تقرير للبنك الدولي يحاكي آخر اصدره برنامج الامم المتحدة الانمائي عن
"الحكم الجيد لأجل التنمية في الشرق الاوسط وشمال افريقيا"
مطلوب احترام سلطة الشعب وصون كرامة المواطنين وحقوقهم
على الدولة محاربة الفساد واعتماد الشفافية وعدم تقييد حرية الصحافة
إعداد علي بردى
في خطوة اولى تسلّط الضوء على انظمة الحكم وفاعليتها في العالم
الثالث، آثر البنك الدولي اخيرا تطوير انشطته في مناطق مختلفة بدل الاكتفاء بتقديم
المساعدات والقروض والمنح الى الدول الرازحة تحت وطأة اقتصاداتها المتعثرة
والعاجزة عن النهوض من ازمات التخلف. وبعد اعوام عدة، مدّ خلالها البنك الدولي
العون الى دول كثيرة تمكن بعضها من التغلب على تعثر اقتصاداتها وعلى ازمات ديونها
المرهقة، ظهر ان بلدانا اخرى لم تستطع الى ذلك سبيلا، رغم محاولات كثيرة عملت
اثناءها بعض الحكومات، بمساعدة مؤسسات دولية كبرى، منها البنك الدولي ذاته، على
الانتقال الى سكة التنمية، بيد ان مساعيها اخفقت بسبب قصور آليات الحكم وانتشار
الفساد.
على غرار تقرير التنمية الانسانية العربية الذي اصدره برنامج
الامم المتحدة الانمائي للعام ،2002 والذي اثار جدلا واسعا في الاوساط السياسية
والاقتصادية والثقافية في غالبية الدول العربية، اصدر البنك الدولي اخيرا تقريره
عن "التنمية في الشرق الشرق الاوسط وشمال افريقيا"، مركزا هذه السنة على
"الحكم الجيد لأجل التنمية في الشرق الاوسط وشمال افريقيا، تحسين التضمينية
والمساءلة".
يوضح واضعو التقرير - وهم موظفو البنك الدولي - ان التضمينية INCLUSIVENESS تعني ان كل مهتم بعملية ادارة الحكم ويريد المشاركة فيها - وهم كل
السكان من دون تمييز - قادر على القيام بذلك عبر الانتخابات والمساهمة في مراقبة
الهيئات المسؤولة عن الخدمات العامة المحلية. وتعني ايضا ان الدولة تعامل الجميع
على اساس المساواة، وتحمي حقوق الجميع بالحماسة عينها وتحول دون التهميش او
التمييز في تأمين الخدمات العامة، وان الجميع يتمتعون بحقوق المراجعة والتصويب في
حال ميز المسؤولون بين مواطن وآخر.
اما المساءلة ACCOUNTABILITY فتعني ان للشعب حق محاسبة الدولة
ووضعها تحت طائلة المسؤولية لجهة كيفية استعمالها سلطتها وموارد الشعب.
وتحتاج المساءلة الى الشفافية او التوصل التام الى المعلومات،
وكذلك الى التنافسية، اي القدرة على الاختيار بين كيانات سياسية واقتصادية بديلة،
على اساس حسن ادائها او سوئه.
وتقوم الفكرة الرئيسية للتقرير الذي صدر في كتاب، على ان
التنمية في منطقة الشرق الاوسط وشمال افريقيا، على المستويات الاقتصادية
والاجتماعية والانسانية، يعوقها ضعف الادارة الحاكمة، الذي تتخلف فيه المنطقة عن
باقي مناطق العالم.
ويستنتج التقرير، على غرار تقرير التنمية العربية الذي وضعته مجموعة
رائدة من المفكرين العرب، ان المنطقة تعاني "عجزا في الحرية يضعف التنمية
الانسانية ويشكل احد اكثر مظاهر تخلّف التنمية السياسية ايلاما". وبما ان
التنمية هي في المحصلة النهائية تنمية بشرية، فانها تركز على نوعية معيشة افضل، مع
اتاحة خيارات وفرص اوسع تمكّن الانسان من تحقيق قدراته، فضلا عن توفير الضمانات
غير المادية التي تميز المجتمعات المتقدمة، كالمساواة في المعاملة وحرية الخيار
والتعبير عن الرأي. ورغم ان الكثرة الساحقة من دساتير دول الشرق الاوسط وشمال
افريقيا تكرس قيم التنمية هذه، فان التحدي الذي يواجه الحكومات والشعوب في المنطقة
يتمثل في تعزيز التعاملات السلسة والمنتجة وتقليص التعاملات المحبطة والهادرة
للطاقات، تكريسا للحكم "الجيّد" الذي يرتكز على قيمتين عالميتين لهما
أهمية خاصة في منطقة الشرق الاوسط: التضمينية والمساءلة.
وتتضمن ادارة الحكم التضمينية (أي الشاملة) آليات تحدد وتحترم
الحقوق الاساسية للجميع، وتؤمن وسائل مراجعة ومعالجة يضمنها حكم القانون. ومن
الحقوق الاساسية هذه الانصاف والتسامح بين أفراد الشعب نفسه، والحكم الجيد يعنى
بحماية هذه الحقوق، ويتجسد في معاملة الحكومة للمواطنين جميعا على قدم المساواة أمام
القانون ومن دون تمييز، وفي تأمين فرص متساوية للافادة من الخدمات التي توفرها
الحكومة.
الشرق الاوسط
ووجد التقرير ان ادارة الحكم في الشرق الاوسط أضعف نوعيا مما هي
عليه في بقية دول العالم، مشيرا الى ان حكومات هذه المنطقة حاولت في استمرار توفير
كمّ كبير من الخدمات العامة لمواطنيها، اذ تمكن لبنان، مثلا، من رفع نسبة تلقيح
الاولاد مما يقارب الصفر، الى أكثر من 90 في المئة في أقل من عقد.
وضاعفت تونس عدد الخطوط الهاتفية في المدة اياها . لكن الفجوة
في مستوى ادارة الحكم تنعكس فجوة اجتماعية آخذة في الاتساع بين دول المنطقة والدول
التي عليها ان تتنافس معها. ففي مصر، تجاوز معدل وفيات الأولاد نسبة 69 بالالف
العام ،1999 وهذا أكثر بكثير من معدل وفيات الاولاد في اندونيسيا (42 في الالف)
علما ان معدل دخل الفرد فيها يوازي نصف دخل الفرد المصري.
وكذلك يواجه اثنان من كل خمسة راشدين الأمية في المغرب، وأكثر
من ثلاث من كل خمس نساء، وهي نسبة تقارب دولا يستفحل فيها الفقر، مثل موزامبيق
وباكستان.
وتعاني دول المنطقة مستوى شفافية يشوبه الضعف والتردد، ومن ذلك
ندرة البيانات والمعلومات الاحصائية عن نوعية ادارة الحكم في المنطقة، والتعرض
لحرية الصحافة التي تحد وتراقب بشدة من معظم الدول التي يقوم بعضها بالاعتداء
عليها عبر مضايقة الصحافيين واعتقالهم، مما يضعف النقاش العام.
ووفرت الحرب على الارهاب التي زاد زخمها بعد هجمات 11 ايلول
،2001 الاعذار من أجل تضييق خناق الرقابة في العديد من الدول.
والى الشفافية، فان المساءلة تتطلب التنافسية: النقاش، التحقق،
الاختيار، التنافس بين الممثلين وبدائلهم. وفي امكان المجالس النيابية ان تحقق
المساءلة الداخلية، ويمكن الانتخابات المحلية ان تعزز المساءلة. ففي لبنان وايران،
ساهمت الانتخابات في تحسين ادارة الحكم المحلية، وفي ايجاد ميدان اختبار للقادة
السياسيين المستقبليين. اما في داخل الادارات، فإن تسهيل الاجراءات المتصلبة
وتخفيف الضغوط على الوظيفة العامة، سيسهلان المساءلة عبر التنافسية في التوظيف
والترقي.
مقاييس تجريبية
من الصعب حصر مفهوم ادارة الحكم المعقد والمتشابك ضمن بضعة
مقاييس تجريبية تمكن مقارنتها عبر البلدان المختلفة، وقد بذلت جهود متعددة لتعريف
الابعاد السياسية لماهية الحكم الجيد، وهي تراوح بين حكم القانون ومحاربة الفساد
وفاعلية القطاع العام، وصولاً الى قدرة المواطنين على التعبير و"الديموقراطية".
غير ان عدداً من هذه المقاييس يعتمد على آراء المقيمين، مما يجعلها غير موضوعية.
كما ان ندرة المعلومات عن نوعية إدارة الحكم في المنطقة تصعّب مهمة قياس الحكم في
صورة تجريبية.
وتبيّن انه، في معظم الاحيان، ترتفع نوعية الحكم في المنطقة
بارتفاع الدخل، وظهر ان المؤشر العام المستخدم يفيد ان الدول ذات الدخل المتوسط
الأعلى في كل أنحاء العالم، ومنها دول الشرق الاوسط وشمال افريقيا، تتمتع بنوعية
لادارة الحكم توازي ضعف مثيلتها في الدول المنخفضة الدخل. ويجب تالياً ان تأخذ كل
دراسة لادارة الحكم في الاعتبار التباين في الدخل.
ان مؤشر المساءلة العامة يقيس مدى انفتاح المؤسسات السياسية
ومستوى المشاركة واحترام الحريات العامة وشفافية الحكومة وحرية الصحافة. في هذا
المجال تتخلف دول المنطقة في صورة اكبر بكثير. وفي بقية العالم، ترتفع نوعية
المساءلة العامة بارتفاع الدخل، غير ان هذا لا ينطبق على منطقة الشرق الاوسط وشمال
افريقيا.
الحكم الرديء
ان رداءة ادارة الحكم تقوم بدور مركزي في اعاقة التنمية، ويمكن
تحسين مستوى التضمينية والمساءلة في آليات ادارة الحكم في الشرق الاوسط وافريقيا
عبر:
- اولاً، ان الحكم الجيد يوفر آليات تساعد على التقليل من
استمرار السياسات المنحرفة والخاطئة، ويؤمن المساءلة العامة للسياسيين والموظفين.
- ثانياً، ان ادارة حكم افضل ستسهل انشاء مشاريع تجارية جديدة
وادارة الانشطة الموجودة وتوسيعها. اذ ان ادارات كفوءة ومسؤولة تخفض تكاليف
المعاملات (الدخول الى السوق، التشغيل، الخروج من السوق). كما ان الشفافية
والتضمينية تزيدان من مستوى التنسيق وتبادل المعلومات بين الدولة والقطاع
الخاص، مما يعزز التيقن والدقة في تطبيق القواعد والتنظيمات الحكومية.
- ثالثاً، ان المشاريع الاقتصادية تدار في محيط تجاري يعتمد على
توفير الخدمات العامة في صورة مرضية وكفوءة وعادلة، وعلى التطبيق الفاعل والعادل
للتنظيمات العامة.
ويتساءل واضعو التقرير: لماذا نجد ان البيروقراطيين المصريين
بارعون في شق الطرق، لكنهم بطيئون في محو الامية؟ لماذا نجد الإداريين اللبنانيين
فاعلين في تلقيح الاولاد، لكنهم اقل فاعلية في خفض نسبة وفيات الاولاد؟ ولماذا
كانت تونس ناجحة في رفع عدد خطوطها الهاتفية، ولكنها فشلت في تعميم استعمال
الانترنت، وسيلة العصر المعرفية؟
من الواضح ان النواقص هذه لا تعود الى قلة الكفاءة لدى
الاداريين في دول المنطقة، بل ان ضعف اداء الدولة يعود الى ضعف آليات ادارة الحكم،
وخاصة تلك التي تتعلق بالمساءلة العامة.
ان العديد من الابتكارات تظهر في العالم لتقوية وسائل المساءلة
هذه، وان قلة منها تجرب في بلدان الشرق الاوسط وشمال افريقيا. الا ان هذه التجارب،
وهي صارت مألوفة في اكثر انحاء العالم، ما زالت نادرة ومتفرقة في منطقة الشرق
الاوسط وشمال افريقيا. على سبيل المثال، ان ماليزيا بدأت بارساء الموازنة الموجهة
للاداء منذ اواخر الستينات. الآن فقط، بعد ثلاثة عقود بدأت بعض دول الشرق الاوسط
وشمال افريقيا التفكير في هذه الوسيلة جديا. واذا اخذنا في الاعتبار مدة التأقلم
الطويلة اللازمة لادخال هكذا انظمة، فان هذا التأخر يصبح بالغ التكلفة على
المساءلة الداخلية.
سد الفجوة في ادارة الحكم
ان سد الفجوة في ادارة الحكم يشكل تحديا لحكومات المنطقة
وشعوبها، لكنه ايضا يشكل فرصة قد تثمر مكاسب جمّة على مستوى النمو الاقتصادي
المستقر، الاستقرار الاجتماعي والتنمية البشرية.
ان الرجال والنساء في منطقة الشرق الاوسط وشمال افريقيا يعيشون
اليوم مرحلة آمال متنامية وخيبات متفاقمة. الاقتصادات منهكة بسبب النمو السكاني
المتسارع، ومعدله من الاعلى في العالم، مما يزيد عددا متصاعدا من طالبي الوظائف
الى القوة العاملة. فالتطلعات تتنامى، عاكسة المقارنات التي تعقد في استمرار مع
دول اخرى، وهذه المقارنات بين الدول يعززها عصر ثورة الاتصالات الذي يكشف الفروقات
بوضوح اكبر. بالنسبة الى هؤلاء الشباب والشابات على الاقتصاد ان ينتج فرصا مولدة للدخل
عبر النمو الاقتصادي، وعلى الحكومات ان تؤمن الخدمات التي تراوح بين تأمين التعليم
وخلق مناخ مؤات للاعمال. ان الحكم الجيد من الوسائل التي تؤمن النمو والترقي
الاجتماعي، كما انه من الابعاد الاساسية للتنمية البشرية عينها.
وبالرغم من ذلك، فان منطقة الشرق الاوسط وشمال افريقيا تسير في
طريق تنموية هشة للغاية. ولم تتمكن اي من دول المنطقة من تأسيس طريق تنموية
مستدامة بالرغم من العائدات النفطية الهائلة لبعض الدول، بل، وربما، بسبب هذه
الثروات. ان فجوة التنمية الاقتصادية، معطوفة على الفجوة بين الآمال والواقع، تهدد
امكان التقدم في المنطقة.
ان تحدي ادارة الحكم لا يكمن في اختيار القادة
"المناسبين" او في ارساء السياسات الاقتصادية والاجتماعية
"المناسبة"، رغم اهمية هذه الامور. التحدي يكمن في ضمان ان عمليات
اختيار، وتغيير او تجديد ولاية القادة، ورسم ومناقشة وارساء وتقرير وتنفيذ
السياسات ستؤمن فرصة لجميع افراد الشعب (بصفتهم مواطنين ومستفيدين من خدمات
الحكومة) للتعبير عن خياراتهم والمشاركة في الحوار ووضع الحكومات امام المسؤولية
للعمل لمصلحتهم. الحكم الجيد لا يضمن في ذاته نتائج جيدة من حيث القادة والسياسات،
لكنه شرط لا غنى عنه لمنع استمرار النتائج المخيبة والسياسات غير الفعالة،
والانتقال الى نتائج وسياسات افضل.
ان مسؤولية النهوض بتحدي الحكم الجيد لا تقع حصرا، او حتى
اساسا، على عاتق الحكومات. السبب؟ ان العديد من الاطراف داخل الحكومة (والعديد
خارجها) قد تقاوم الاتجاه الى ادارة حكم اكثر تضمينية ومسؤولية. اما الحكم الجديد
فيتطلب - بالطبع - العديد من الخطوات من جانب الحكومة، لكنه يتطلب ايضا مشاركة
فاعلة من قبل الشعب. بناء على ذلك، فان تحدي ادارة الحكم يشكل تحديا للجميع في
المنطقة، اما في خارج المنطقة، فان الحكومات والمنظمات الاجنبية تتحمل مسؤولية
تصميم علاقاتها مع دول المنطقة في صورة تقترب اكثر من هدف مساعدة هذه الدول على
النهوض بتحدي ادارة الحكم، بدلا من دعم سلوكيات الحكم الرديء ومؤسساته عبر
التحالفات والمساعدات المصلحية.
لذلك ان مسار المرحلة الانتقالية سيختلف من دولة الى أخرى، لكنه
سيتميز على الاغلب بوفاقات وحلول وسطى. وفاقات على مثال الديموقراطية التوافقية في
لبنان او تعيين ممثلين من الفئات المهمشة في المغرب، جمهورية مصر العربية
والبحرين، تهدف الى بناء مؤسسات اكثر تمثيلا للشعب في وجه تقاليد او مؤسسات اخرى،
تحد من التضمينية. ان الانتقال الى الحكم الجيد يتطلب ايضا تساهلا مع التسويات
والاخطاء ريثما تكتسب مؤسسات الحكم الجيد (كمؤسسات المشاركة) قوة ومصداقية. كما ان
العديدين يتخوفون من ان فتح قنوات المساءلة الخارجية قبل تكوين مؤسسات مجتمع مدني
كفوءة سيؤدي الى الفوضى. الا ان هذه المخاوف غالبا ما تكون محض مبررات للحكم
القمعي، اللاشمولي واللاتشاركي، وتساهم في خنق المؤسسات اللازمة لتأمين الاستقرار.
لكن هناك اسبابا للتفاؤل، لأن دولا كثيرة، في مختلف انحاء
العالم، قد تمكنت من تدعيم آليات ادارة الحكم من دون فقدان الاستقرار، وكانت
النتيجة اداء اقتصاديا افضل. كما لوحظ ان اصلاحات ادارة الحكم في اوروبا الشرقية
كانت اكثر نجاحا من مثيلاتها في دول "الاتحاد السوفياتي" السابق بفضل
انظمة سياسية اكثر تنافسية، مما عزز نمو وتأثير مجموعة كبيرة من المنظمات الاهلية
الداعمة للاصلاحات.
اما ضمن منطقة مينا فان هناك ايضا دواعي للتفاؤل، فمعظم دساتير
دول المنطقة يكرس قيم الحكم الجيد، كما ان حكومات المنطقة لا تزال ملتزمة الى حد
بعيد تأمين خدمات عامة جيدة لمواطنيها. بالاضافة الى ذلك، ان النقاش حول ادارة
الحكم، وان كانت تعرقله الرقابة الحكومية وندرة المعلومات، هو حقيقة واقعة. هنالك
ايضا دلائل على بعض التقدم على اكثر من جبهة في المنطقة، مع اختلاف قوة ونطاق هذه
المكاسب، وهي تراوح بين انتخابات بلدية ناجحة في لبنان وجمهورية ايران الاسلامية،
اطلاق مبادرات لانشاء الحكومة الالكترونية e -
governments في معظم
الدول، اعتماد استطلاعات لآراء مستهلكي الخدمات العامة في الاردن والضفة الغربية
وغزة، انتخاب برلمانات جديدة في البحرين والمغرب، مشاركة المواطنين في ادارة بلدية
عدن، وانشاء ديوان مظالم في تونس والجزائر.
اي برنامج لاصلاح الحكم بحاجة
الى الأخذ في الاعتبار القيمتين التوأمتين: التضمينية
والمساءلة
يجب على بعض المفاهيم العامة - التي تم تفصيلها في هذا الكتاب -
ان تكون حاضرة في عملية رسم واختيار السياسات. ان التضمينية والمساءلة هما نقطتا
الانطلاق لأي برنامج يسعى الى تحسين ادارة الحكم. في ما يخص التضمينية، ان تأمين
الحقوق الاساسية يجب ان يكون مضمونا في كل عناصر البرنامج (بما فيها حق المشاركة
الكاملة في عملية ادارة الحكم، حق المساواة امام القانون، وحق المعاملة المتساوية
من الهيئات الحكومية). اما بالنسبة الى المساءلة، فإن على عنصري الشفافية
والتنافسية ان يقودا عملية تصميم البرنامج وتقرير محتواه.
على برنامج الاصلاح ان يستهدف الغاء العوائق التي تحد التضمينية
والمساءلة، كالرقابة على انشاء الجمعيات الاهلية، موافقة اصحاب السلطة على
المرشحين الى الانتخابات او اخفاء المعلومات عن الانفاق الحكومي. كما ان على هذه
البرامج ان ترسي آليات اكثر فاعلية لتعزيز ادارة الحكم، كاصدار تشريعات ضد
الممارسات التمييزية في القطاع العام وتصميم نظام شفاف للرقابة والمراجعة يهدف الى
تقييم الالتزام بالقوانين الجديدة وتصحيح الخلل.
... بدءاً بالالتزام الكامل من الدول
ان المستلزمة الاولى هي التزام علني وصريح بتحسين تضمينية
الدولة وبتعزيز الشفافية والتنافسية في ادارة الشؤون العامة. على هذا الالتزام ان
يكون مشتركاً بين الدولة (بكل سلطاتها وقطاعاتها) والشعب (كأفراد ومنظمات اهلية).
... من اجل تصميم برنامج لتحسين ادارة الحكم وتنفيذه
على هذا الالتزام ان يتبع بعملية يشارك فيها كل المجتمع لتصميم
برنامج لتحسين ادارة الحكم. فالهدف هو الوصول الى اجماع حول الاتجاهات الاساسية
لتحسين ادارة الحكم والاجراءات التي تعزز التضمينية والمساءلة عبر عدد واسع من
القضايا والمؤسسات، وتعريف المؤشرات التي ستستعمل لقياس مدى التقدم ولتعديل البرنامج
تدريجاً.
... بالاعتماد على الجبهات الخمس للحكم الجيد
على برنامج تحسين ادارة الحكم ان يصمم تبعاً للجبهات الخمس
للحكم الجيد: (1) اجراءات لتحسين التضمينية، (2) اجراءات على المستوى الوطني
لتعزيز المساءلة الخارجية، (3) اجراءات على المستوى المحلي تعضد المساءلة
الخارجية، (4) فصل وتوازن بين السلطات بغية تقوية المساءلة الداخلية، (5) اصلاحات
ادارية لتعزيز المساءلة الداخلية.
ان الجبهات الخمس مترابطة، فالتضمينية مثلاً، وهي قيمة مهمة في
ذاتها، مكوّن لا غنى عنه للمساءلة الجيدة، خاصة المساءلة الخارجية. كما ان آليات المساءلة
الداخلية والخارجية لا تحل احداهما محل الاخرى، بل الواحدة تعضد الاخرى وتقويها.
اما آليات اقوى للمساءلة الخارجية فستكشف مكامن الضعف في آليات المساءلة الداخلية،
في حين ان هنالك حاجات لآليات مساءلة داخلية اقوى من اجل تحصيل معلومات عن اداء
الحكومة وأفعالها، وهي اساس المساءلة الخارجية.
تعزيز التضمينية
الخطوة الاولى لتحسين التضمينية هي اعتماد قوانين وتنظيمات تضمن
وتوسع نطاق الحقوق والحريات الاساسية للجميع المتعارف عليها عالمياً، وهذا يتضمن
حق المشاركة المتساوية في عملية ادارة الحكم وحق المساواة امام القانون وبالتالي،
حق المساواة في المعاملة من الهيئات الحكومية. هناك العديد من الامثلة عن
الاجراءات المعززة للتضمينية: توسيع نطاق المشاورات العامة، اعطاء حرية اكبر
للاعلام، تقليص القيود على منظمات المجتمع المدني، الغاء القوانين والتنظيمات
التمييزية والانصاف في تأمين الخدمات الصحية والتعليمية. لكن القوانين كثيراً ما
تكون مجرد اعلان لنيات حسنة.
لذا، فإن الخطوة التالية هي ارساء آليات تضمن احترام هذه
القوانين والتنظيمات، آليات مساءلة داخلية وخارجية، وآليات لتصحيح تبعات سياسات
ماضية اذا دعت الحاجة لذلك. (
النهار – 9/9/2003 )