التلفزيون السوري نحو استدراك السلبيات واستعادة المشاهد

يحيى الأوس

النهار 12 نيسان 2001

حملت السنوات الاخيرة على صعيد العلاقة بين المشاهد والتلفزيون في سوريا، ما يمكن وصفه بالقطيعة، فمع السماح للمواطنين باقتناء الصحون اللاقطة، وجد التلفزيون السوري نفسه في خانة ضيقة للغاية ذلك ان المشاهد الذي كان محكوما بمتابعة ما يقدمه هذا التلفزيون وجد متنفسا وسبيلا للهروب من وجه هذه الشاشة التي تفيض بالرتابة والجمود، وبذلك فقد التلفزيون السوري شريحة كبيرة من جمهوره هي الاهم والاكثر تعطشا للاعلام.

اما تلك الشريحة التي لم تتمكن من اقتناء الصحون اللاقطة، لأسباب مادية او اسباب مرتبطة بالعرف الاجتماعي الذي يرى في المحطات الفضائية نوعا من الانحلال الاخلاقي وابتعادا عن الاعلام التربوي الموجه، فقد وجد طريقة اخرى للهروب من امام هذه الشاشة مع توسيع بعض المحطات اللبنانية الارضية بثها داخل الاراضي السورية كمحطة "المستقبل" و"تلفزيون لبنان" وتلفزيون "م.ت.ف"، وبذلك اصبح التلفزيون السوري عبارة عن شاشة ثانوية لا يرجع اليها الا عبر نشرات الاخبار للحصول على الاخبار الرسمية المحلية التي لا يمكن الحصول عليها من محطة اخرى اضافة الى بعض البرامج القليلة التي حافظت على نسبة مشاهدة مقبولة وذلك بفضل مقدميها عادة، كبرنامج "مجلة التلفزيون" عندما كان يعده ويقدمه الاعلامي مروان صواف، او برنامج المنوعات الليلي "غدا نلتقي" او بعض البرامج التي كانت تظهر بين الفينة والاخرى.

وعندما بدأت "الفضائية السورية" بثها حاولت ان تواكب التطورات التي تشهدها الحياة الاعلامية العامة ولكن هذه المحطة رغم كل الجهود التي بذلتها لاحداث قفزة في طريقة تعاطيها مع الاحداث فشلت في الخروج من الاطار العام الذي يسيطر على الاعلام السوري واساليب عمل التلفزيون السوري المتبعة، ولم تستطع تاليا الخروج من الدائرة الضيقة للتلفزيون السوري، ولم تنجح في استقطاب المشاهد في الوطن العربي، واخذ عليها المبالغة في التوجه الى المغتربين وفي صورة مكثفة. ولم تفعل هذه المحطة تاليا سوى ادراج اسم سوريا على قائمة الدول التي تستخدم التلفزة الفضائية.

اليوم ومع التغيرات التي تطرق ابواب الحياة العامة في سوريا يبرز الاعلام السوري كواحد من اكثر المسائل المستهدفة بالتغيير والتحديث، وترتفع الاصوات المطالبة بضرورة احداث تغيير جذري في بنية الاعلام السوري عامة بهدف استدراك التخلف الكبير والتقصير المهني المزمن لهذا الاعلام، ويبدو ان الاجراءات الاولى اتخذت للنهوض من جديد، وكانت الخطوة الاولى هي تغيير في الشخصيات القائمة على وسائل الاعلام الرئيسة ايذانا ببداية جديدة او صحوة بعد غفلة. والتلفزيون السوري بصفته المتربع على الاعلام السوري المحلي بدأ بمراجعة حساباته من اجل العودة الى المضمار بعد ماراتون طويل كان فيه المتسابق الوحيد.

وتتركز الجهود حاليا في التلفزيون السوري وفي قنواته الثلاث نحو اعداد خطة برنامجية جديدة تكون قادرة على استعادة المشاهد السوري الذي لجأ الى تلفزيونات اخرى، حتى ان نسبة مشاهدة المحطات العربية من جانب السوريين تصل الى 90 في المئة تقريبا لذلك فان هذه العملية لن تكون سهلة على الاطلاق ولكي يستعيد التلفزيون السوري مشاهديه يجب ان يقدم لهم برامج ومواد على السوية نفسها التي تقدمها المحطات الاخرى. واذا كانت المحطات اللبنانية الخاصة التي تسبق التلفزيون السوري بأشواط في هذا المضمار وجدت نفسها في موقف محرج امام تحديات المحطات الخليجية والمصرية فكيف ستكون حال التلفزيون السوري الذي يعاني من فروق حضارية في هذا المجال؟

يؤكد القائمون على التلفزيون السوري ادراكهم لصعوبة المهمة التي تنتظرهم ولكنهم يعتقدون انهم بدأوا في الخطوات الاولى على طريق العودة، فعلى سبيل المثال كانت تغطية التلفزيون السوري لبداية الانتفاضة الفلسطينية من نوع مختلف، فللمرة الاولى تابع الجمهور السوري احداثا مباشرة واتصالات على الهواء، كما نظّم التلفزيون ندوات ودراسات جديدة مختلفة عن السابق. ويجهد المعنيون حاليا لوضع خطة برنامجية جديدة بحيث تكون قادرة على تقديم مواد وبرامج ترضي اكبر شريحة ممكنة آخذة في الاعتبار عادات المشاهدة لدى المواطن السوري، ولعل الاستطلاع الذي يجريه التلفزيون لرأي الجمهور في التلفزيون السوري وبرامجه اعطى صورة واضحة للقائمين على الاعلام في سوريا، عن المرحلة التي وصلت اليها حال التلفزيون السوري وموقف المشاهد الحقيقي من هذه الشاشة ولا بد من الاخذ بهذه الآراء اذا اراد التلفزيون السوري الخروج من القوقعة التي اوجد نفسه فيها منذ مدة طويلة.

(دمشق)