتين معا إذا كان النشر أو النقل قد تم عن سوء نية أو سبّب إقلاقا للراحة العامة أو تعكيراً للصلات الدولية، أو نال من هيبة الدولة، أو مسّ كرامتها، أو مسّ الوحدة الوطنية أو معنويات الجيش والقوات المسلحة، أو ألحق ضرراً بالاقتصاد الوطني وسلامة النقد!!.

وبديهي أن هذه العموميات هي بمثابة فخ يمكنه أن يتصيد أياً كان وأية مطبوعة، وما سبق عرضه من عبارات فضفاضة قابلة لشتى التفسيرات توظفها للسلطة لاتهام أي صحفي أو كاتب بأنه ارتكب جريمة في إطارها ويعطي غموضها الفرصة لإحالة أية مطبوعة أو كاتب على القضاء وإلزام القاضي بالحكم على المطبوعة بالتوقف وعلى الصحفي بالسجن والغرامة؟!..

واليكم المادة رقم / 44 / الفقرة / د /  التي تمنع المطبوعة غير السياسية نشر مواضيع سياسية تحت طائلة العقوبة، إذ من المعلوم استحالة فصل المواضيع السياسية عن الاقتصادية أو الفكرية أو الدينية أو غيرها.، ومهما كان تخصص المطبوعة ومهما كانت مواضيعها وموادها يمكن للسلطات أن تفسر ما ينشر بأنه موضوع سياسي خارج اختصاصها وبالتالي تدان وتغلق!!. وأيضاً قضت المادة رقم / 22 /  الفقرة / 3 / بإغلاق الصحيفة إذا ثبت أنها تقاضت أموالا من جهات أجنبية أو شركات لقاء الدعاية لها أو لمشروعاتها كذا، أو إذا صدر بحقها حكمان جزائيان، دون أن تحدد أسباب هذه الأحكام الجزائية، والمفارقة أن القانون القديم رقم /35 / لعام / 1946 / كان ينص على توفر خمسة أحكام جزائية قبل الإغلاق ورغم ذلك تعرض في حينه وقبل خمسين عاماً للنقد والاحتجاج!!. فدعا البعض الى رفض إغلاق أية صحيفة مادامت تنفذ الأحكام الواقعة عليها وتتحمل أوزارها، وقال آخرون بزيادة عدد الأحكام الجزائية المهددة للإغلاق وحصرها بالأحكام الكبيرة التي تمس بأمن الدولة مثلاً أو تكون أسبابها نوعية وكافية لتبرير الحكم وبالتالي الإغلاق وليست أسباباً واهية تتعلق بأحكام جزائية تقنية وعارضة.

وأيضاً تهدد بالإغلاق أو بالإيقاف لمدد طويلة المطابع ودور النشر، حيث أباح القانون الجديد للسلطات الإدارية الرقابة التامة على أعمال المطابع والمكتبات ومؤسسات النشر والزمهم بإبراز الدفاتر والوثائق الموجودة لديهم دون أي قرار أو أذن قضائي، ومحاسبتهم على كل ما يعتقد أنه أخل بشروط حركة الإعلام والنشر، أو تجاوز السياسات المرسومة مركزياً!!.

أما بخصوص مراسلي الصحف العربية والأجنبية ووكالات الأنباء ومندوبيها فجاءت المواد الخاصة بمنح بطاقة عمل لهم مبهمة أيضاً وبلا ضوابط قانونية واضحة، ترتبط بموافقة شخص واحد هو وزير الإعلام دون وجود أية إمكانية للاعتراض على عدم منحها. كما ذهب القانون الى إخضاع كل ما ينقله هؤلاء المرسلون لضوابط صارمة، مما يبقي عوامل القلق والخوف حاضرة دائماً وتلقي بثقلها على كاهل المراسل الصحفي، فنشر أي خبر لا يرضي السلطات هو خلل نوعي يستدعى التوقيف والسجن ومن ثم الإحالة إلى محكمة استثنائية بكل ما تعنيه الكلمة من معنى إن لجهة أسباب ودوافع تشكلها أو لجهة الهامش الواسع لحركتها خارج الأنظمة والقوانين التي تحكم وتوجه قرارات القضاء العادي، كما حصل مع مراسل جريدة الحياة / ابراهيم حميدي / الذي لا يزال تحت سيف محكمة أمن الدولة العليا حتى يومنا هذا!!.

وإلى جانب الإجراءات البائسة التي يخضع لها المراسل لقاء الحصول على ترخيص أو موافقة رسمية ثمة صعوبات كثيرة تعترضه من أجل الوصول إلى المعلومة والخبر الصحيح، ففي مواجهة تقليد يعرفه العالم كله بأن الصحفي لا يسأل عن مصادر معلوماته سواء أكانت من مصدر مسؤول أم غير مسؤول ولا يعاقب بأية عقوبة إذا امتنع عن الكشف عنها، نصت المادة / 28 / من قانون المطبوعات على أن لا يسأل الصحفي عن مصادر معلوماته باستثناء ما يسنده لمصدر مسؤول، ولوزير الإعلام صلاحية سحب بطاقته الصحفية في حال امتناعه عن التعريف بهذا المصدر، زارعاً خوفاً مزدوجاً، في قلب أي مسؤول يرغب في الإدلاء بتصريح عن أي شيء وفي قلب المراسل الصحفي من الإشارة للمسؤول ما يبقي الخبر عائماً لا يستند الى مصدر وبالتالي يفقده المصداقية!!.

طبعاً، لم يتوقف الأمر عند بنود قانون المطبوعات حيث سارع وزير الإعلام الى إصدار القرار رقم / 297 / لعام / 2001 /  متضمنا التعليمات التنفيذية لقانون المطبوعات أو لنقل الاجتهادات الخاصة في تأويله، وجاءت التعليمات المذكورة لتضيف قيودا إضافية على إصدار الصحف. فبالإضافة إلى الاستمارات المستوجب تقديمها للوزارة وعدد النسخ لتوزيعها على الجهات الأمنية, حددت التعليمات المذكورة شروط إصدار الصحف السياسية بأن تكون من / 8 / صفحات من القياس الكبير أو / 16 / صفحة من القياس الصغير وأن تعين للعمل بها خمسة محررين وخمسة مراسلين بالإضافة لإلزامهم بالاشتراك لدى الوكالة الوطنية للأنباء ووكالة أنباء عربية ووكالة أنباء أجنبية وأن تصدر خمس مرات أسبوعيا على الأقل, ما شكل عبئا اقتصاديا إضافياً يتطلب امتلاك رأس مال كبير للتقدم نحو أي مشروع لإصدار صحيفة سياسية لا يمكن تعويضه بالدعايات الإعلانية، خصوصاً وأن التعليمات تلزم المطبوعات كافة بأن لا يزيد حجم الإعلان فيها عن ثلث المادة المنشورة في ظل سيطرة الحكومة على منافذ الإعلان وحصر المنح والعطاءات بيدها!!.

إن حالة الحصار المفروضة على الصحافة والإعلام في سورية لا تقتصر على حالة الطوارىء التي لا يزال شبحها مخيماً على المجتمع طالما لم يتم الإعلان رسمياً عن رفعها، ولا على ما تضمنه قانون المطبوعات الجديد من حواجز وعقوبات فثمة قوانين ومراسيم أخرى تمنع وتكبح أية محاولة لتحرير الإعلام ولو جزئياً من قبضة السلطة.

فقانون نقابة الصحفيين مثلاً يجبر العاملين في الحقل الصحفي على الانتساب الى النقابة والالتزام  بشروطها وأهدافها ومن خلال ذلك تستطيع القيادة التنفيذية حجب حق العمل الصحفي عن كل من يتجاوز الحدود المرسومة أو يخالف توجهات السلطة. وهنا ندرج المرسوم / 58 / لعام / 1974 / الذي قضى بإحداث نقابة الصحفيين وألزم كل المنتسبين إليها بالإيمان بها والعمل بموجبها تحت طائلة الفصل والحرمان من العمل الصحفيوخصوصاً لجهة النضال لتحقيق أهداف حزب البعث بالوحدة والحرية والاشتراكية ونشر الفكر القومي الاشتراكي!!. الى جانب عقوبات تصل إلى حد الفصل أيضاً للصحفي الذي ينشر ويزعزع ثقة الشعب أو يثير الغرائز التي تتعارض مع مصلحة المجتمع !! أو تصوير الواقع تصويرا غير أمين!!. وكلها تعابير مبهمة يمكن استخدامها لإلصاق تهمة بأي مقال أو تحقيق صحفي ووضع الكاتب تحت المساءلة القانونية، هذه المرة بملاحقة مهنية من نقابة الصحفيين ذاتها التي يفترض أن تقف في صف الصحفي تدافع عنه ضد من يحاول النيل من حريته وحقوقه!!. وما يزيد الطين بلة طرائق اختيار الصحفيين وتوظيفهم في الجرائد والمجلات المحلية والتي تعود الى علاقات متخلفة لحمتها الطاعة والولاء والاستزلام لا المقدرة والكفاءة، ما دمر العشرات من الصحفيين الأكفاء وقد حوربوا ومنعوا من الكتابة والنشر واضطروا الى البحث عن عمل آخر لتأمين حاجاتهم المعيشية، رغم نجاح بعض الأقلام التي وجدت فرصاً للكتابة والنشر في صحف ومجلات خارج البلاد .

ويندرج أيضاً، قانون المؤسسة العامة لتوزيع المطبوعات المحدثة بالمرسوم التشريعي رقم / 42 / لعام / 1975 /  ليحصر حق توزيع كافة المطبوعات في سورية بالمؤسسة المذكورة ويمنع أية صحيفة أو مطبوعة كانت أن تقوم بالتوزيع بنفسها تحت طائلة المسؤولية والعقاب!!. ولضمان سير عملية التوزيع على هوى ورغبات المسؤولين  يشكل مجلس إدارة هذه المؤسسة من معاون وزير الإعلام ومندوبين عن وزارة الثقافة واتحاد الكتاب واتحاد الصحفيين ودار البعث والإدارة السياسية وخبير يسميه وزير الإعلام بما يعني سيطرة السلطة والحزب على هذه المؤسسة سلطة رقابية محكمة وليتحول بالتالي الى ما يشبه أداة ضغط اقتصادي على الصحف الداخلية والخارجية, حيث أعطى النظام الداخلي للمؤسسة المذكورة صلاحية تحديد عدد النسخ الموزعة وأعفاها من إعادة المرتجع للمصدر, كما أفقد مالك المطبوعة حق الرقابة على نسب البيع, وأعطى للمؤسسة حقوقا مادية مقابل التوزيع تصل إلى نسبة / 30 / بالمائة بشكل إلزامي.

وكمثال ألزمت المؤسسة المذكورة جريدة " الدومري " بعدم توزيع إلا / 14000 /  نسخة فقط بعد أن كانت توزع حوالي / 40000/ نسخة, ما شكل خنقا اقتصاديا لها بحرمانها من نسبة بيع كبيرة لتغطي تكاليف الطباعة والنشر.

 من ثم نصل الى دور المؤسسة العربية للإعلان والتي تحتكر حقل الترويج الإعلاني في سورية, ما جعل منها أداة تتحكم بمصير الصحف والمجلات الخاصة فتمارس دور الترغيب بإعطاء إعلانات لهذه المطبوعة والترهيب بحرمان تلك، بالإضافة الى أنها الطرف الوحيد الذي يحدد رسوم الإعلان ويتقاضى نسبة كبيرة من قيمته!!.

ويمكن أن نضيف هنا قرارات مؤتمرات الحزب الحاكم ودورها المكمل لإحكام السيطرة على الإعلام، فقرر المؤتمر الخامس مثلاً  مبدأ مركزية الإعلام, وجاء المؤتمر السادس ليؤكد على دور الإعلام الملتزم على كافة المستويات والمجالات، واحتكرت سلطة الحزب الواحد كافة المؤسسات الإعلامية لتديرها مركزياً، كمؤسسة الوحدة, والبعث, والوكالة العربية السورية للأنباء ، وسانا، وتشرين, ومعهد الإعداد الإعلامي, والهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون، كي تخدم جيداً القرار رقم / 29 / للمؤتمر القطري حول الإعلام الموجه والملتزم : "  بضبط لحركة الإعلام الجماهيري ضمن اطار أهداف ومبادىء الحزب الملتزمة بقضايا الجماهير والشعب ... وأن تلتزم هذه الأجهزة بتوجيهات قيادة الحزب في توجيه الرأي العام نحو ما يخطط وما يرسم وما يعمل له الحزب " !!..

وكتحصيل حاصل يمكن القول أن ليس ثمة صحافة حرة في سورية أو غير منضبطة بتوجيهات وقرارات القيادة أو التي يمكن أن تحمل رأياً مخالفاً لا يتوافق مع رأي السلطات الحاكمة، وما تعرفه البلاد هو حزمة من الصحف والمجلات الرسمية المركزية والفرعية تغطي شرائح المجتمع كافة بحيث لا تبقى مساحة ضائعة وغائبة عن خطاب الحزب الحاكم.

 فإضافة الى الصحف الرسمية الثلاث، البعث وتشرين والثورة، التي تصدر يومياً والصحف اليومية الخاصة بالمحافظات، ثمة مجلة الطليعي لأطفال المرحلة الابتدائية (وللعلم رفضت الحكومة مؤخراًً خمسة طلبات للترخيص لمجلات تهتم بالأطفال!! ) تليها مجلة الشبيبة لطلاب المرحلتين الإعدادية والثانوية ثم جيل الثورة للمرحلة الجامعية ولنا في " كفاح العمال الاشتراكي ونضال الفلاحين والجندي العربي وجيش الشعب والمهندس العربي والمعلم العربي والموقف الرياضي " الى آخر هذه القائمة من المجلات والجرائد التي تحاول إيصال رأي القيادة وأفكارها وتوجيهاتها الى عموم المجتمع.

ولا يغير من هذه الحقيقة ما منح أخيراً من تراخيص لإصدار صحف في اختصاصات تبعد تماماً عن السياسية علمية كانت أم اقتصادية أم اجتماعية، أو لجرائد تدور بصورة أو بأخرى في فلك السياسات الرسمية كصحف أحزاب الجبهة الوطنية التقدمية ومجلة أبيض وأسود، بعد أن أغلقت جريدة الدومري الساخرة، وسحب ترخيصها لخروجها عن الحدود التي رسمت. كما لا يغير من هذه الحقيقة إلا جزيئاً انتشار الانترنيت وعدد من المواقع الصحفية الالكترونية إذ يعبر بعض المسؤولين عن قلقهم من هذه الظاهرة ويتحسرون لأن قانون المطبوعات لم يطل الإعلام الالكتروني وينزل به عقوبات صارمة !! ويحاولون الضغط من أجل إصدار قوانين كفيلة بهذا الغرض، ناهيك عما تمارسه الجهات المشرفة على الإنترنيت في سورية من تعسف وقمع فتمرر ما تعتقده نافعاً وتحجب ما تراه ضاراً، ويكفي وجود مقال واحد لا يرضي رغباتهم حتى يحجب الموقع كله في محاولة بائسة لوقف تداول وتدفق المعلومات والتحليلات السياسية، وصلت الى حجب بعض مواقع خدمة البريد الالكتروني المجاني مثل "هوت ميل" و"ياهو" وغيرها، كما حجبت مواقع صحفية كثيرة منها، موقع أخبار الشرق، وموقع لجان الدفاع عن حقوق الإنسان والحريات الديمقراطية في سورية، واللجنة السورية لحقوق الإنسان، واللجنة العربية لحقوق الإنسان، ومركز دمشق للدراسات النظرية والحقوق المدنية، ومركز الشرق العربي، وصحيفة القدس العربي، وموقع إيلاف...الخ. 

أخيراً يمكن القول أن الحرية الصحفية في سورية هي قضية سياسية بامتياز وترتبط بداهة بمنظومة الحقوق والحريات الأساسية الغائبة في المجتمع، وحالها  لا يختلف عما عرفته مثيلاتها في الأنظمة الشمولية التي يحكمها حزب واحد على رأس دولة أمنية مركزية مطلقة الحضور، تحتكر كامل أوجه النشاط الثقافي والإعلامي وتفرض نفسها كمجال وحيد للحراك السياسي والاجتماعي.

وبالتالي حين نخص قانون المطبوعات بالنقد لا يعني ذلك إغماض العين عن سلسلة مترابطة من الشروط والقوانين تحتاج جميعها الى تغيير أو تعديل وفق إصلاح ديمقراطي شامل يزيل حالة الاحتكار لساحة النشاط السياسي والإعلامي ويرسي قواعد التعددية والعمل الديمقراطي في علاقة السلطة مع الدولة والمجتمع على حد سواء.

لقد تنامي إحساس المجتمع بأن الأوضاع ستتغير وانتعشت أماله بأن تبعث الحياة من جديد في مسار الإصلاح والتغيير الديمقراطي، لكن للأسف يبدو أن الأمور لا تزال تسير على المنوال ذاته، ولا يزال هناك من يعتمد سياسة المماطلة والتسويف ويصم أذنيه لنداءات المصلحين واستغاثاتهم.

إن ما نحتاجه اليوم وبصورة ملحة في ظل الأوضاع الحرجة والعصيبة التي تمر بها البلاد هو إرادة واضحة نحو التغيير الديمقراطي تحكمها رؤية بسيطة لمستقبل الحياة السورية تعتبر الوطن، وطن الجميع وتبادر الى رد المظالم إلى أصحابها وإشاعة مناخ صحي يضمن للناس حقوقهم وحرياتهم وخصوصاً لجهة المبادرة الى إعلان رسمي لرفع حالة الطوارىء وإعادة النظر بقانون المطبوعات وغيره من القوانين التي تحد من حرية الصحافة والعمل الصحفي، بما يعيد بناء عتبة من الثقة ويعزز الأمل في النفوس ويمكن الناس من تجاوز حالة الخوف والسلبية.

نعم أن ما نحتاجه في سورية هو رسم صورة لمستقبل الحياة السياسية، تسود فيها لغة الحوار وتتشبع بروح قبول الآخر وبشرعية وجود صحافة حرة وجادة تعبر عن حاجة المجتمع لتنوع وتعدد منابره الإعلامية والثقافية تنوع وتعدد والفئات والجماعات والتيارات السياسية الفكرية التي يتألف منها، وتكون عين ساهرة على أداء من هم في موقع المسؤولية السياسية أو الإدارية، ناقدة لأخطائهم وتجاوزاتهم، تساهم بدورها في محاربة الفساد وفي تحسين أساليب الدولة والنهوض بالمجتمع إلى مستويات منافسة، وتشارك بقسطها في عملية الانفتاح الديمقراطي وفي التصدي لمهام البناء والتنمية ومواجهة ما يعترض الوطن من تحديات ومخاطر.  

 

                                                            دمشق / 20 / 4 / 2004