ثــلاثــون عــامــاً مــن الإلـغــاء

لا صحف .. لا صحفيين .. ولا من يحزنون !!

حكم البابا

 

 

      ما بين فرح مستبشر بانفتاح ديموقراطي موعود ، وبين شامت يرى أن القرار الذي صدر أحرج من طالب به طوال ثلاثين سنة ، تنوعت ردود الفعل على قرار القيادة السورية بالسماح لأحزاب " الجبهة الوطنية التقدمية " التي تشارك حزب البعث – ولو صورياً – في حكم سورية ، بإصدار صحف علنية لها تعبر عن وجهة نظرها وتوزع في السوق السورية ، وهو أمر ما كانت تحلم به هذه الأحزاب قبل عام واحد فقط من تاريــخ صدور هذا القــرار ( التاريخي ).

 

       وبين ردتي الفعل المتناقضتين كتبت مقالات كثيرة ، المتفائلون غالوا في مدح الإجراءات الديمقراطية التي بدأت تباشيرها تهل على بلد كان مغلقاً لثلث قرن ، معتبرين أن وجود أصوات أخرى غير صوت الصحافة الحكومية خطوة أولى ستتبعها خطوات بالسماح لصحف مستقلة بالصدور ، و إعادة الحياة الصحفية إلى سورية بعد تعطيل دام اكثر من سبعة وثلاثين عاماً هي عمر حزب البعث في حكم سورية ، أما الشامتون فلم يخفوا تشفيهم بالأحزاب التي أحرجت بصدور القرار ، والتي لم يعد لها من وجود حقيقي أصلا ، وبقيت مجرد إكسسوارات تظهر في اجتماعات قيادة الجبهة الوطنية التقدمية بين الحين والآخر من قبيل ملء الكادر بكومبارس صامت في دراما تلفزيونية مفتعلة ، الجميع يعرف مدى تلفيقها ، ولذلك فهذه الأحزاب غير قادرة على إصدار صحف باسمها ، لا من ناحية التمويل ، ولا من ناحية امتلاكها للكادر الصحفي المؤهل لإصدار صحيفة _ وهو بالمناسبة غير موجود حتى في الصحف الرسمية السورية – فضلاً عن أن البرامج السياسية لهذه الأحزاب ،  فسدت بعد طول تخزين في ( ثلاجة ) الجبهة الوطنية التقدمية .

      في غمرة هذه الانفعالات المتناقضة ، انشغل الجميع بمضغ كلمة ( الديموقراطية ) كما لو أنها قطعة من الحلوى كانوا محرومين منها وهم يشاهدونها في كل المحطات التلفزيونية ويسمعون عنها ، وها هي قد وصلت إلى أفواههم ، ومن شدة انبهارهم بها غاب عنهم أو غيّب عن سابق تصميم وخوف الدخول في مناقشة جدية عن واقع صحافة وواقع صحفيين ، وعن إمكانية تنشيط حياة صحفية ركنت على الرف هذا القدر الطويل من السنين ، وهل هناك من هو مستعد لإعادة الاعتبار للمهنة الصحفية بعد أن تحولت الى مهنة ذليلة وتابعة تشوه الحقائق ، وتقلب المفاهيم ، وتزور الواقع وتمسح البلاط ، ومن بقي حتى اليوم من الصحفيين أصحاب الرأي الذين لم يتم استنساخهم داخل المداجن الأيديولوجية للنظام ، و..أسئلة كثيرة لابد من أن تطرح لإنقاذ ما يمكن ( واعتقد انه يستحيل ) إنقاذه لإعادة ضبط الساعة الصحفية السورية على التوقيت العالمي لحركة الصحافة الحقيقية بعد تأخر وصل إلى سبعة وثلاثين عاماً كعدد سنين ، لكنه في عمر التقدم الهائل للصحافة والإعلام في نهاية القرن العشرين يصل في الحقيقة الى تخلف قرن كامل أو يزيد .

 

كيف وصلنا إلى هنا ؟

 

     ومشكلة الصحافة السورية _ واسميها صحافة تجاوزاً – ليست مشكلة عدد اليوم او البارحة ، او أعداد السنة الأخيرة من الصحيفة السورية الواحدة التي تصدر يومياً بثلاثة عناوين ( تشرين-الثورة –البعث) ، بل هي مشكلة ثلاثون عاماً من الإلغاء قضتها الصحافة – حتى وهي مؤممة وتابعة – بين مد وجزر ، ثلاثون عاماً تميز عقدها الأول بانفتاح نسبي في الشؤون غير السياسية ، فرضه وجود عدد من الصحفيين المهنيين الذين تسربوا الى " نشرات الإعلام الملتزم " من عهود الصحافة المستقلة والحرة ، وبعض تلامذتهم الذين  تربوا في عهد حكم البعث الأول على أيدي هؤلاء الصحفيين وتعرفوا على تقاليد المهنة وأصول الصنعة الصحفية ، وتأثروا بتيارات سياسية وأفكار كانت لا تزال فاعلة وحية في ذلك الوقت ، وفي هذا العقد _ السبعينات _ ونظراً للون الواحد الذي فرضه النظام على الشأن السياسي لصالح البواق والمردد والمنشد ، غاب المعلق السياسي وصاحب الرأي والتحليل ( من يذكر لي اسم صحفي سياسي واحد في الصحافة السورية منذ ثلاثين عاماً ؟ ) ووجد الصحفيون منفذاً لهم في تجارب الصحافة الثقافية ، فقدمت السبعينيات من القرن الماضي واحدة من أهم تجارب الصحافة الثقافية في الوطن العربي ساهم في صنعها إضافة إلى الصحفيين مجموعة من المع كتاب وشعراء سورية ، سواء في الصفحات الثقافية للصحف اليومية ، أو من خلال تجربة هامة كملحق الثورة الثقافي .

       لكن سرعان ما تنبه النظام إلى خطورة وضع الصحافة والثقافة بأيدي من لا يضمن ولاءهم الكامل ، وبسبب من عدم وجود كوادر لامعة لديه تعمل في المجال الثقافي عمد إلى إجهاض طفرة الصحافة الثقافية المتألقة ، ومع تأكد أجهزة النظام بأنه لا يستطيع ضمان ولاء المثقفين بعد بيانهم حول دخول ( تل الزعتر) ، ومن ثم لقائهم العاصف بقيادة الجبهة الوطنية التقدمية إبان تصاعد أزمة ( الإخوان المسلمين ) في سورية ، بدأ الهامش الصغير يتضاءل ، وزاد الفرز الأمني فمنع عدد من الكتاب والصحفيين من الكتابة في الصحف السورية ، ومنعت أسماؤهم من الظهور على صفحات هذه الصحف ، حتى لو وردت في صيغة خبر عابر ، وترافقت إجراءات الحرمان المعنوي هذه بحملة لتوزيع الصحفيين ( المشاغبين )على دوائر الدولة كموظفين عاديين في مؤسسات ووزارات غير معنية بالصحافة ،وظهرت كلمة وزير الإعلام السوري الراحل احمد اسكندر احمد الشهيرة كقانون في الصحافة السورية ، حين قال في اجتماع مع بعض الصحفيين انه يريد الإعلام السوري كله مثل فرقة سيمفونية ، يقودها مايسترو هو وزير الإعلام وكل عازفيها ينظرون إلى (العصا) التي يحملها المايسترو ، ويعزفون حسب حركتها .

     بعد هذا لفرز الأمني أبعد كثير من الكتاب وابتعد البعض جراء يأسهم من الصورة القاتمة للقادم ، وتم إفراغ الصحف من أهم كوادرها المهنية ، ليتبقى الجيل الثالث الذي حظي بالعمل مع جيل ما بعد الصحافة المستقلة ، وورث حدوداً دنيا من احترام تقاليد المهنة ، لكن هؤلاء لم يعمروا طويلاً ، فبعضهم انساق مع حركة عصا المايسترو، والبعض الآخر همش ، سواء من خلال المنع الروتيني لما يكتبون في خطة منظمة للتيئيس أو بتعيين من هم اقل خبرة وموهبة لكن اكثر ولاء ً مسؤولين عليهم . حيث كانت مرحلة الثمانينات من القرن الماضي هي مرحلة إنهاء أصحاب الرأي في الصحافة السورية .

     ومع بداية التسعينات تم الإغداق وبكرم زائد – بموظفين عقائديين بصفة صحفيين على الصحف السورية ، وانتشر هؤلاء بشكل سرطاني ، بحيث تحول الصحفي المهني إلى قلة وسط جيش إنكشاري يقف باستعداد حين يسمع اسم عضو شعبة حزب في قرية نائية كمعرة مصرين على سبيل المثال ، فكيف لو سمع باسم وزير أو قيادي في الحزب أو من هو أعلى مرتبة !! ورافق هذا الانخفاض المهني لجيش الصحفيين السوريين تضييق في الهوامش التي كانت متاحة في الصحافة السورية ، فبعد أن كان المنع والحظر والتخوين يقف عند الشأن السياسي وبعض القضايا المحلية ، وصل إلى حد التدخل حتى في الشؤون الثقافية والفنية ، فمرة يمنع الكتابة عن  الدراما السورية بشكل سلبي لان وزير الإعلام يشجع هذه الدراما ،ومرة يتدخل مدير المسارح لإغلاق ملف عن المسرح السوري لعلاقته الحميمة بالوزير أو بالأجهزة إياها ، وثالثة يتدخل ممثلون لمنع صحفي من الكتابة لمجرد انتقاده أدوارهم في مسلسل تلفزيوني ، ولا تتحدثوا عن مهرجان الأغنية وتحدثوا عن مهرجان السينما ، ووسط هذا الجو المليء بقرارات المنع ، والرعب مما إذا كان أي من الفنانين أو مدراء المؤسسات الثقافية له ارتباطات تحميه فضل المسؤولون عن مفاصل النشر في الصحف السورية الحفاظ على رؤوسهم وكراسيهم بالاعتماد على المادة المحايدة التي لا تثير قضية ولا تستعدي أحدا ، وبحواسهم السادسة والسابعة والثالثة عشرة صارت لهم قوائم منع خاصة بهم ، وهكذا صار الكل يمنع ، الوزير يمنع .. المدير يمنع .. مدير التحرير يمنع .. سكرتير التحرير يمنع .. ورئيس القسم يمنع ، وحتى القلة القليلة من أصحاب الرأي التي عاندت وبقيت في الصحافة السورية غدت تفكر بالممنوع والمسموح وخف حماسها ثم ما لبثت أن انطوت على نفسها وفضلت الصمت على حرب غير متكافئة.

     وسط هذا الجو انتعشت مواد جيش الصحفيين الانكشاري ، وطغت المواد الرديئة التي لا تثير أحدا ولا تهم قارئاً ، وزاد معدل منع الكتاب من الكتابة ، ومنع تداول أسماءهم حتى في الأخبار ، بحيث  لا يمر شهر إلا ويمنع اسم كاتب أو اكثر .

     وفي هذه المرحلة ومع انتعاش الشركات الخاصة بدأت تتشكل قوائم من الصحفيين الذين يستلمون رواتب شهرية من هذه الشركات ، مقابل إدارة الحروب بينها ، أو تقديم الدعاية المجانية أو إخفاء ملفات فساد تطالها وبيعها لأصحابها بدل نشرها ، ومع التزوير الذي كانت تمارسه الصحافة في الشأن السياسي والاقتصادي والمحلي ظهر الفساد المالي والأخلاقي ، واصبح شراء الذمم لا يقتصر على الراتب الوظيفي للصحفي والخوف من المجهول داخل الأقبية المعتمة ، بل تعداه إلى فساد حقيقي ومخيف .

     .. وهكذا عبر ثلاثين عاماً من حروب متنوعة الأساليب واجهها صحفيون يعملون في صحف الدولة ألغي الرأي الآخر ، وتحول الصحفي إلى خادم مطيع ، يؤمر فيرضخ ، ويطالب فيطيع ، وينافق ولا يعبر ، ويغير رأيه حسب أوامر رؤسائه وخططهم الإعلامية غير الموجودة أساسا ، فالصحفي الذي كان يكتب حتى أواخر أيام رئيس الوزراء المنتحر محمود الزعبي عن خطة الحكومة الرشيدة وحكمة قراراتها ، هو نفسه الذي راح يكتب بعد شهر واحد من تاريخ نشر رأيه المدائحي الأول عن فسادها وسرقاتها ، ورئيس التحرير الذي كان يمنع أي مقالة يرد فيها اسم الشاعر الفلسطيني محمود درويش على اعتباره جزءا من سلطة ياسر عرفات ، هو نفسه الذي غدا يرسل المحررين والمصورين إلى أمسية لمحمود درويش ويفرد لها الصفحات ، بعد تلبية درويش دعوة لزيارة سورية وجهها له وزير الإعلام السابق محمد سلمان ، واسم نجيب محفوظ الذي كان ممنوعا باعتباره واحدا من أدباء كامب ديفيد قبل المصالحة السورية المصرية أصبح فجأة مرحبا به و طلب من الصحفيين الكتابة عنه وعن أعماله بسبب حديث لوزير الإعلام المصري تحدث فيه عن سورية التي تمنع أدب العربي الوحيد حامل جائزة نوبل ، فجاء الرد سريعا بتوجيه يطلب تنفيذ الأمر بالاحتفاء بأدب محفوظ وهكذا غدت الصحف السورية لا هم لها إلا الإشادة بمحفوظ وأدبه ، وتم منع الكتابة عن الدكتور أحمد زويل بعد حصوله على نوبل للكيمياء دون مبررات حقيقية إلا حديث مبهم ردده رؤساء التحرير عن أن لديهم أوامر بعدم التحدث عنه ، وشنت حملات عديدة في الصحف السورية على فنانين وكتاب ومفكرين سوريين ، فاتهم حافظ الجمالي بالماسونية لمجرد انه تحدث عن الديموقراطية ، وشككت في ذمة صباح فخري المالية لأنه قال كلاماً في محطة عربية عن الإعلام ،وتم الإيحاء بلا وطنية محمد ملص لأنه اخرج فيــلم  ( الليل) لأن البعض رأى في بطليه القادمين من مدينة حماه السورية تاريخا لا يرغب في استعادته و.. و ..وكانت دائماً هناك أقلام مستعدة لتلبية ما يطلب منها ، وتقديم الولاء بصرف النظر عن قناعتها وقيمها . 

     ومع إلغاء الرأي والعقل وحرية الاختلاف حتى في اكثر القضايا هامشية ،وتجاوز التقاليد المهنية ، وتهميش المخالفين-كأكثر إجراء اثبت فاعلية – تم إلغاء الصحافة وتشييعها إلى مثواها الأخير ، واستبدالها بمنشورات تعكس صورة حياة سياسية وثقافية واقتصادية واجتماعية منهارة ، أشبه ما تكون بأرض قفر موحشة ليس عليها إلا مجموعة من خيالات المآتة !!

    ومع ذلك لم يكف رؤساء تحرير الصحف – طوال كل تلك السنوات – عن التشدق بالتطوير وعقد الاجتماعات بين الحين والآخر لذلك، كلما طالتهم كلمة من مسؤول في الدولة حول صحفهم ، وغالباً ما تؤدي هذه الاجتماعات إلى لاشيء ، وتعود الأمور كما كانت ،فقد كان الهم الأساسي لرؤساء تحرير الصحف السورية إرضاء النظام لا إرضاء القارئ. والغريب في الأمر أن مسؤولي النظام يفضلون قراءة الصحف العربية ( الحياة _ النهار " وهذه الأخيرة لاتوزع في سورية" -السفير .. الخ) على صحفهم دون أن يخطر لأي منهم العمل على تطوير الصحف السورية لتنافس العربية التي يداومون على قراءتها ، بل كانوا مصرين على بقاء الصحافة السورية في شللها ، ويقمعون أي بادرة – ولو صغيرة – للتطوير ، محافظين عليها كالابن المعاق .

   بالمقابل كان النصف الثاني من العملية ( القارئ ) ملغى تماماً من عقلية رؤساء تحرير الصحف السورية ، فلا أحد يهتم به ، ولا أحد يفكر بما يرغب قراءته ، والصحف لا تعكس صورته ،ولا تقترب من مشكلاته إلا في الحدود الدنيا ، كأن يتحدث صحفي عن حفرة في حي ،أو يشكو من قطع الكهرباء عن شارع ،لكن حتى هذه المشكلات البسيطة تغيب عن الصحف أحيانا بسبب توجيه ما يصدر أمرا بإغفال السلبيات والتركيز على الإيجابيات ، وهو الامر الذي يزداد عادة في المناسبات الوطنية ، إذ تتحول صورة البلد إلى جنة عدن ، والطريف في الأمر أن المؤسسات الخاسرة تصبح رابحة ، والمشاريع المتوقفة تصبح عجلة العمل فيها دائرة ، وما كان يكتب عنه سابقا من فساد يصبح مثالاً للنجاح والازدهار والتقدم والاستقرار .

     لكن إذا كان المواطن – القارئ لا يستطيع الرد على الكذب عليه والتلفيق والتزوير الذي تمارسه الصحافة السورية علانية ، إلا أن عجزه لم يمنعه عن الرد ولو بالسلبية تجاه هذه الصحافة ، ويوجه لها أقسى الضربات التي تجلت في الانخفاض الواضح في أرقام توزيع الصحف السورية ، وحسب إحصائيات مؤسسة توزيع المطبوعات السورية التابعة لوزارة الإعلام فقد كان توزيع صحيفة ( تشرين ) عام 1990 ستون ألف نسخة يومياً ، انخفض الرقم 1998 إلى أربعة وعشرين ألف نسخة ، ثم تدنى 1999 إلى ستة عشر ألف نسخة ،ليرتفع عام 2000 إلى عشرون ألف نسخة بعد وفاة الرئيس حافظ الأسد وتولي نجله الرئاسة وانتظار الناس أخبارا حول ما يجري وحول مستقبل البلد ، أما صحيفة ( البعث ) فقد تدنى رقم توزيعها من عشرة آلاف نسخة عام 1990 إلى أربعة آلاف نسخة عام 1999 ثم ارتفع العدد عام 2000 إلى سبعة آلاف نسخة للمتغيرات السالف ذكرها ، في حين ازداد رقم توزيع صحيفة( الثورة ) من خمسة عشر ألف نسخة عام 1990 إلى ثمانية وعشرين ألف نسخة عام 1999 بسبب إضافة أربعة صفحات تتضمن مواداً للتسلية وحوادث جنائية ، لكنه عاد في عام 2000 لينخفض إلى عشرين ألف نسخة. وتعتبر هذه الأرقام –بمعدلات ارتفاعها وانخفاضها- مخجلة إذا ما أخذنا في اعتبارنا أن عدد سكان سورية ستة عشر مليون نسمة ، بينهم عشرة ملايين قارئ حسب إحصائيات مؤسسة توزيع المطبوعات السورية ، وكذلك تدني سعر الصحيفة السورية ، بالمقارنة مع الصحف الأخرى العربية التي يباع اقلها سعراً بضعف ثمن الصحيفة السورية ، ومع ذلك تنفذ هذه الصحف من الأسواق ، في حين تتكدس الصحف السورية في منافذ البيع ثم تعاد إلى مصادرها تمهيداً لإرسالها إلى معمل الورق الذي يعتبر المستهلك الأول والرئيسي للصحافة السورية.

 

في أي اتجاه ماضون ؟

 

      ليست هذه هي المرة الأولى التي تثار فيها أزمة الصحافة السورية ، وأزمة الحرية فيها ، فقد سبق وان أثيرت اكثر من مرة ، لكن اعنف تلك المرات ظهر في بداية العام الماضي وتحديداً في أواخر عهد وزير الإعلام السابق محمد سلمان ، حيث استخدمت مجموعة أقلام مغمورة تعمل في المؤسسات الإعلامية السورية للكتابة في الصحف العربية عن واقع الإعلام السوري المتخلف ، والصحافة غير المقروءة ، وطالبت بمزيد من الشفافية ، وتمت حماية أصحاب هذه الأقلام من أي إجراء يتخذ بحقهم من قبل مدراء مؤسساتهم الإعلامية أو حتى وزير الإعلام نفسه ، وهو ما حدث بالفعل حين اجبر مدراء تلك المؤسسات على إعادة أصحاب هذه الأقلام إلى مواقع عملهم بعد أن تم نفي بعضهم إلى صحف المحافظات السورية ، الأمر الذي جعل الصحفيين السوريين يستبشرون خيراً وهم يرون همومهم المهنية تنشر في الصحف العربية ، ويتم إزالة الجور على من نقل هذه الهموم ، لكن سرعان ما تبين أن الأمر لم يزد عن كونه معركة تصفية حسابات بين قوى متناقضة داخل النظام ، وبنتيجة هذه المعركة خسر وزير الإعلام وخرج من الوزارة ، لتهدأ بعدها ضجة الحديث عن واقع الصحافة السورية وتذهب إلى النسيان وتعود الأمور كما كانت ، بل ربما اشد انغلاقاً وحظراً ، فبعد التغيير الوزاري الذي طال وزارة الإعلام ،  عاش مدراء المؤسسات الإعلامية حالة من الذعر ، وهم ينامون ويستيقظون مترقبين قرار إبعادهم ، وبدلاً من الانفتاح تماشياً مع شعارات المرحلة الجديدة ، وحاولوا ما أمكنهم تجنب المواقع الخطرة ، فزادوا من حجم الممنوعات ، وبذلوا ما في وسعهم للابتعاد عن أية مادة أو قضية فيها شبهة خطر على كراسيهم ، واستخدموا ما في قاموسهم من ألفاظ الدجل والتملق للحفاظ على رؤوسهم في مرحلة غدا فيها ثمن الرأس لا يساوي الكثير . لكن الزمن لم يطل بهم حيث تم استبدالهم بآخرين غرباء عن المهنة وآلياتها وتفاصيلها، ومن خارج الوسط الإعلامي والصحفي ليبدؤوا العمل الصحفي من الصفر كأي صحفي مبتدئ لكن الفارق انهم هنا بمرتبة مدراء عامين ورؤساء تحرير . وبسبب من قلة خبرتهم اعتمد هؤلاء على مفاصل النشر ذاتها الموجودة في الصحف على الرغم من أنها أثبتت فشلها – باعتراف النظام نفسه- عبر ما أنتجته من صحافة متخلفة . وبدلاً من توسيع الهوامش الضيقة ، وفتح النوافذ للتجديد تماشياً مع العناوين العريضة للشفافية والانفتاح التي طرحها الرئيس بشار الأسد ، اختار الإعلام السوري خياره الأبدي : إعادة إنتاج نفسه وتسويق الانغلاق ، وعلى نحو اكثر سوءاً من المرحلة التي لعنها الجميع وتم إبعاد المسؤولين عنها واستبدالهم بهؤلاء . فالتحقيقات المحلية التي كانت تتناول آلية عمل مؤسسات الدولة الرسمية وتكشف الأخطاء وتعري الفساد والتي نشطت بشكل مثير قبل وفاة الرئيس حافظ الأسد ألغيت وطويت إلى غير رجعة ، والزوايا النقدية الاعتيادية التي تسلط الضوء على ظواهر سلبية ولا تشكل خطراً على النظام اعتبرت تطاولاً وتم إيقافها وعادت سيرة منع الصحفيين عن الكتابة ، وسجلت للمرة الأولى في تاريخ الصحافة السورية سابقة إصدار تعميم على الصحف السورية يمنع نشر أي مادة تخص عملاً أو نشاطاً لوزارة الثقافة السورية إلا بعد موافقة وزيرة الثقافة شخصياً ، مما يعني إلغاءها لدور رئيس التحرير ومفاصل التحرير الأخرى في الصحف ، وتدخلها في شأن وزارة أخرى هي وزارة الإعلام .

    وهكذا ضيعت الصحافة السورية على نفسها فرصة ثمينة في هذه المرحلة لتستعيد دورا فقدته وقارئا أهملته وفضلت ترك دورها للصحف العربية التي صارت هي مصدر المعلومات عن سورية ، مكتفية بدور الحاجب الذي يطيع ويدلس وينافق ، وبدلا من تفعيل دورها مستندة إلى خطاب القسم للرئيس بشار الأسد ، اكتفت بنشر المطولات عن أهمية هذا الخطاب ، وشرحه ،دون أدنى محاولة لتطبيق مضامينه والاستفادة منه في فتح النوافذ المغلقة منذ عقود . وذلك بسبب سيطرة الحرس القديم للصحافة على شؤون النشر التي لا تزال مستمرة ، والذين اعتادوا أسلوب " المداح – النواح " في الصحافة ، حسب اتجاه الرياح التي تهب في البلد ، والتي تضمن لهم البقاء جالسين على كراسيهم ، أما القادمون الجدد الذين هبطوا بالبراشوتات على كراسي رؤساء التحرير فهم بالإضافة إلى عدم معرفتهم بمهنة الصحافة – جملة وتفصيلا -أرادوا أن يكونوا أمينين للأجهزة التي أنزلتهم بالمظلات فوق مباني المؤسسات الصحفية التي تولوا إدارتها .

     حدث كل ذلك – ولا يزال يحدث – على الرغم من الشعارات والمانشيتات العريضة التي تملأ الصحف العربية وتتحدث عن تغير في العقلية الإعلامية ، وانفتاح لا محدود ، وصحافة لأحزاب الجبهة ، وقانون مطبوعات جديد سيتيح للأفراد امتلاك صحف خاصة ، وهي أمور في رأيي الشخصي مجرد أمنيات طيبة لمروجيها إذا أحسنت الظن ، لكنها في حقيقة الأمر تسريبات لأجهزة هي التي تتحكم بمقادير الأمور ، وتسمح أو تمنع حتى مراسلي الصحف العربية بنشر هذا الخبر أو ذاك ، فكيف بالصحافة التي تملكها وتتحكم برقاب أفرادها ، فترى أهمية الصحفي بما يكتبه لها من تقارير لا بما يكتبه في صحيفته ، فتتدخل في تثبيت هذا وإقصاء ذاك ، وتقوم بتوجيه حملات منظمة لنشر  ما تريد ، وتعطي التوجيه بالكف عن النشر في موضوع ما ، وبوجود مثل هذا ( التوجيه ) الذي تحكم ثلث قرن بالصحافة السورية ولا يزال ساري المفعول ، اقرأ السلام على روح الصحافة الغائبة .. الغائبة .. الغائبة  ، وقل : لا صحف ، لا صحفيون، ولا من يحزنون .

 

 

جريدة النهار اللبنانية  20/2/2001

موقع مفهوم الالكتروني  13/5/2001