أوضاع الصحافة السورية امام المؤتمر العام لاتحاد الصحافيين السوريين

اعداد محمد الحافي

التهار 23/7/2003

ظهرت في الآونة الاخيرة وبأشكال مختلفة مؤشرات على اعادة نظر جارية في سوريا في اوضاع الاعلام السوري بينها عدد من المقالات النقدية التي كتبها صحافيون سوريون.

واذا كان من غير الواضح حتى الآن حدود اعادة النظر هذه في اوضاع الاعلام على مستوى القيادة كما في ملفات اخرى، فان "قضايا النهار" في مجال رصدها المتواصل لتطورات السجال الداخلي السوري من مواقعه المختلفة الرسمية وغير الرسمية، تنشر اليوم هذا التقرير الذي رفعه المكتب التنفيذي لاتحاد الصحافيين السوريين الى المؤتمر العام للاتحاد:

صحافة التوعية السياسية

لعبت الصحافة السورية ولعب الصحافي السوري دورا كبير الاهمية في الحياة الوطنية نضالا وتوعية في ظل الانتداب الفرنسي وعرّفت الصحافة جماهير الشعب بمناضليه السياسيين والوطنيين الحقيقيين فكانت صلة وصل بين العمل السياسي في المواقع العليا في المجتمع والحكومة والشارع والناس العاديين.

واضاف التقرير يقول: وما الوعي الكبير الذي اظهره الشعب العربي السوري في حقبة الخمسينات من القرن الماضي على الاصعدة السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية الا ثمرة لذلك النمو الصحافي الذي عرفته فترة الانتداب الفرنسي. لقد مارس الشعب السوري حياة سياسية وحزبية ونقابية متميزة بعد الاستقلال وفي الخمسينات. وهذه الحياة لم يكن لها ان تكون كذلك لولا ممارسة الاتصال الجماهيري عبر الصحافة وطبعا عبر الاذاعة حيث كان "الراديو" في تلك الحقبة يكتسح المواقع كأداة متميزة في ادائها واسلوب عملها. وقد شهدت تلك الفترة ولادة اذاعة دمشق وانبعاث جيل آخر من الصحافيين الذين مارسوا العمل الصحافي في موقع آخر غير الصحف والمجلات. ومنذ الاستقلال وحتى قيام ثورة آذار وبداية عهدها اي خلال عشرين عاما (1946-1966) صدر في سوريا نحو مئة صحيفة و150 مجلة وهي تمثل كل النشرات الصادرة من سياسية وتخصصية ومتعددة الغرض. وقد ظهرت في هذه الفترة الصحافة السورية بشكلها الحديث فعلا واستخدمت خلالها التقنيات الحديثة في الطباعة وفي البث الاذاعي والتلفزيوني ايضا، حيث بدأ التلفزيون العربي السوري عمله في بدايات الستينات من القرن الماضي وهكذا تطور واقع الصحافي السوري ليصبح ممارسا لكل انواع العمل الصحافي الحديث واشكاله وطرحت على الصحافة السورية مهمات جديدة من خلال مفاهيم جديدة.

نحو الصحافة الملتزمة

ويقول التقرير: بعد قيام ثورة الثامن من آذار تغيرت النظرة الى الصحافة والمهمة الصحافية في اتجاه اخراجها من واقع المشروع الاستثماري التجاري الى العمل التثقيفي الجماهيري والتوعية الاعلامية. فتبنت الدولة المشروع الاعلامي الكامل بالتمويل والادارة خدمة للجماهير والتزاما بمصالحها، حسب قول التقرير. وعلى مدى مسيرة تقترب من الثلاثين عاما استطاع الصحافي السوري ان يؤكد مقدرته على ممارسة هذا النوع من الصحافة... او الصحافة وفق مفهوم الالتزام بمصالح الجماهير عبر التخديم الاعلامي المجاني للناس.

وقد واجهت الدولة ولا شك لسنوات عديدة مسؤولية تأمين الادارة او القيادة الكفية للعمل الصحافي، اما اعتمد فيها على اديب او على سياسي وكلاهما يصلح لكن بشرط توافر التجربة الصحافية المحترفة وقلما توفر ذلك. وهذا غيّب الى حد كبير دور واهمية الصحافي المحترف او بالاحرى غيّب وجوده ونظر الى الصحافة نظرة اعتمدت الى حد كبير على مهمتها التثقيفية، وقد ساهم في ذلك بشكل رئيسي نمطية الخبر والتعليق السياسي في الصحف السورية اليومية.

الصحافة كوظيفة مجمدة

واشار التقرير الى ان تبعية الصحافة السورية للدولة تمثلت في مؤسسات مما اوجد تشابكا بين مهمة الصحافي والوظيفة، واصبح الصحافي يؤدي مهمته كموظف في حالات كثيرة. واستمر على مدى سنوات رفد الكادر الصحافي بالعناصر على المبدأ ذاته اي مبدأ الوظيفة، شخص يبحث عن عمل ولسبب ما (واسطة، مصادفة او غير ذلك) فيعمل في صحيفة ويكون امام احتمالين:

- اما ان يجد نفسه صحافيا بالمصادفة ويؤدي المهمة من طبيعة الوظيفة ومفهومها.

- واما ان يتقمص الدور فعلا وينجح في اداء مهمته الصحافية.

وكان عدد الذين واجهوا الاحتمال الاول اكثر بكثير، في حين وقف الذين واجهوا الاحتمال الثاني، مع الذين اختاروا اكيدا بكفاية مهنة الصحافة كأقلية في الكادر الصحافي وكانت مواجهة حقيقية للصحافة السورية ولمهمة الصحافة، مواجهة مع كادر متضخم مع نقص واضح في الكفاية ومواجهة طغيان مفهوم الوظيفة على العمل الصحافي ومواجهة مع الجهات الادارية والوصائية المهيمنة على المؤسسات الاعلامية بعيدا عن الشروط الدقيقة للعمل الصحافي، ومواجهة مع اسلوب العمل المتبع. ولا بد هنا من التأكيد على وجود خبرات متميزة ولكن معظمها لم يأخذ فرصته، لأن بقاء بعض المفاصل الادارية لفترات طويلة تسبب بخلق فئة استسهلت العمل الصحافي فبقيت تدور في فلك تلك المفاصل مما ادى الى تراجع الاداء الاعلامي وعدم اشباع الرسالة الاعلامية لحاجات المجتمع.

صحافة محلية داخل السور

وينبه التقرير: مع دخول الصحافة السورية القرن الحادي والعشرين، الذي بدأ بمعطيات مذهلة للمعلومات وتقنياتها، ما زال العاملون في حقل الصحافة السورية يترجلون لاهثين وراء الخبر والمعلومة. ولا يوجد في العالم كله اصعب من مهمة الصحافي السوري، فاذا كان كل صحافي في العالم يغرف من بحار المعلومات مما يعطيه الفرصة لاظهار مقدرته وكفايته فالصحافة السورية تنهل من نبع جاف يقطر قطرات محدودة فتنوء عن المهمة وتضيع الكفايات ويتساوى الجميع وهكذا يبدو الصحافي السوري يؤدي هذا الاداء (الوظيفي اليومي) القاتل. ومن اراد كلمة لها قارئ عليه ان يبذل الجهد والتعب ويتحمل المغامرة من التحقيق الى الاتهام...

ويكشف التقرير: ان الصحافة السورية اختارت بارادتها ان يكون الاعلام السوري رغم مضي سنوات طويلة اعلاما محليا لا يتجاوز الاسوار العربية وبلغة عربية لا تفتقد البلاغة والفصاحة.

ويقول: رغم ان الاعلام العربي الخاص اقام امبراطوريات اعلامية ولم يبخل بجهد او مال الا انه بدوره ظل مخلصا لعقلية "محلية الاعلام" والاقتصار على لغة الضاد واهل الضاد واحيانا بعقلية "داحس والغبراء".

ان هذا الواقع تقابله حقيقة محزنة وهي ان الرأي العام الدولي خاضع بصورة شبه مطلقة لاعلام صهيوني وغربي منظم يقلب الحقائق ويوجهها كما يريد بل ان هناك حقيقة اكثر ايلاما هي ان بعض اعلامنا العربي والعرب من اهل الجود قدم ويقدم بسخاء جزءا من منابره لوجهة النظر المعادية للامة العربية وتاريخها تحت شعار الرأي والرأي الآخر... حسب قول التقرير.

ويشير التقرير الى ان ثورة الاتصالات والمعلومات المتسارعة والمتدفقة والتي خلقت بدائل اعلامية تقانية اكثر حداثة للاعلام واكثرها تنوعا وتشويقا وضعت اعلامنا في حالة اختبار وامتحان عسيرين وجعلته بحاجة الى شروط عمل جديدة تمنحه القوة والقدرة على المنافسة حتى يستطيع معها المحفاظة على تواصله مع مساحة كبيرة من الجمهور والحصول على رضاه واقتناعه وتقبله للاسلوب والافكار الاعلامية.

التحديات نحو صحافة الحوار

وفي ضوء هذه الحالة التنافسية التي وجدت وسائل الاعلام السورية نفسها في خضمها دعا التقرير الدولة والمؤسسات الاعلامية كلها والمخططين والعاملين فيها الى صوغ اسس جديدة للعمل الاعلامي ووضع رسالة محددة له متلائمة مع روح العصر والتطورات الحديثة المتواصلة وتحديد استراتيجيا عمل مستندة الى رؤى متقدمة لوظائف الاعلام واثره في تكوين الرأي العام ودعم السياسة الوطنية السورية والعربية والعالمية وانجاحها والعمل على انقلاب جذري في معادلة الاعلام السوري وتطويره وتحديثه وفتح باب الحوار الجريء والمسؤول لتذليل العقبات والصعوبات واستنباط الحلول التي يمكن ان تؤسس لبرامج عمل واقعية قابلة للتطبيق وخاصة على صعيد بنية العمل الصحافي ومستواه، حيث يقول التقرير ان من يتأمل بنية اجهزة التحرير الراهنة، وكما يلمس ذلك المحترفون الملمون بشؤون التحرير، هي بنية جامدة فلا تتطور الا نادرا "حتى انه تم قوننتها بأنظمة داخلية لا تتواكب مع مهمات وطبيعة العمل الصحافي في تطوره الدائم" وينعكس هذا الجمود البنيوي للعمل الصحافي على صلة الصحافة بالجمهور وعلى توزيعها...".

عضو المؤتمر العام لاتحاد الصحافيين السوريين