تجربة شاهد عيان من داخل كواليسه... محمد منصور

 

... ومعاناة مشاهد أمام شاشته التلفزيون السوري: فن البقاء على قيد الحياة!!

محمد منصور

 

قسم كبير من العاملين في التلفزيون السوري يعانون من حالة إحباط حقيقية وهم يرون إلى التلفزيون العريق الرائد متخلفا  عن ركب المحطات المشاهدة التي لها موقع حقيقي على خارطة البث; ومنذ سنوات طويلة غدا مفتاح الحديث العبارة التلفزيونية السورية المأثورة (من سيئ إلى أسوأ) رغم تعاقب الإدارات...وتبدل الوجوه.

 

بدا التلفزيون السوري أثناء الحرب على العراق في أصدق حالات التعبير عن ذاته.. وتجسدت على شاشته بحق كل الكوارث الإدارية والرقابية والتقنية التي يعاني منها.

فعدا عن حادثة بث الأفلام الوثائقية والتسجيلية ليلة سقوط بغداد وليومين متتالين التي صار بالإمكان تداولها, شاهدا  ومثالا , ثمة تفاصيل تستحق أن تروى, وثمة طرفة تم تداولها في أروقة التلفزيون السوري في ذلك اليوم  من قبل بعض العاملين, مفادها أن مدراء التلفزيون (المدير العام- مديرالتلفزيون- مدير القناة الأولى) اختفوا ذلك اليوم منذ حوالي الساعة الثالثة بعد الظهر كما اختفت القيادة العراقية في بغداد.. فلم يعد بالإمكان الاتصال بأحد منهم, لا على الجوال, وعلى أي وسيلة اتصال أخرى... وإذا كان بالإمكان الاتصال بأحدهم بعد طول إلحاح, فإنه من غير الممكن أن تحصل على قرار بما يجب بثه, سوى البرامج السياحية والأثرية الأرشيفية.

مأساة نشرة أخبار

والأمر لا يتوقف عند هذا التفصيل على دلالاته الكبيرة والمؤلمة, بل يحيلنا إلى صورة نشرة الأخبار في التلفزيون السوري والفضائية السورية, وهي صورة كان محرما  على الإعلام السوري المقروء منذ سنوات طويلة التطرق إليها ولا حتى بالمناقشة وصيغ التمني.. فالتلفزيون السوري- وباستثناء تغطيته للزيارات الرسمية لرئيس الجمهورية التي يرافقها بعثة تلفزيونية خاصة- لا زال يعتمد إلى اليوم, من خلال مراسليه (وهم في معظم الأحيان مراسلو وكالة سانا للأنباء) على الرسالة الصوتية غير المصورة, وغالبا  فالصور إما تؤخذ من الأرشيف (وللأمانة بات يكتب مؤخرا : صور من الأرشيف) أو من خلال ما يلتقط في قسم الرصد في مديرية الأخبار المصورة, من صور محطات أخرى أو وكالات أنباء أخرى مصورة.. أي أن المراسلين لا يفيدون التلفزيون بأية صور خاصة من قبيل السبق الصحفي المصور (لا سمح الله) فهم صوت بلا صورة...وميكروفون دون كاميرا.. ومع ذلك يحسبون على المشاهد بأنهم مراسلون للتلفزيون من موقع الحدث!

ونادرا  مهما كان الحدث ساخنا  وهاما , ما يتمكن التلفزيون السوري من إجراء اتصال مصور على الهواء مباشرة مع موفد له أو مراسل من موقع الحدث... وربما بدا هذا الأمر فاقعا  ومثيرا  للاستغراب أثناء الحرب على العراق, حيث قضى مشاهدو التلفزيون السوري الأسبوعين الأول والثاني من الحرب دون حتى رسائل صوتية خاصة بالتلفزيون من بغداد, وحين تم لفت النظر إلى ما يشكله ذلك من قصور معيب أمام محطات, تعتبر صغيرة التمويل كالمستقبل والمنار  وإل.بي.سي قياسا  لتلفزيون دولة. تم إرسال مراسل لم  ينجح في إرسال رسالة مصورة خاصة بالتلفزيون السوري, ولم يظهر في بث مباشر ومصور من موقع الحدث, كما كان يظهر معظم مراسلي التلفزيونات العربية الأخرى, الذي وصل بعضهم إلى بغداد قبيل أكثر من عشرة أيام من بداية الحرب, وأرسلت بعض المحطات أكثر من مراسل فمنهم من كان في بغداد, ومنهم من كان في البصرة, ومنهم من كان في منطقة الشمال مع الأكراد.. في حين أن المراسل اليتيم للتلفزيون الذي وصل في الأسبوع الثاني لبداية الحرب, بدا عديم الفائدة, في غياب تأمين وسيلة تقنية لبث رسائله المصورة من موقع الحدث, التي راح يبحث عنها في وقت كانت المحطات الأخرى قد رتبت كل أمورها, وتعاملت مع كل الظروف الطارئة التي قد تواجه مراسليها ودرستها حتى قبل بداية الحرب!

مدرسة خبرات حقيقية

لا يبدو هذا الواقع مؤسسا  على تاريخ التلفزيون السوري الحقيقي, فتاريخه يشهد بأنه كان مصنع خبرات هامة, وصاحب خطوات ريادية سباقة ومشهودة وربما لا يعرف كثيرون, أن التلفزيون السوري الذي انطلقت شارة بثه الأولى, في الثالث والعشرين من تموز يوليو عام 1960 هو من التلفزيونات الرائدة في المنطقة العربية, فقد ولد في اليوم نفسه الذي انطلق فيه بث التلفزيون المصري أيام الوحدة بين مصر وسورية, مع فارق التاريخ الفني العريق الذي لا يكاد أحد يجهله, بين بلد يمتلك إمكانات هائلة وتاريخ سينمائي ومسرحي عريق هو مصر, وبلد ولد التلفزيون فيه من فراغ.. فالسينما والمسرح فيه محاولات فردية هاوية, والفن عشق وكفاح وسباحة ضد التيار بالنسبة لمجموعة من الفنانين السوريين الرواد.

رغم ذلك...فهذا التلفزيون الوليد من محطة صغيرة استطاعتها 10 كيلو واط على قمة جبل قاسيون المطل على دمشق, سرعان ما أثبت حضورا  وانتشارا , لم يكن أحد يتوقع أن يبلغهما في سنوات قليلة من عمره.. وسرعان ما أصبح كذلك منجما  لخبرات عربية ساهمت في تأسيس معظم المحطات التلفزيونية العربية التي توالدت بين منتصف الستينات ونهاية السبعينات من القرن الماضي, إذ لا يكاد يخلو تلفزيون عربي في الفترة المذكورة من فنانين وفنيين سوريين ساهموا في تأسيسه وانطلاقته.. ناهيك عن المدرسة المتميزة التي أسسها السوريون في الدراما التلفزيونية وبلغوا فيها آفاقا  عربية لا يمكن تجاهلها, وعن أمجاد برامج المنوعات التي برع فيها السوريون في فترتي السبعينات والثمانينات على وجه الخصوص.

لكن الحديث عن التلفزيون السوري يبدو مختلفا  كل الاختلاف اليوم عن هذه المقدمة الزاهية... فأزمته الراهنة غير خافية على أحد, وهو بعد انتشار أطباق الاستقبال الفضائي على نطاق واسع وبثمن رخيص نسبيا , باتت مشاهدته آخر الخيارات التي يمكن أن يلجأ إليها المشاهد السوري بعد أن يجد ما يبحث عنه من نشرات أخبار مفصلة في المحطات الإخباربة المتخصصة, أو برامج المنوعات الترفيهية في المحطات اللبنانية, أو برامج المسابقات ذات الجوائز المجزية والإعداد والإخراج المتميز في بعض المحطات الفضائية.. وهي أمور كلها لا يجد المشاهد السوري بديلا  عنها في التلفزيون السوري.. اللهم إلا إذا أراد أن يتابع مسلسلا  دراميا  سوريا  جديدا ,لا تكون محطة عربية قد سبقت إلى عرضه!

والسؤال الذي يطرح نفسه إزاء كل هذا ما الذي يجعل التلفزيون السوري ينكفئ في أدائه وحضوره.. في الوقت الذي يتم العقود الأربعة من عمره, ويصل إلى ما يفترض أنه سن النضج والاكتمال في عمر الأفراد والمؤسسات?!

وما الذي يجعل أزمة التلفزيون السوري اليوم, تتشعب وتتعدد وجوهها بين الوضع البرامجي المتردي, والوضع الإنتاجي المتعثر, والوضع الإداري الذي يلقي بظلاله على كافة وجوه العمل الفني.. وأي أفق للتغيير والتطوير يلوح في الأفق إذا كنا نرغب حقا  في أن نعيد التلفزيون إلى جمهوره المحلي أولا .. وإلى حضوره العربي المميز ثانيا , وإلى دوره الإعلامي الجوهري الذي يفترض أنه وجد من أجله, وأن الزمن يكرس أهميته يوما بعد يوم, ونحن نعيش عصر التلفزيون كما يحلو لمبدعي الفنون الأخرى أن يرددوا بحسرة وغبطة!

الشاشة هي العنوان الحقيقي!

قسم كبير من العاملين في التلفزيون السوري يعانون من حالة إحباط حقيقية وهم يرون إلى التلفزيون العريق الرائد متخلفا عن ركب المحطات المشاهدة التي لها موقع حقيقي على خارطة البث; ومنذ سنوات طويلة غدا مفتاح الحديث العبارة التلفزيونية السورية المأثورة (من سيئ إلى أسوأ) رغم تعاقب الإدارات...وتبدل الوجوه.

وبعيدا  عن الآراء الشخصية لبعض العاملين الذين يحترمون مهنتهم والذين يكادون يضيعون في بحر من المنتفعين من استمرار ظهور أي برنامج على الشاشة لأطول فترة ممكنة; فإن الشاشة هي العنوان الحقيقي المعبر عما كان يجري في الكواليس.

وأهم صراعات الكواليس في التلفزيون السوري هي صراع المذيعات.. وهو الاهتمام الأساسي للإدارة, على اعتبار أن بعض المذيعات يمثلن حالات معقدة كل التعقيد يتداخل فيها النفوذ بالمؤهلات الغائبة وبلعبة العلاقات الشخصية التي تسود زمنا  لترفع حظوظ مذيعة وتنال من أخرى حيث ينطبق هنا تماما القول المأثور (لكل زمان دولة ومذيعة!), وبهذا تمثل المذيعات من حيث علاقاتهن مع أولي الأمر أو المتنفذين ورقة ضغط على الإدارة برمتها, وأحيانا  ورقة ضغط بيد هذا المدير أو ذاك على صناع البرامج.. شاءت متطلبات الشاشة أم أبت!

وإذا كانت مذيعات التلفزيون السوري تتهمن بالجمود وقلة الثقافة والحرفة.. فإن هذا الاتهام له ما يبرره بسبب الصورة التي تظهر بها المذيعة على الشاشة في النهاية, حيث الحد الأدنى من التوصيل لا التعبير, هومنتهى النجاح في عملية التقديم, وفي قراءة النص أو طرح الأسئلة, أما الحديث عن خصوصية الأسلوب.. فهو ضرب من الفذلكة التي لا يجب أن يلتفت إليها وسط صخب ضجيج العلاقات والمناحرات!

وفي كل بضع سنوات يعلن التلفزيون السوري عن إجراء مسابقة لاختيار المذيعات, وتشكل لجنة للفحص والانتقاء من الخبراء فعلا  من مخرجين مخضرمين وأساتذة جامعيين وبرامجيين.. وتصدر التعليمات بضرورة اعتماد مبادئ صارمة في الانتقاء..

ثم- وفي كل مرة- يفاجأ أعضاء اللجنة بعد ظهور النتائج, بأن قسما  من المذيعات اللواتي رسبن في المسابقة قد أصبحوا مذيعات.. وقسم من الناجحات إما أنهن استبعدن لنقص عنصر الوساطة التي تتحكم في عمل المذيعة, أو حجبت عنهن الفرص لأنهن لا يجدن دخول لعبة الكواليس والعلاقات الشخصية التي ترفع من تشاء وتذل من تشاء بغير تعب ولا ثقافة ولا اجتهاد!!

ونعود إلى النصف المملوء من الكأس: الاستثناءات المثقفة والمجتهدة من المذيعات.. فهؤلاء إذا توفرت لهن فرص العمل.. سيقعن في شرك آلية عمل لا تتيح لهن تقديم ما لديهن, ولا تطوير تجربتهن, ولا تحسين صورة المذيعة السورية أمام المشاهد, ففي آلية العمل هذه: المواعيد غير مقدسة, والاختصاصات غير مصانة, الاستثناءات تخرق أي قاعدة مهما كانت ضرورتها لضبط آلية العمل وإنضاجه على نار هادئة..!

إداريون ومعدون!

ومن مشلكة المذيعات التي هي صلة الوصل الأولى مع الشاشة إلى مشكلة معدي البرامج.. وهؤلاء من أضعف العاملين في التلفزيون السوري علاقة باختصاص عملهم.. وبعضهم تنقصه الثقافة في الموضوع الذي يعالجه, وبعضهم لا يتفن اللغة العربية في حدودها الدنيا فيكتب النص الذي تقرؤه المذيعة, ركيكا  وإنشائيا  فقيرا  بالمعلومات, يفتقر للغة التلفزيونية الرشيقة, ناهيك عن بعض صغار الإداريين وموظفي الدواوين الذين أصبحوا معدين وأنتجوا برامج رديئة في السنوات الأخيرة ومع ذلك, فهم معدون بحكم الأمر الواقع. وقد شاع في السنوات الأخيرة مبدأ أن كل إداري يعمل مديرا  لمكتب المدير العام, سيكون له كل الحق تلقائيا , في أن يصبح معدا  أساسيا  وخصوصا  في برامج المناسبات حيث توزع الغنائم على هؤلاء الذين يقتصر الإعداد لديهم, على مرور الأوامر الإدارية للبرامج ضمن بريد مكتب المدير العام الذي يتولونه, ثم تصبح لديهم الجرأة في أن يجلسوا وراء طاولتهم ويقيمون البرامج الأخرى بكل ثقة, ودون أدنى خجل من مرجعية عملهم الإداري البعيد كل البعد عن العمل الإبداعي الذين يتصدون له!.

وقد حاولت إدارة التلقزيون بقنواته الثلاث في السنوات الأخيرة إتاحة الفرصة أمام بعض المذيعات لإعداد بعض البرامج.. فعقدت المشكلة بمشكلة أكبر.. وكشفت بشكل فاضح ضحالة ثقافة بعض المذيعات لدرجة لا تصدق.. وعلى سبيل المثال قدمت إحدى المذيعات التي تعد برنامجا  عن الأغنية في الفضائية السورية لحلقة عن الأغنية الشعبية فعرفتها أنها (خلاصة حكمة الشعوب) وهو تعريف ينطبق على الأمثال الشعبية لا عن الأغنية التي هي خلاصة إحساس الشعوب وإيقاع حياتهم.. وزادت الطين بلة حين شبهت الأغنية الشعبية بأنها (كالمستنقع الذي يقاوم التيارات الوافدة) هكذا بالحرف!

هل نحترم المشاهد حقا ?!

والسؤال الذي يطرح نفسه لدى الحديث عن العلاقة مع المشاهد.. هي أزمة الثقة والاحترام التي يعانيها المشاهد مع التلفزيون..

والحق أن المشاهد في هذه المسألة معه نسبة كبيرة من الحق, لأن التلفزيون أساسا  لا يحترم صدقيته مع المشاهد في كثير من الأمور وأولها عدم احترام مواعيد عرض المسلسلات والبرامج كما تعلن دائرة التنسيق المختصة عنها ثم لا تلتزم بها دون أن تجد أدنى حرج أو ضرورة في الاعتذار من المشاهد... وخلال سنوات طويلة غالبا ما تسببت دائرة التنسيق بكوارث في ترتيب البرنامج اليومي وفي إعادة عرض حلقات معروضة من المسلسل ذاته غير مرة وفي عرض (تصوروا) إعلانات عن أحداث برامجية فات عرضها.. لكن ذلك لم يؤد  إلى إقالة مدير الدائرة, حتى بلوغه السن القانونية للتقاعد!

وغني عن القول إن إدارة التلفزيون نفسها, لا تقيم لمسألة الدقة في مواعيد عرض البرامج ذلك الاعتبار الكبير, لأن هذه المواعيد نفسها قابلة للتغيير في أية لحظة ولأي سبب, ومن بين تلك الأسباب أحيانا , معاقبة معد أو مذيعة أو مخرج ذلك البرنامج لخلاف شخصي... أو قطع البرنامج على الهواء للسبب الوجيه ذاته, وحتى لا يبقى كلامي مجرد (افتراءات) كما يحلو للبعض أن يسميها, فإنني أستشهد بما حدث معي عندما كنت معدا  لبرنامج (مجلة التلفزيون) على القناة الأولى في التلفزيون السوري عام 2002, ففي إحدى حلقات البرنامج المذكور, وبعد بث مسلسل (البحث عن صلاح الدين) على شاشة التلفزيون السوري, قمت باستضافة كاتب المسلسل الزميل محمود عبد الكريم, وبطله الفنان رشيد عساف, وقد فوجئت أثناء عرض الحلقة بتاريخ 30/5/2002 (البرنامج يعرض مسجلا  ويخضع لتقرير رقابة) بقطع البث, أثناء الفقرة التي خصصت للمسلسل المذكور, ثم وضع فاصل إعلاني, والعودة بعده, إلى استكمال فقرات البرنامج الأخرى وحذف المادة نهائيا .. وفي البحث عن الأسباب علمت أن التوجيه جاء من وزير الإعلام عدنان عمران, الذي استاء من ظهور الكاتب محمود عبد الكريم على الشاشة, وهو الذي انتقد أداء وزارة الاعلام قبل فترة قصيرة في لقاء صحفي له نشر في جريدة الشرق الأوسط اللندنية.

إن هذه الحادثة, والعقلية التعسفية التي تطيع أوامر وزارية دون مناقشة أو اعتراض أو تذكير بأدنى درجات احترام المهنة, تظهر أنه لا حرمة على الشاشة حتى أثناء البث على الهواء مباشرة, فكيف إذا كان بالإمكان من خلال وشاية أو رؤية متحجرة لمسؤول تلفزيوني أن يتم منع مادة جيدة أنفقت عليها جهود كبيرة ومكلفة لكي تصبح مادة تلفزيونية مسجلة على شريط تلفزيوني مرت بعمليات التصوير والتسجيل والمونتاج واستهلكت خبرات وأدوات في الصوت والإضاءة والغرافيك.. والتقديم والإعداد من قبل طبعا .

عندها لا يوجد ما يمنع أو حتى يحاسب على رمي كل هذا في سلة المهملات ما دام الهدف هومنع أفكار أو أشخاص أو رؤى لا يجب أن تظهر على الشاشة... وعن الأشخاص, حد ث ولا حرج عن منع ظهور كتاب ومثقفين سوريين يعتبر ظهورهم على الشاشة خطيئة, دون أي تدقيق فيما يقولونه أو سيقولونه أو يودون قوله حتى في البرامج المسجلة مسبقا .

إدارة الأزمات والمناسبات!!

والقاعدة السائدة بالنسبة للبرامج الجيدة والرديئة معا  في التلفزيون السوري( مين عم يشوف) وبالنسبة للإدارة التي يفترض أن تكون حريصة على أدق التفاصيل فيما يظهر على الشاشة, فكل مشكلة دون نشرة الأخبار وبعض المناسبات الهامة تهون.. وأية مشكلة لا تؤدي إلى فقدان المنصب هي تفصيل إعلامي تافه  لا قيمة له.. وهكذا يبدو غياب الرؤية البرامجية هي العنوان الحقيقي للعمل في التلفزيون السوري.

ولعل اداء التلفزيون السوري في المناسبات يستحق أن يكون مثالا  معبرا  لكيفية صناعة الفشل.. وتفريغ أي مناسبة من محتواها وألقها وحب الناس لها!

والكارثة الكبرى أن يصدر أي توجيه سياسي أو إعلامي للاهتمام بمناسبة سواء كانت سياسية أو اجتماعية أو حتى فنية..

عندها ستعقد الاجتماعات العاجلة لكي تبرهن الإدارة على حسن تنفيذها وإطاعتها للأوامر, وفي هذه الاجتماعات لا تصدر عادة خطة مدروسة أو رؤية متكاملة, بل يفتح الباب على مصراعيه لمن هب ودب, لتقديم برنامج أو فيلم أو حتى سلوغون عن المناسبة, ونادرا  ما تدرس هذه البرامج من حيث تقاطعها أو تكرارها, إذ لا وقت لدى أحد لمثل هذه المقارنات, ما دام هناك توجيه بالاهتمام بالمناسبة, وتكون النتيجة.. طوفان هائل من البرامج والأفلام والأغنيات وفواصل الغرافيك وحتى برامج الأطفال إن أمكن.. حيث يشعر المشاهد بالاختناق التام في النهاية, ولا يجد أمام هذا السيل الجارف سوى أن يكره حياته, ويكره المناسبة التي يحترمها, ويقرر ألا يفتح التلفاز أو يعود لمشاهدة التلفزيون السوري.. إلا عندما ينتهي كابوس الاهتمام بهذه المناسبة التي تبناها التلفزيون بطريقة الحرب النفسية على المشاهد والمناسبة على حد سواء.. وكمثال على ذلك ففي مؤتمر المرأة والتربية الذي حضرته عقيلات بعض الزعماء العرب, جاءت توجيهات بضرورة الاهتمام بهذا المؤتمر, وبرسالته التنموية والاجتماعية, فترجم التوجيه بكم من الرسائل اليومية والبرامج والمسلسلات والأفلام والندوات والسلوغونات بطريقة تثير الغثيان لكثرة ما تنطوي عليه من تكرار, ومن برامج بدائية يكلف بها أصحاب الحظوة وسواهم وتتذرع بستار تغطية المناسبة (المطلوب تغطيتها من فوق) حسب التعبير الذي يتداول في حالات كهذه من أجل صنع أي شيء ودون أي تدقيق في السوية الفنية أو تفكير بالمشاهد.

والأمر نفسه نجده في مواكبة مناسبة عيد الأم العام الماضي, والسبب هنا ليس توجيها  معينا , بل حالة من التسيب الفني الذي يجعل إدارة التلفزيون توافق لمعظم من تقدم بفكرة برنامج عن الأم, فتكون النتيجة أن أتخمت الشاشة بأكثر من اثنين وعشرين برنامجا  وأغينة وفيلما  دراميا  عن الأم بثت كلها خلال 48 ساعة فقط, وكادت تزهق روح كل من يعشقون أمهاتهم!!

لقد سادت في التلفزيون السوري خلال سنوات عديدة حقيقة على أرض الواقع في العمل البرامجي; مفادها أن العملة الردئية تطرد العملة الجيدة, وأن هذه العملة الجيدة صعب التعامل معها, لأنها لا تلقى التقدير المادي والمعنوي الكافي بالنسبة للإدارة, ولا يوجد ما يكافئ المجد على عمله وعديم الخبرة والموهبة على إساءاته و(تخبيصه) مما أدى إلى أن معظم البرامج باتت تنجز بلا حماس.. وبلا إحساس بالمسؤولية الأدبية تجاه المشاهد.. ناهيك عن العقلية التي لا وقت لديها لاكتشاف الأخطاء إلا إذا اتصل أحدهم موبخا  ومحتجا .. ويفضل أن يكون أحدهم هذا مسؤولا  حتى يؤخذ برأيه!

لقد تعاقبت على إدارة التلفزيون السوري في السنوات الأخيرة إدارات تنفيذية إما لا رؤية إعلامية لديها, أو أن رؤيتها الإعلامية تقوم على نسيان مبادئ المهنة من أجل مكتسبات المنصب, وفي كلتا الحالتين ظلت هذه الإدارت ترى في إثارة المشكلات والقضايا الحساسة في الإعلام, أمرا  يهدد وجودها وهي لذلك تكاد توافق على مضض على ظهور برنامج متميز وإشكالي ك- (ملفات حارة) الذي يناقش مشكلات المواطن عبر تحقيقات تلفزيونية محكمة.. ثم تخصص وقتا  لعرضه في فترة مشاهدة من الدرجة الثانية. وتقوم بإيقاف بثه على الفضائية السورية فيما بعد بحجة أنه يسيء إلى صورتنا... ثم توقفه مؤخرا  إيقافا  رقابيا  كما صرح لي معد البرنامج نفسه الصحفي المعروف إبراهيم ياخور!!

وللدراما شجونها!!

أما الحديث عن الدراما فيحتاج إلى وقفة تفصيلية خاصة, لكي نراجع قائمة ما أنتجه التلفزيون السوري خلال السنوات الأخيرة, التي كانت معظم المسلسلات الضخمة من إنتاج القطاع الخاص, ونحتاج أن نقارن نسبة الكم إلى الكيف ومدى ابتعاد مديرية الإنتاج عن المحسوبيات والبيروقراطية التي تسوق جمودها بشعارات جوفاء, وعجزها عن تسويق أعمالها في المحطات العربية أسوة بأعمال القطاع الخاص السوري, دون التذرع بأن موزعي القطاع الخاص يعرفون كيف تؤكل الكتف.. فضلا  عن طبيعة القاعدة التقنية التي تستند عليها في تنفيذ خطتها السنوية.. ويكفي أن نعلم أن التلفزيون السوري اليوم يعيش على أستوديو دراما وحيد هو (أستوديو 2) أنشئ عام 1962 إلى جانب أستوديو اللاذقية الذي أنشئ في الثمانينات, والذي يفترض زيادة في النفقات والتنقلات, تبدو غير مبررة إذا لم تكن هناك مشاهد خارجية كبيرة ستصور في اللاذقية!

إن الخروج من الاستوديوهات إلى الشوارع والأماكن العامة والبيوت السكنية لم يكن لمردود أو غايات فنية دائما , كما أنه لم يكن في المحصلة توفيرا  في نفقات الإنتاج, وإذا أخذنا في الحسبان العديد من العوامل التي تمدد أيام التصوير, وتضاعف نفقات التنقل وسواها.. وعليه فإن مديرية الإنتاج (المسؤولة المباشرة عن إنتاج المسلسلات الدرامية) والتي يطالب الفنانون والمخرجون, بالاستقلالية الاقتصادية التامة عن الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون أسوة بقطاع الإنتاج في مصر, ما زالت بعيدة كل البعد, عن التفكير ببناء قاعدة صناعة متينة من استوديوهات وجزر مونتاج, وسيارات نقل خارجي.. هذه القاعدة التقنية في الدراما, يمكن أن يستفيد منها التلفزيون في أدائه البرامجي, عوضا أن يكون عالة عليها كما يحدث وخصوصا  في الأحداث الإعلامية الكبيرة, حيث يتم وقف تصوير المسلسلات لوضع الكاميرات وسيارات النقل الخارجي في خدمة ذلك الحدث!!

صورة معفاة من النقد!!

إن الرغبة في استعادة التلفزيون السوري لمكانته التي حققها في السنوات التي أعقبت إنشاءه وازدهاره, تصطدم بمزاجيات إدارية ترى في نقد آلية عملها, اعتداء على وجودها وسلطتها, ولذلك بدا النقد الفني والصحفي في سورية, على علاقة غير وطيدة مع آلية العمل التلفزيوني, علاقة تتراوح بين المحاباة حينا, وتجاهل ما يحدث وما يبث أحيانا , وغالبا  ما استخدمت وسائل ضغط في الصحافة لمنع الغوص في واقع التلفزيون بجرأة, كتوجيهات مباشرة من وزارة الإعلام أحيانا  لعدم التعرض للتلفزيون بأي سوء, لأنه مؤسسة تابعة لوزارة الإعلام, ونجاحها يجب أن ي برز لأنه تسويق لنجاح وزير الإعلام نفسه.. وبذلك فهو قادر أن يعفي أداء التلفزيون وصورته من تعرضه للنقد في وسائل الإعلام التابعة له, على طريقة الإعفاءات الجمركية! وغالبا ما اتبع أسلوب الاحتواء, الذي يجعل الناقد المتابع يشعر باللاجدوى الحقيقية, أمام وضع متحجر.. في كل مرة تتغير فيه الوجوه والأسماء الكبرى, تطلق شعارات التغيير الجذري والتطوير الشامل, وتصدر قرارات شكلية تحاول أن تعيد هيكلية آلية العمل, ثم يبقى الحال على ما هو عليه, إن لم يزدد سوءا .

ولعل التستر وراء بعض الإجراءات الشكلية ومحاولة التغيير استنادا  إلى مفاهيم عامة لا تناقش العمل التلفزيوني بجزئياته وكواليسه... لم تقد في النهاية إلا إلى الوقوف بعد ثلاثة وأربعين عاما  من عمر التلفزيون السوري للحديث عن أمجاد وإنجازات الماضي دون التطلع إلى تحقيق أي وجود حقيقي على خارطة الإعلام التلفزيوني العربي... ولا نقول العالمي!

وهكذا أضحت هذه المؤسسة العريقة التي تختصر التاريخ الفني السوري في أكثر من أربعة عقود من الزمن, مكانا  لتدريب الكوادر والخبرات, في آلية عمل تعج بالفوضى واللاحرفية, لكنها رغم ذلك تتيح مكانا  مثاليا  لمن يريد أن يتعلم تلك الأخطاء.. فيبني خبرة تؤهله للبحث عن فرصة عمل في محطة تلفزيونية أخرى, دون أي شعور بالأسف والندم .

ملف مجلة المحاور