الترهل والقيود والإعلام المنعتق

عدنان علي

السفير 8/8/2003

في الفترات الانتقالية، أو ما يشبهها، حيث لا تكون الصورة واضحة بكل أبعادها بينما تلوح في الأفق نذر تغيير في واقع الحال، أو على الأقل مجرد آمال وأماني، غالبا ما تتشكل بيئة خصبة للطامحين وربما للانتهازيين الذين يسارعون إلى التنكر الى جزء كبير من ماضيهم أو يحاولون إعادة تقديمه بطريقة جديدة في إطار تأهيل أنفسهم للمرحلة التي يحسبون أنها قادمة، برغم كونهم ظلوا حتى لحظات قليلة منصرمة جزءا من هذا الواقع الذي باتوا الآن يتقدمون صفوف المطالبين بتغييره.
وينطبق مثل هذه الحال إلى حد بعيد على <<موضة>> المطالبة بتغيير الإعلام السوري وتطويره التي تنتشر منذ بعض الوقت لدى نفر من الإعلاميين والمثقفين في سوريا. وما صدر في الفترة الأخيرة هو كتابات ودعوات غير ذات صلة تقريبا بجوهر القضية المطروحة، وهي نقل الإعلام السوري إلى مصاف الإعلام المعاصر القائم على الحرفية والوطنية في آن. وما نشهده هو ضرب من الشكاوى و<<النرفزات>> الطارئة هي أقرب إلى المظالم والمنافع الشخصية منها إلى الرؤية المنهجية العلمية والنزيهة القائمة على تشخيص موضوعي للواقع القائم بسلبياته وإيجابياته مع القدرة على استنباط آليات تغيير وتطوير من قلب هذا الواقع من دون افتعال تصادم قد لا يكون ضروريا مع القوى المؤثرة التي لا تزال تمسك بزمام الأمور، إذا ما انطلقنا من فرضية أن لدى القيادة السياسية العليا في سوريا الرغبة فعلا في رؤية إعلام وطني يلبي حاجات المجتمع المختلفة مثلما يخدم السلطة ذاتها باعتبار أن الإعلام الرديء غالبا ما يتسبب بأضرار لهذه السلطة من حيث يريد أن يخدمها.
وبعد ثلاث سنوات من رفع شعارات التحديث والتطوير في سوريا وفي ضوء التطورات المتسارعة في العالم والمنطقة، وداخل سوريا نفسها، بات من المشروع التساؤل عن خطة الحكومة ورؤيتها لمستقبل الإعلام. وإذا كان هذا السؤال يتضمن انتقاصا مبدئيا من دور الإعلام باعتبار انه يرهن هذا الدور برؤية الحكومة ووصايتها، فإنه يظل ضروريا في هذه المرحلة على الأقل باعتبار أن الحكومة لا تزال تمسك بالجسم الرئيسي للإعلام ولا يزال بيدها فعليا أن تدفع أو تحبط أي خطوات باتجاه تحرير هذا الإعلام من قيود ومعيقات كثيرة نمت وتراكمت عبر عدة عقود وباتت تشكل قوالب مصبوبة يصعب الانعتاق منها من دون مساعدة جادة من الحكومة ومن القيادة السياسية العليا في البلاد.
وهذه المساعدة التي يحتاجها الإعلام في هذه المرحلة هي اكثر من مجرد <<الرغبة العامة>> أو المبدئية لدى السلطة في تحسين واقع الإعلام فثمة حاجة أولا الى رؤية جديدة اكثر تطورا وإيجابية لدور الإعلام تتضمن قدرا اكبر من الثقة بأهلية الإعلام وإمكانات العاملين فيه (برغم الانتقادات الكثيرة التي قد توجه هنا الى مستوى هؤلاء الذين تآلفوا خلال سنوات مديدة مع نمط من الأداء المترهل). ويجب أن تترافق هذه الرؤية الجديدة مع آليات تنفيذ واقعية تناط بجهاز كفوء يمتلك إضافة إلى الإيمان بجدوى العمل المكلف به، القدرة على ابتداع أساليب خلاقة للتعامل مع الواقع تتضمن خططا قصيرة ومتوسطة وطويلة الأجل مع توفير الإمكانات اللازمة لانجاح كل مرحلة وتقييم مستوى النجاح في كل مفصل ودراسة كل عقبة أو ممانعة للتطوير مع إيجاد حلول جدية وسريعة لكل منها مما يتطلب تعاونا فعالا من جانب جميع الجهات التي يتداخل عملها مع هذه العملية التي يتطلب نجاحها إقامة توازن دقيق بين المثابرة على تنفيذ الخطة الواقعية والمتدرجة والفعالة للتطوير والحفاظ ما أمكن على الهيكل القائم الذي قد يؤدي تعريضه لاهتزاز شديد من دون تهيئة مسبقة إلى إحباط العملية برمتها والعودة بها إلى نقطة الصفر، لان أية سلطة ستختار وضعا آمنا ومستقرا، ولو كان سيئا، إذا كان البديل هو الفوضى والاضطراب بحجة التغيير والتطوير.
وعلى هذا الجهاز ألا يبالغ في مستوى النجاح المتوقع خصوصا في المراحل الأولى التي من الطبيعي أن تشهد رفضا وممانعة للتغيير من جانب جهات عديدة داخل وخارج الجسم الإعلامي، ومن هنا التشديد مرة أخرى على حيوية تعاون المستوى السياسي الأعلى لانجاح هذه العملية إذا كان يراد لها أن تتم وفق إرادة <<وطنية>> وأجندة <<داخلية>> متحررة من الضغوط الخارجية.
عملية تطوير الإعلام السوري التي نحسب أن القيادة السياسية في سوريا توليها بعض الأهمية، لن تعتمد على مساهمات بعض المحبطين أو أنصاف الموهوبين الذين يبحثون عن المنافع الشخصية، على أهمية مثل هذه المساهمات في المراحل الأولى (أي قبل ثلاث سنوات مثلا) في لفت النظر إلى المشكلة القائمة وضرورة التصدي لها، كما يجب ألا تعتمد على شخصيات <<محروقة>> أو مستهلكة أمضت جل عمرها المهني والشخصي في هذا الإعلام وساهمت بشكل فعال في إيصاله إلى الجدار المسدود الذي يقف امامه الآن. ومثل هؤلاء الأشخاص ليس في جعبتهم (ولو وجدت بعض الاستثناءات المحدودة) ما يساعد على إنجاح هذه العملية، وقد يكون العكس هو الصحيح أي أن تكليفهم بهذه المهمة هو الوصفة السحرية لإفشالها.
لقد شهد الإعلام السوري خلال السنوات الثلاث الماضية الكثير من التغييرات الإدارية، ولم تنج وسيلة إعلامية سواء مطبوعة أم مرئية ومسموعة من تغييرات عديدة في إداراتها لكن حتى الآن كانت النتائج دون الآمال المرجوة والسبب الرئيسي في تقديرنا هو غياب الرؤية لشكل الإعلام المطلوب مع الافتقار بطبيعة الحال الى الآليات التنفيذية لهذه الرؤية غير الموجودة، سواء على صعيد التأهيل البشري أم الاحتياجات الفنية والمادية، ولا يزال هذا الإعلام يدور حتى هذه اللحظة في حلقة مفرغة لا احد يطرح تصورا واضحا وعمليا للخروج منها.
ولعل القيادة السياسية في سوريا تواجه بالفعل مأزقا جديا عند محاولة اختيار أو البحث عن الكفاءات الإدارية سواء في الإعلام أم في المجالات الأخرى، ذلك أن عقودا من الأداء البيروقراطي المترهل المتحصن بشعارات غير ذات مضمون، أعدمت معظم الكفاءات في هذا الإعلام أو دفعتها الى الهجرة فيما لم يتح نمط الأداء الأحادي وغير التفاعلي القيام بعملية تطوير ذاتي للكوادر البشرية الموجودة لأن هذه العملية كانت تتصادم موضوعيا مع آليات هذا النمط وأساليبه التي تعتمد على اجترار وإعادة إنتاج البضاعة الكاسدة ذاتها في غياب أية حوافز معنوية أو مادية للتطوير، وحيث تكون المبادرة الفردية محكومة بمخاطر كثيرة تتضمن العقاب دون الثواب.
ومن نافل القول إن الإعلام، وكما هو حال الميادين الأخرى، يحتاج إلى عقليات جديدة تمتلك القدرة على المزاوجة بين المهنية العالية والكفاءة الإدارية فضلا عن احترام قيم المجتمع العامة ومن ضمن ذلك <<الخط الوطني>> الذي يجب أن ينعتق أمر تحديده من سلطة الجهاز البيروقراطي المنغلق والتوجيهات الإدارية الاعتباطية، وأن يترك للإعلام نفسه تحديد ذلك ضمن ضوابط قانونية وحرفية واضحة ولكن بالتأكيد ليس على غرار قانون المطبوعات الذي صدر أخيرا في سوريا والذي لا يرتقي إلى المستوى المأمول للإعلام السوري، بل يشكل بوضعه الراهن إعاقة لعملية التطوير المنشودة ذاتها.