Damascus Center for Theoretical and Civil Rights Studies

مركز دمشق للدراسات النظرية و الحقوق المدنية

تدمر... الحضارة ? البربرية

 

آه أيتها الملكة المتوجة بأصفاد من ذهب

دأب الشعب السوري على تقديم نفسه عبر منارات حضارية تركت آثارها على البشرية قاطبة بدءاً من اكتشاف الزراعة إلى أول أبجدية في التاريخ وصولاً الى الومضات الحضارية التي ما تزال أوابدها حاضرة الى اليوم .

و لأن كان الشعب السوري يميل بطبعه الى رسم محيطه ? طبعه بخصائصه المميزة فهو لم يئي جهداً في يوم من الأيام عن رسم عالمه الخاص ? المحيط به بملمح خاص تجلى في القوانين الأخلاقية ? الحياتية من خلال التشريعات الدينية التي جاءت محصلة تلاقح حضاري ثقافي للمحيط السوري " بلاد الشام " .

في هذا السياق الحضاري ? الطابع الانساني المرهف الحساسية جاءت تدمر ومضة حضارية بما  عنته من مقاومة نبيلة مشرفة في مواجهة طغيان ? جبروت روما تلك الامبراطورية العسكرية القائمة على سحق الحضارات المختلفة .

و للأسباب ذاتها تستحق تدمر بملكتها " زنوبيا " تلك البطلة التي وعت دورها ? دور شعبها الحضاري في مواجهة طغيان روما أن تأخذ مكانها التاريخي المشرف في سياق الحضارة الانسانية .

في البدء كانت الكلمة ... انجيل يوحنا

لأن كانت تدمر واحدة من الواجهات الحضارية التي يقدم الشعب السوري نفسه من خلالها فهي ليست كذلك في العقود الثلاثة الأخيرة من تاريخ هذا الشعب المقاوم .

فكما ارتبطت سورية كواحة حضارية في أذهان الغرب ارتبط اسم تدمر كواحد من أسؤ الأماكن في ذهن ? مخيلة الشعب السوري ? بل لربما تعدى الأمر من كونه كذلك الى وصفه كمقبرة جماعية لأجساد ? ارادة الغالبية العظمى من المناضلين الطامحين الى تقديم رؤية مختلفة عن طغيان ? استبداد النظم الحاكمة ? ? الساعين الى قول كلمة حق في حضرة باطل ? دموي ? مستبد !!

فتدمر ارتبطت بأشهر سجون سورية الحديثة بما عناه هذا السجن من استبداد ? طغيان يعجز الشرح عن وصفه ? بالعودة الى البدايات فالسجون في سورية عديدة ? متنوعة كماً ? كيفاً ? لا بد من الاشارة الى أن هذه السجون أخذت دورها الموضوعي كامتداد عضوي للسلطة السورية الحديثة ? أجهزتها ? التي بدأت مع حكم حزب البعث ? تجلت هذه السجون بشكل واضح ? أخذت دورها ضمن أجهزة السلطة فغدت مثل التعليم الالزامي لا بد من كل فرد المرور من خلالها – ? إن بتهم مختلفة – ? لكن مع المخاض العنيف الذي هز أوصال المجتمع السوري ? السلطة على حد سواء في مطلع الثمانينات مع صعود نجم حركة الاخوان المسلمين ظهر الى العلن اسم تدمر ? إن كان في السابق محصوراً فقط في حياة العسكريين من المخالفين للقواعد ? الأنظة العسكرية " فرار من الجيش – مخالفات حادة في الجيش " .

قطعوا يدي ? طالبوني أن أدافع عن حلب ... محمود درويش

مع تزايد النشاط العسكري للأخوان المسلمين ? ما رافق ذلك من هيجان سياسي ? اجتماعي يبرز اسم تدمر كواحة خارجة عن العرف الانساني بل أكثر من ذلك ارتبط باسمها أول مجزرة دموية بشعة نفذها النظام السوري بعد محاولة اغتيال فاشلة لرأس النظام " حافظ الأسد " في مطلع عام 1980  في سوق الحميدية عند خروجه من الجامع الأموي . فقد قامت أجهزة النظام المتنوعة ? المتعددة الروؤس ? الأسماء ? ? تحت الاشراف المباشر لشقيقه ? شريكه في السلطة آنذاك " اليد الضاربة – رفعت الأسد " بتنفيذ أكبر مجزرة بشرية بتاريخ سورية الحديث - هذا اذا استثنينا ما حدث بعد ذلك في حماه – حيث حصدت المئات ? بل حسب بعض الروايات الشبة  دقيقة بضعة آلاف من المعتقلين العزل ? ? اللذين كان جلهم من الاخوان المسلمين أو من يشتملون على هذه التهمة .

حيث قامت وحدات خاصة من سرايا الدفاع بتجميع السجناء العزل ? اطلاق النار عليهم من الخلف ? رميهم في مقابر جماعية لم يتم الكشف عليها حتى اليوم لاستمرار الأوضاع السابقة على ما هي عليه .

و تكررت المجزرة عدة مرات في غضون حوالي الشهر حيث سقط صريعاً مئات من السجناء برصاص من الخلف ? دفنوا بصمت في جرافات دون أن تستطيع أمهاتهم أن تبكيهم أو أن يكون لهم شواهد قبور كانت تلك هي البوابة التي دخل من خلالها سجن تدمر كواحد من أفظع سجون العالم ? الذي يدفعه الى المقدمة أشبه بمعسكرات النازية صاحبة الهولوكوست .

السجن يعلمنا أن نكون سجناء ... سجين سابق

عندما بدأت أفواج المعتقلين من السجناء السياسيين بالوصول الى سجن تدمر استهلت السجون السورية عصرها الحديث ? حيث وصلت الأرقام شبه التقريبية في عام 1984 لعدد السجناء السياسيين الى حوالي 14000 سجين في الوقت الذي كان تعداد سكان سورية الاجمالي حوالي 14 مليون نسمة فكانت النسبة هي سجين سياسي لكل ألف مواطن ? ما عدا التوقيفات والاعتقالات المؤقتة.

و كانت القوى السياسية المؤلفة لهؤلاء السجناء هي حزب الاخوان المسلمين ? حزب البعث العربي الاشتراكي – الموالي للعراق ? الحزب الشيوعي السوري – المكتب السياسي مع حلفائه في التجمع الوطني الديمقراطي " التنظيم الشعبي الناصري – الاتحاد الاشتراكي ? حزب العمال الثوري " ? حزب العمل الشيوعي بالاضافة الى اللجان الشعبية ثم اللجان الديمقراطية وصولاً الى لجان الدفاع عن الحريات السياسية في سورية وصولاً الى كل من يعارض ? لو بشكل جزئي تفصيلي سياسة النظام الحاكم فمصيره المحتم هو السجن ? هذا اذا استثنينا كثيراً من المعتقلين السياسيين من غير السوريين ? من اللبنانيين ? فلسطينيين ? أردنيين ? عراقيين ? وصولاً الى الجزائريين مؤخراً مع السودانيين الخ الخ ,.

و بالمحاولة لوصف سجن تدمر حسب شهادات شهود عيان عاشوا فيه زمناً لا يقل عن العشر سنوات فالسجن عبارة عن بناء سكني مؤلف من قسمين : قسم خاص بالسجناء ? أصحاب المخالفات العسكرية ? ? قسم خاص بالسجناء السياسيين ? هم موضوع حديثنا . ? ليس ثمة اتصال بينهما علماً بأن ادارة السجن واحدة حيث تشرف الشرطة العسكرية على ادارته علماً بأنه يحتوي على معتقلين تابعين لمختلف فروع الأمن في سورية من الأمن السياسي ? أمن عسكري ? أمن دولة ? مخابرات جوية بالاضافة الى من خضع لمحاكم ميدانية . ? من أبرز رؤساء تدمر العقيد " السيء السمعة ? الصيت " فيصل غانم . حيث أشرف على ادارته منذ عام 1979  ? لسنوات طويلة .

يتألف السجن من مجموعة من الأبنية المنفصلة ليسهل السيطرة عليه ? الحيلولة دون التواصل بين السجناء . ? كل بناء يتألف من مهجعين واحد كبير ? آخر صغير مع مجموعة من الزنازين الانفرادية ? ساحة داخلية صغيرة للتنفس ?في حال السماح بذلك، ذات جدران عالية بأسلاك شائكة مكهربة .

المهجع الكبير ? تنطبق نفس الشروط تقريباً على المهجع الصغير مع الاختلاف في نظام الحياة اليومية ? شدتها ? هو عبارة عن غرفة مساحتها حوالي الأربعين الى الخمسين متراً 12  متر تقريباً طول الى 5-4 أمتار عرض تضم أحياناً ما يزيد عن الثمانين معتقلاً ? هي دون مستوى الأرض بثلاث درجات ذات جدران مصمتة بدون نوافذ – فقط نافذة دائرية الشكل بقضبان في الأعلى – سقف الغرفة ? حيث يقوم السجان بحراسة المعتقلين ? هو أحد أفراد الشرطة العسكرية مزوداً بسلاح ميداني كامل . بالاضافة الى هذا يوجد فتحة مرحاض داخل المهجع مع فسحة صغيرة مجاورة للحمام .

أما الزنازين فهي تقع في الجهة الخلفية من البناء حيث تصطف مجموعة من الزنازين الانفرادية يتراوح عددها العشر زنازين ? هي عبارة عن تابوت حجري كاملة الانغلاق بطول مترين ? عرض سبعين سنتيمتر ? لا شيء آخر لا دورة مياه ? لا مصطبة ? لا إنارة ? لا فتحة تهوية فقط فتحة صغيرة في أسفل الباب تفتح من الخارج لادخال وجبة الطعام هذا اذا لم توجد عقوبة بهذا الخصوص .

و أعشق عمري لأني اذا مت أخجل من دمعي أمي ... محمود درويش

ما أن تبدأ حدود مدينة تدمر حتى تكون " الطماشة " رفيقة دربك خلال رحلتك الطويلة التي قد تنتهي بالموت فجاءة كما حدث للكثيرين ? الطماشة عبارة عن عصابة توضع فوق العينين مع رباط خلفي ? غالباً ما يتم التركيز على تحسين الطماشة حسب تعبير السجن حتى يصل سماكتها أحياناً الى العشر طبقات ? هي توضع دائماً في حال حضور أي شخص من ادارة السجن ? هكذا تنعزل حواسك عن جسدك ليترك جسدك في مهب القوى الغاشمة الظالمة ? يبقى خندقك الأخير به تقاتل ? إليه تحتمي !!

و مع أول الوصول تكون " التشريفة " بانتظارك فأنت ضيف عزيز حللت أهلاً ? وطئت سهلاً ? التشريفة هي 400 كرباج يتلقاها جسدك المزروع في دولاب مطاطي لا يتسع لجسدك المكتنز، ? الكرباج كبل نحاسي مجدول " كبل رباعي " ? هكذا هي البداية بعد أن ينتف شاربك لتتخلص من آخر ملامح رجولتك الشرقية . فأنت هنا حشرة ضارة لا تستحق سوى الدعس بالأحذية !!!

و يتم فرز السجناء تحت أيدي خبيرة ? لتتلقى الزنازين بعض الأجساد التي ما زالت تحمل روح الحياة بتمردها أما الأجساد المتعبة فمصيرها المهاجع ? كذلك الأمر بالنسبة للرؤوس " الحارة " ? الرؤوس " الباردة " فإذا كنت من أنصار روح الحياة ? من أصحاب الرؤوس الحارة فإن أول زنزانة تكون قبرك الموحش ? دارك الى يوم يبعثون ? تكون الجدران الصماء ? الظلام الكثيف رفيقيك في رحلتك الممتدة من موتك الى موتك بين كل لحظة ? لحظة . ? أكثر ما ستحن اليه هي زنزانتك الحنونة الرؤوفة عندما يقتلعونك كل يوم لتمضي الى المرحاض في رحلة يومية تبدو عندها عذابات سيزيف نكتة سمجة فجسدك شبه العاري ? هو يمر في خندق طويل يمتد من زنزانتك الى المرحاض يتلقى الكرابيج من ثلة من السجانين يتراوح عددهم العشرة ? فسوط يدفعك ? سوط يستقبلك ? الويل لك إن تأخرت في الجري ? الحال كذلك في الرحلة الاسبوعية الى الحمام حيث يعطونك قليل من " السلفات " بعد أن تكون قد مددت رأسك من فتحة الباب ليقوم أحدهم بجز شعرك ? ذقنك بماكينة لا تصلح لجز الحيوانات . حيث تدهن جسدك بمادة "السلفات" لمقاومة الأمراض المعدية ? ? بجسدك العاري تمضي في تلك المسيرة بين السياط ليكون لك حوالي الثلاث دقائق شريط رقيق واهن من الماء البارد تزيل فيه آثار جسدك المتعب . ستكون الزنزانة حتماً أمك الحنون تحتمي بها ? أنت عائد من رحلتك اليومية . أما ? ان تم مناداتك باسمك فتلك هي النهاية . فالعرف المتبع في سجن تدمر عدم مناداة السجين باسمه ? الويل الويل لمن يتم مناداته باسمه فتلك تعني آخر الرحلة . فعندما كان يتم تحديد اعدام فلان من المعتقلين كان يتم مناداته باسمه ? ليس سوى دوي صلية من الطلقات قريبة من الجدار ? يعود الصمت ? تجهد الذاكرة في استحضار الوجوه التي مضت .

أما اذا كان نصيبك المهجع فأنت مزود ببطانية واحدة ? عازل أرضي من القماش السميك ملزم بالحفاظ عليهم كما ستحافظ على جسدك . فالنوم حتماً في التاسعة مساءً ? هو يتم " مسايفة " أي وجهاً لظهر ? الاستيقاظ حتماً في السابعة صباحاً حيث تلف بطانيتك ? عازلك لتجلس عليهم ? قدماك مضمومتان تحت فخذيك . فمن غير المسموح المشي في المهجع أو الانتقال من مكان الى آخر إلا خلسة كما في حال الذهاب الى المرحاض ? في أية لحظة يصدر أي صوت عن المهجع يقوم السجان برمي قطعة خشبية الى أرض المهجع ? يكون لزاماً على مرتكب المخالفة أن يخرج بها بعد السابعة مساءً ليسلمها الى السجان ? يتلقى عقابه ? الذي هو في العرف 200 جلدة ? أنت مستلقي على وجهك . ? كثيراً ما يكون العقاب من نصيب رئيس المهجع فهو أحد المعتقلين تم اختياره عشوائياً ليكون رئيس مهجع ? عليه أن يحدد مرتكب المخالفة فلك أن تتخيل حالة هذا المعتقل الذي يبدو ظاهرياً ? كأنه هو من يحدد الضحية فمن غير الممكن أن " يتبلى " رئيس المهجع أحد رفاقه في حال كون المخالفة غير محددة الوضوح . أو في حال كون المخالف غير لائق صحياً ? فهو ? الحالة كذلك يتلقى العقوبة بدلاً عنه . ? عادة ما تتم العقوبة في ساحة السجن الداخلية .

يا إلهي كم أحببتها  !!؟؟

يا إلهي كم أحبها    !!؟؟

يا إلهي كم سأحبها  !!؟؟

الحياة اليومية في السجن رتيبة ? مملة ? قاتلة ? لا انسانية فمع الاستيقاظ يبدأ عذابك الأبدي ? الحصار الذي لا ينتهي ? حصار داخلي ? حصار خارجي ? في الحياة الجماعية في المعتقل يكون الآخر عذاباً فوق عذابك ? تنسحق أناك في معمعة الآخرين ? يبدأ الانسحاق الروحي ? المعنوي فوق عذابات الجسد .

الجحيم هوالآخر  ... سارتر

و بالعودة الى التفاصيل المادية اليومية يبدأ النهار بترتيب البطانيات ? تنظيف المهجع ? يتم ذلك بالتناوب عن طريق الدور " السخرة اليومية " فمن ترتيب المرحاض ? فسحة الحمام ? ادخال الطعام ? توزيعه ? غسل الأواني ? رمي الزبالة . ? في الفترات التي تسمح فيها ادارة السجن للمعتقلين بالتنفس يتم ذلك في باحة السجن الداخلية الشبيهة بمقابر المصريين القدماء حيث يخرج الجميع لمدة نصف ساعة على شكل طابور دائري يدورون بصمت ? الرؤوس نحو الأسفل "فمن قواعد سجن تدمر عدم رفع الرؤوس سواء للنظر الى وجه السجان أو أي أحد آخر من ادارة السجن " .

يتم توزيع الطعام عادة في العاشرة صباحاً ? هو مكون من ثلاثة أرغفة صغيرة كمخصص يومي مع شيء لا يذكر سواء من اللبن أو البطاطس أو المربى أو الزيتون كوجبتي افطار ? عشاء ? هو لا يكاد يكفي ربع العدد الموجود في المهجع .

أما وجبة الغذاء فهي على التوالي إما كمية من البرغل أو الأرز مع سائل أحمر لا يعرف له اسم أو مكون خالي طبعاً من أي شيء من الخضروات أو اللحوم أو الدسوم ناهيك عن اعداده السيء جداً ? فوق ذلك يكون دوماً بارداً مما يؤدي الى الاصابة بحموضات في المعدة تصل الى حالات من القرحة المستديمة أما أمراض الجسد العادية في السجن فهي على التوالي حالات الامساك المزمنة نتيجة للأكل الجاف ? البارد ثم حالات الحموضة ? توابعها من القرحة ? التهابات الكولون ? الالتهابات الجلدية على تنوعها ? البواسير ? البروستات ? فقر الدم ? الهزال ? أمراض البصر ? الأمراض النفسية ? العصبية هذا اذا استثنينا الحالات المرضية التي تحدث أثناء فترات التعذيب في فترات التحقيقالأولى من شلل ? خدر في الأطراف ? فقدان أحد الحواس ? هي غالباً " السمع " تهتكات في القدمين ? الساقين " تمزق أربطة ? تلف في الأنسجة ? تشوهات في أظافر اليدين ? القدمين " ندوب ? كدمات مزمنة سواء من التعذيب بواسطة الكهرباء أو بالوسائل الأخرى على مختلف أنحاء الجسد ? خصوصاً الأعضاء التناسلية ? حالات الاغتصاب الممارسة سواءً للرجال من المعتقلين أو النساء بوسائل طبيعية أو اصطناعية مثل ايلاج الزجاجة في مؤخرة الرجال من المعتقلين أو اغتصاب النساء من المعتقلات مع ما يرافقها من انتهاكات جسدية كانت أم نفسية . كل هذا ? ليس في عرف سجن تدمر أو قوانينه ما يسمح بمعالجة مثل هذه الحالات فليس من الوارد مطلقاً أن تتقدم بطلب لزيارة الطبيب ? إلا كانت عقوبة 200 كرباج بانتظارك . كما أن امكانية استحضار أدوية من خارج السجن عن طريق الأهل فمعدومة لسبب بسيط كون الزيارات ممنوعة بتاتاً . باستثناء بعض الحالات المنفردة ? التي تأتي عبر وساطات غالباً ما تتم عن طريق الرشوة ? فمن المعروف بأن " فيصل غانم " مدير سجن تدمر بأنه كان يتلقى ورقة من أمه يسمح بموجبها للزيارة ? ذلك لمدة لا تتجاوز الخمس الى عشرة دقائق في الوقت الذي تكون أمه قد تلقت هدية ذهبية لا تقل قيمتها عن عشرات الآلاف من الليرات .

كما أن مجرد تسريب خبر بأن أحد المعتقلين موجود في سجن تدمر كافي بالنسبة لكثير من الأهالي الذين لا يعرفون شيئاً عن مصير أبناءهم المفقودين لأن يقدموا الهدايا ? الرشاوي الثمينة بالاضافة الى كون سين أو عين من المعتقلين ما يزال على قيد الحياة كفيل بأن يدفع أهله الغالي ? النفيس من أجل ذلك .

و يطول الكلام ? الستارة لم تنسدل بعد على فصول المأساة – الجرح النازف في جسد الشعب السوري – فالمشهد لم ينتهي بعد ? ما زالت ثمة أجساد متعبة مرمية بوحشية لا انسانية في زوايا الزنازين المعتمة الرطبة .

أما آن لهذا الفارس أن يترجل ...

بينما أنت تقرأ هذه المرثية البائسة – ? الموجزة جداً – ثمة أناس نحبهم ? يحبوننا ما زالوا خارج دائرة الحياة الانسانية ? لربما لزاماً علينا أن نستحضرهم في صلواتنا ? سكرنا ? تيهنا ? توقنا الى الحياة . انهم – نحن – مع فارق المكان !!!

 

أسماء المعتقلين في سجن تدمر ممن عرفتهم زمناً ? عايشتهم رحلة امتدت لأكثر من ثلاثة عشر عاماً أمضيناها سوية . كرهنا فيها بعضنا وقتاً ? أحببنا بعضنا أكثر ? لكنني الآن أحبهم كما لم أحبهم في يوم من الأيام .

1.   عبد الله قبارة – الحزب الشيوعي السوري – المكتب السياسي – معتقل منذ عام 1987 ? محكوم 15 سنة – محكمة أمن الدولة العليا – ينهي عقوبته 2002 يعاني من فقر دم ? مريض بداء السكري ? مصاب حالياً بأزمة ? اضطراب نفسي ? عصبي شديد جداً .

2.   آرام كرة بيت – الحزب الشيوعي السوري – المكتب السياسي – معتقل منذ عام 1987 ? محكوم 13 سنة – محكمة أمن الدولة العليا – ينهي عقوبته نهاية عام 2000 يعاني من اضطرابات نفسية .

3.   عمار رزق – حزب العمل الشيوعي – معتقل منذ عام 1992 ? محكوم 12 سنة – محكمة أمن الدولة العليا – ينهي عقوبته 2004 يعاني من أزمة قلبية دائمة ? من اضطرابات في الجهاز التنفسي ?4.       وضعه الصحي في حالة شبه خطرة .

5.   مازن شمسين – حزب العمل الشيوعي – معتقل منذ عام 1992 ? محكوم 15 سنة – محكمة أمن الدولة العليا – ينهي عقوبته 2007 يعاني من توتر عصبي ? آلام في المفاصل .

6.   جريس التلي – حزب العمل الشيوعي – معتقل منذ عام 1992 ? محكوم 15 سنة – محكمة أمن الدولة العليا – ينهي عقوبته 2007 يعاني من آلام في المفاصل ? ارتخاء في الأطراف مع اضطرابات عصبية حادة .

7.   محمود عيسى – حزب العمل الشيوعي – معتقل منذ عام 1992 ? محكوم 10 سنوات – محكمة أمن الدولة العليا – ينهي عقوبته 2002 يعاني من اضطرابات معدية ? نفسية حادة .

8.   نعمان عبدو – حزب العمل الشيوعي – معتقل منذ عام 1992 ? محكوم 12 سنة – محكمة أمن الدولة العليا – ينهي عقوبته 2004 يعاني من تهتك في الركبة مع جرح نازف مستمر حيث أن ساقه اليمنى شبه معطلة سواء عند الركبة أو مشط القدم مع آلام حادة ? مبرحة .

طبعاً من المهم القول بأن هؤلاء المعتقلين هم تابعين لفرع الأمن السياسي ? قد أمضوا فترة من السجن في سجن عدرا بدمشق ثم تم نقلهم بناءاً على أوامر " قراقوشية " غير مفهومة حتى اللحظة الى سجن تدمر ? ذلك في 1995-12-21 ? منذ ذلك الوقت ? حتى الآن لم يسمح لأحد منهم بالزيارة أو تلقي أية أغراض أو نقود من أهاليهم كما يعانون من ظروف صحية ? معاشية ? نفسية سيئة للغاية كما وصف ذلك آخر القادمين الى الحياة من ذلك الجحيم – تدمر – ? هو الكاتب ? الصحفي الفلسطيني " سلامة جورج كيله " بعد أن أمضى مدة 8 سنوات في المعتقل .

و الجدير ذكره بأن المعتقل لا يتم اطلاق سراحه فور انهاء مدة الحكم بل لربما تم احتجازه لفترات طويلة كما حدث مع – ياسين الحاج صالح – حيث أمضى سنة كاملة بعد أن أنهى مدة عقوبته ? هي 15 سنة .

من المهم الاشارة الى أن مدير السجن الحالي لتدمر ? هو العقيد – نضال محمود – قام باجراءات تعسفية ? ذلك عقب تعيينه فوراً . كما لم يسمح بالزيارة للمعتقلين كما وعدوا بذلك سابقاً .

لكل ما تقدم – على بساطته ? سطحيته – اذا ما قورنت الكلمات بالواقع الحقيقي المعاش فالكلمات عاجزة ? الألسن تتحجر أمام مشهد أو حالة معاشة على الواقع .

يبقى السؤال معلقاً فوق الرؤوس : الى متى كل هذا ؟؟!! أما آن لهذا الكابوس أن ينتهي ؟؟؟!! أما آن لهذا الجحيم من خلاص ؟؟؟!!

دعونا جميعاً نرفع أصواتنا عالياً لانهاء هذا الفصل الدامي مطالبين وفوراً

اغلاق سجن تدمر ?  بل ? تدميره كونه وصمة عار على جبين السلطة السورية .

اطلاق سراح كافة المعتقلين السياسيين ?  أو تقديمهم الى محاكم مدنية عادلة .

اطلاق الحريات السياسية بما يكفله الدستور السوري نفسه .

العمل الجدي على بعث الحياة السياسية ? فتح كافة الملفات ? خصوصاً الوطنية منها لمواجهة المشروع التسووي وفق الشروط الأمريكية – "الاسرائيلية" .

اطلاق الحريات الديمقراطية لكافة القوى الوطنية لمواجهة حالة التفكك الاجتماعي ? الاقتصادي ? السياسي الذي يعاني منه المجتمع السوري .

 

إنها دعوة – الحد الأدنى – الذي يمكن لكل القوى السياسية ? الاجتماعية أن تلتف من خلاله لمواجهة تحديات المرحلة الراهنة ? القادمة ? خصوصاً المشروع " الاسرائيلي " ? إلا لأصبحناجميعاً خارج – التاريخ بل ? حتى الجغرافيا - .

 

ماجد حبو              في ستوكهولم 2000-4-27

 

مركز دمشق للدراسات النظرية والحقوق المدنية

1-7-?2000‏‏