ترحم على أيام سلمان واستدعاءات لشرب "فنجان قهوة"
السوريون ما زالوا يحلمون بالتغيير رغم الانقلاب على "ربيع دمشق"

أحمد عباس

من يزور العاصمة السورية هذه الأيام يلحظ دون عناء ذلك الفارق المئوي بين أجواء التفاؤل والثقة التي كانت تشع من الوجوه وأحاديث المقاهي، التي انتشرت خلال الشتاء والربيع الماضيين، وبين جو الكآبة المكفهر الذي يغلف حياة الناس بطبقات كتيمة متراصة الآن.

الكآبة تنتشر في أرجاء عاصمة الأمويين مثل غيمة التلوث التي ازدادت بشكل يدعو للدهشة، لكأن حالة من التواطؤ بين الغيمتين هي التي تتآمر على مناخ دمشق وتجعله مناخا أسطوريا صاغته قريحة كاتب سوداوي.

منذ موجة الاعتقالات الأخيرة التي طالت عشرة من رموز "ربيع دمشق" ساد شعور عام بالفقد، كأن الأمل الذي تشبث به السوريون خلال عام كامل تحول إلى كابوس لا يستطيعون الفكاك منه. يقول أحد المثقفين الناشطين في لجان إحياء المجتمع المدني: كل شيء يدعو للإحباط، كأننا لم نفعل شيئا ولم نصدر بيانات ولم نقم ندوات، فجأة تحولنا إلى عملاء للخارج، أعداء للوطن في نظر السلطات، لقد حاولنا بدوافع من ضميرنا الوطني أن نساهم في إخراج الوطن من نفقه المظلم الذي قادته إليه سياسات مدمرة، حاولنا أن نكون طليعة التغيير السلمي الذي يحلم به ويريده كل السوريين ولكن ذلك تبخر فجأة وعادت الأمور إلى سابق عهدها.

اكتبوا .. لا تكتبوا!

يذهب أحد المراسلين الصحفيين بعيدا في نقده للأوضاع الحالية متحسرا على أيام وزير الاعلام السابق محمد سلمان، يقول المراسل: في عهد وزارة محمد سلمان لم تكن توجه لنا تعليمات محددة، كان الأمر مرتبطاً بحسن تقدير المراسل والذي كانت مساءلته تتم من قبل الوزارة. الآن توجد تعليمات محددة اكتبوا كذا، ولا تكتبوا كذا، هذا الموضوع ممنوع التطرق له، تخيلوا أن تعميما صدر إلينا يمنع تناول مهرجان دمشق السينمائي بأي مقال نقدي تحت طائلة المحاسبة الصارمة.

يتابع المراسل الصحفي، الذي أصر على عدم ذكر اسمه، شأنه شأن جميع من حاورناهم: في عهد محمد سلمان كانت الوزارة تبت في القضايا الحساسة بمعنى أنها تنصحنا بالكتابة أو لا تنصحنا، أما الآن فالوزير الجديد الذي تفاءلنا به أصبح يحولنا إلى الأجهزة، إذا سأل أحدنا سؤالا حول قضية ما يقول لنا اسألوا الأجهزة.

كلام المراسل الصحفي يؤشر إلى حقيقة لمسها جميع المهتمين بالشأن السوري وهي تراجع التغطيات الصحفية في صحافة الخارج بشكل يدعو للملاحظة. يقول مراسل آخر إن تهديدات بسحب البطاقات الصحفية منا قد صدرت من وزارة الإعلام وبشكل واضح ومباشر، وقيل لنا إن هناك كثيرين ينتظرون ليستلموا أماكننا ولن يرحموا مراسلا يتجاوز الخطوط الحمراء.

فنجان قهوة

ويبدو أن الأجهزة الأمنية قد دخلت بشكل مباشر على المراسلين الصحفيين عبر الاستدعاءات اللطيفة (لشرب فنجان قهوة) وتمرير الأخبار والايحاء ببعض الأفكار، وقد أصبح شائعا أن يبوح مراسل مبتدئ على الملأ بأنه كان قبل قليل يجلس مع رئيس الفرع الفلاني الذي قال له كذا وكذا.

والاستدعاءات اللطيفة لفروع الأمن لا تقتصر على المراسلين فقط، بل تشمل المثقفين الناشطين في لجان إحياء المجتمع المدني الذين يؤكدون على نقطة واحدة يركز عليها حديث رجال الأمن وهي الخطر الأصولي القادم والتحذير من عواقبه الوخيمة على الجميع.

حتى أن البعض فهم من هذه الرسائل الخفية أن قمع "ربيع دمشق" أتى على خلفية منع الإسلاميين من ركوب الموجة والعودة بقوة إلى الساحة السياسية التي خلت منهم منذ عشرين عاماً، وقد بلغ هذا التوجس من الإسلاميين مبلغاً جعل التلفزيون السوري يمنع بث الصور والأخبار المتعلقة ببن لادن وتنظيم القاعدة.

الخطر الأصولي

ولكن ما حقيقة وجود خطر أصولي قادم إلى سورية؟ سؤال وجهناه إلى بعض من قابلناهم.

قال لنا أحد المثقفين المراقبين عن كثب للحركة الإسلامية في سورية إن ما يبثه رجال الأمن عبارة عن محاولة للهروب من استحقاقات الديمقراطية والتغيير، وكان نائب الرئيس السوري هو أول من تحدث عن هذا الخطر عندما أشار إلى "الجزأرة". ولكن حقيقة الوضع السوري تختلف عن الوضع الجزائري، فالسوريون اكتووا بنيران هذه الظاهرة بشكل يجعلهم يعدون ألف مرة قبل أن يفكروا بأي عمل متطرف، ثم إن طبيعة الحركة الإسلامية السورية تختلف من حيث بنيتها عن شقيقتها الجزائرية، إضافة لاختلاف طبائع السوريين أنفسهم الميالين إلى المسالمة.

ويتابع المثقف بثقة: لا يوجد خطر أصولي سوري قادم، والإسلاميون السوريون الذين لا يستطيع أحد أن ينكر حجمهم الحقيقي - وهو كبير - هم من الجناح المعتدل في الحركة الإسلامية وقد قدموا مبادرة للمصالحة الوطنية ونبذ العنف، ولا داعي مطلقاً للتهويل والتخويف منهم.

في دمشق لا يبدو أن هناك أحد مقتنع بالتهم الموجهة لـ "العشرة" كما يحلو لبعض المثقفين أن يسموا المعتقلين الذي طالتهم الحملة الأخيرة. الجميع يقول إنها تهم باطلة وتمت لأسباب شتى لا علاقة لها بما يقال، فالنائب رياض سيف كما يؤكد مقربون منه لم يرتكب أي فعل يستدعي المساءلة وكل ما قام به كان علنيا وسلميا وضمن حقه الدستوري باعتباره عضوا منتخبا في مجلس الشعب، أما مسألة اعتقاله فلها علاقة - كما يردد هؤلاء - بموضوع عقد الخليوي، وكذلك الأمر بالنسبة للمحامي رياض الترك وباقي المعتقلين الثمانية الذين أحيلوا إلى محكمة أمن الدولة والذين لا تستحق مخالفاتهم حتى مجرد المساءلة أمام محكمة الجنح - حسب أحد المحامين - الذين يترافعون دفاعاً عنهم.

"الأوضاع لا يمكن أن تستمر كما هي عليه" .. جملة يرددها جميع من قابلناهم، والعودة عن المكتسبات التي تحققت في العام الماضي ليست بهذه السهولة. فالسوريون الذين تنسموا هبة خفيفة من نسيم الحرية، يبدو من الصعب عليهم تقبل العودة إلى زمن الغرف المغلقة بإحكام، زمن يريدون جميعاً دفنه بكل إرثه الذي ينخ على كواهلهم.