الـصــحـافــة الاســــيــرة..

مـحـمـد عـلـي الاتـاسـي

 

 

تشكل وسائل الإعلام في معظم بلدان العالم بوابة الحيز العام وأحد الاعصاب المحركة للحياة السياسية والثقافية فيه. وبقدر ما يتمتع الإعلام في بلد ما بحرية التعبير والنقد والنشر ويحظى بالاستقلال النسبي عن السلطات السياسية او المالية او الدينية، يكون قادرا على عكس صورة قريبة الى واقع مجتمعه بكل ما يحمله من ايجابيات وسلبيات. صورة إعلامية تساعد تكوينات المجتمع في التعرف على ذاتها وتلمس مشكلاتها وابتداع خطاباتها المتنوعة والحوار في ما بينها وافراز قياداتها وممثليها الناطقين بإسمها.

لكن المجتمع السوري ومنذ تسلم حزب البعث الحكم في العام ،1963 اجبر على النظر الى نفسه في مرآة السلطة وآلتها الإعلامية التي راحت تعكس، شيئا، فشيئا، صورة عنه هي اقرب ما تكون الى رغبة الحكام واهوائهم في رؤية احوال البلد والناس، وابعد ما تكون عن واقع الحال. هذه الآلة الإعلامية الرسمية تتألف اليوم من الوكالة السورية للأنباء "سانا" ومن الصحف الرسمية الثلاث: "الثورة"، "البعث"، و"تشرين"، ومن قناتي التلفزيون الاولى والثانية، ومن الفضائية السورية لمن يملك الصحن اللاقط من المواطنين السوريين في الوطن او المهجر. وفي قمة هذا الهرم هناك طبعا وزارة الإعلام.

هذا المشهد الإعلامي حدث فيه بعض التبدل في الشكل، كي لا نقول في المضمون، بعد شهور عدة من تسلم الدكتور بشار الاسد سدة الرئاسة في سوريا. فبعد إنتظار دام ما يقارب الثلاثين عاما، اجاز حزب البعث الحاكم لبقية الاحزاب المشاركة معه في "الجبهة الوطنية التقدمية"، اصدار صحف تنطق باسمها، وتبع هذا القرار السماح لعلي فرزات، رسام الكاريكاتور السوري وأحد المقربين من الرئيس الجديد، اصدار صحيفته الخاصة "الدومري" تحت شعار "جريدة ناقدة ساخرة". ويتردد في بعض الاوساط الصحافية عن قرب السماح لصحيفة اقتصادية خاصة بالصدور قريبا في دمشق. لكن كل هذه الاصدارات تتم وفق اذونات خاصة ومحدودة، وفي ظل غياب اي قانون عصري للصحافة ينـظم عملها ويبين الاسس والشروط للحصول على رخص للجرائد، تكون في متناول كل المهتمين بإصدار صحيفة خاصة في سوريا، وليس حكرا على خاصة الخاصة، او على حلفاء السلطة في "الجبهة الوطنية التقدمية" التي هي جزء لا يتجزأ من المنظومة الحاكمة في سوريا.

واذا نظرنا الى الصحف الحزبية الثلاث التي تصدر اليوم، في دمشق، نجد انها تلتزم سياسات النظام وتوجهاته الاقليمية والداخلية، وتسمح لنفسها، او يسمح لها، بممارسة بعض النقد لمظـاهر الفساد والبيروقراطية في اسفل السلّم الهرمي لمؤسسات الدولة واجهزتها، من دون المس بأحد من الكبار. وحدة الحال هذه، لا تمنع طبعا من رؤية بعض الاختلافات التي تميز الواحدة عن الاخرى، فصحيفة "النور" التي يصدرها اسبوعيا الحزب الشيوعي السوري - جناح يوسف فيصل، تقترب في شكلها وطريقة إخراجها وموضوعاتها العربية والعالمية من مفهوم الصحيفة السياسية - الثقافية المتعارف عليه، وخصوصا في صفحاتها الثقافية التي تستكتب بعض المفكرين السوريين والعرب وتفسح في المجال لقيام بعض السجالات الفكرية المتنوعة. اما صحيفة "نضال الشعب" التي يصدرها مرة كل اسبوعين الحزب الشيوعي السوري - جناح وصال فرحة، زوجة الشيوعي العتيق المرحوم خالد بكداش والامينة العامة للحزب من بعده، والتي يرأس تحريرها ابنها عمار بكداش، فهمها الاكبر هو الدفاع عن ميراث رب الاسرة الشيوعية الراحل خالد بكداش الذي تتوج صورته اعلى الصفحة الاولى من الجريدة. ولا يخلو الأمر احيانا من هجوم عنيف على من تسوّل له نفسه نقد رموز

هذا الحزب، مثلما حدث مع الصحافي السوري ميشال كيلو الذي تعرض لابشع انواع الشتائم بسبب مقالة له في صحيفة "النهار" تضمنت قراءة نقدية للعدد الأول من هذه الجريدة. تبقى صحيفة "الوحدوي" الاسبوعية التي يصدرها حزب فائز اسماعيل المسمّى حزب الوحدويين الاشتراكيين، والتي تتبنى بالكامل خطاب حزب البعث وشعاراته ورموزه، بحيث باتت تبدو في معظم الاحيان اكثر ملكية من الملك نفسه، اذا جاز القول.

صحف الاحزاب هذه، ترى النور في وقت راحت الصحف الحزبية في معظم الدول ذات المنحى الديموقراطي تغلق ابوابها او تبتعد عن احزابها حتى لا يبقى العمل الصحافي ولا الصحافيون انفسهم اسرى خطاب حزبهم وتوجيهاته السياسية. اما في الحال السورية فاغلب الظن ان قراء هذه الصحف سيبقون في معظمهم اعضاء هذه الاحزاب انفسهم. لكن هذه المرة بدلا من ان توزع عليهم النشرة الداخلية باليد، سيتمكنون من شرائها في اكشاك الصحف ولدى بائعي الجرائد.

اذا انتقلنا الى جريدة "الدومري" الاسبوعية نجد ان اول ما يلفت الاهتمام هو المجال الواسع الذي تحتله الاعلانات المتنوعة داخلها (30 الى 40 في المئة من مساحة الصفحات)، مما يشير الى الانتشار الواسع لهذه الجريدة (تطبع حوالى المئة ألف نسخة اسبوعيا). وهذا عائد في جزء كبير منه الى احتكار سوق الجرائد الخاصة الذي باتت تتمتع به وتمارسه هذه الصحيفة بحكم الامر الواقع وفي ظل غياب اي منافسة لمطبوعة خاصة ثانية. الأمر الآخر اللافت هو العدد المتزايد للموضوعات الفضائحية الصفراء من جنس ومخدرات وجرائم وظهور مخلوقات غرائبية في المدن. اما النقد الاجتماعي والسياسي فيأتي في المرتبة الثانية، ويتعرض في شكل اساسي لظواهر الأمور ولتفصيلاتها الثانوية. والمرة الوحيدة التي حاولت فيها هذه الصحيفة، قبل اسبوع تقريبا، التطرق الى سياسات الحكومة ومتاعب رئيس وزرائها، كان مصير موضوعاتها المنع، بحيث ظهر العدد رقم 16 خاليا منها، وحل محل الصفحتين المصادرتين رسمان ساخران لعلي فرزات. والطريف ان انعدام ثقة المواطنين في امكان امتلاك هذه الصحيفة الخاصة لحريتها الكاملة في اختيار موضوعاتها ومعالجتها بالشكل النقدي المناسب، دفع بالعديد منهم الى تفسير قصة كتابة هذه المقالات وذهابها الى المطبعة وسحبها من تحت الطبع، على انه صراع بين الاجهزة ومراكز القوى في ما بينها.

وفي ختام هذا العرض السريع للمشهد الصحافي السوري، تبقى الاشارة الى التجربة الجريئة التي قام بها الطبيب ياسين الحاج صالح وهو أحد المعتقلين السياسيين السابقين الذي امضى خلف القضبان ما يقارب الـ15 عاما، وخرج من السجن محروما من حقوقه المدنية، بما فيها حق التوظف والسفر. وقام ياسين بكتابة جريدته الخاصة "قنطرة" وتحريرها وطباعتها وبيعها وتوزيعها من دون ان يـأخذ إذنا من أحد. وكتب على صفحتها الاولى وتحت كلمة المدير المسؤول اسمه الصريح والكامل. هذه المغامرة توقفت اليوم بسبب تعذر الاستمرار على المدى البعيد في مثل مشروع كهذا من خلال رجل واحد. لكن الدلالات الرمزية للعمل تبقى شديدة الاهمية، ومنها انه لا يزال في سوريا اليوم العديد من الصحافيين ورجال القلم ممن لا يجدون مكانا لهم للكتابة والتعبير عن آرائهم داخل بلدهم لا في صحف الدولة ولا في الصحف الخاصة والحزبية التي ظهرت اخيرا.

نعم، في سوريا اليوم تعدد حزبي ومنظمات شعبية وجمعيات اهلية ونقابات مهنية ومجلس شعب وانتخابات نيابية وصحافة حزبية واخرى خاصة. في سوريا اليوم اسماء تدل على مسميات لا تملك من معاني الإسم التاريخية ودلالاته سوى الإسم ذاته. فما دامت هذه الهياكل والمؤسسات تدين في نشأتها ووجودها واستمراريتها الى السلطة القائمة، فستبقى اسيرة قراراتها وخطوطها الحمر، وسيبقى الشعب يتطلع خلف الحدود لسماع خطاب اعلامي مغاير بات من الملح والضروري ان يجد مكانه الشرعي داخل حدود وطنه.