البيروقراطية الاعلامية السورية ..هل تعـالج نفســها ؟

شعبان عبود

 

النهار 24حزيران 2003

منذ مدة تتردد في اوساط الاعلاميين السوريين معلومات عن تشكيل لجنة اعلامية مهمتها دراسة الواقع الاعلامي ومن ثم تقديم اقتراحات للنهوض به في اطار عملية التطوير والتحديث التي بدأت ارهاصاتها مع وصول الدكتور بشار الاسد الى سدة السلطة منذ ما يقارب الثلاثة اعوام. واذا كان طبيعياً في مثل هذه الحالة وجود كوادر وموظفين ممثلين لوزارة الاعلام فإن اللافت في الجهات والاسماء التي ضمتها اللجنة المذكورة مشاركة القصر الجمهوري ممثلاً بمدير المكتب الاعلامي فواز العامري، اضافة الى ممثلين عن وزارة الخارجية السورية مما يعكس وعياً "رئاسياً" لحجم التردي الاعلامي الرسمي وسوء الاداء الاداري والمهني الذي تعاني منه غالبية مؤسساتنا الصحافية رغم قلتها من ناحية الكم (ثلاث صحف رسمية وقناة فضائية واثنتان ارضيتان)، رغم كل الموازنات الضخمة التي تنالها.

لكن رغم التدخل "الرئاسي" بوجود ممثل عن القصر الجمهوري، لا بد من وقفة عند بقية الاسماء المشاركة في اللجنة وقياس مدى خبرتها وجديتها و"مصلحتها" في تطوير الاعلام السوري طالما ان غالبيتها آتية من المواقع الاعلامية الرسمية ذاتها المسؤولة عن الواقع المتردي للاعلام الحالي، لا بل إن بعضها، خصوصاً ممن يشغل الى اليوم مواقع بيروقراطية مسؤولة في وزارة الاعلام، ما زال بالنسبة الى الصحافيين ممثلاً لحال البؤس، وسبباً معيقاً للتطوير المنشود. حقاً إنها مسألة غريبة أن يكلف بالتطوير من شكلوا، وما زالوا، رموز تأخر وفساد الاعلام، ويبقى خارج اللجنة من يستطيعون التغيير من اصحاب الخبرة الاكاديمية والمهنية.

فمثلاً كيف يستطيع تطوير الاعلام من عرف عنه طوال سنين عمله بأنه "دركي" المراسلين الذي لا هم له سوى سحب البطاقات المعتمدة منهم او التلويح بسحبها حين كتابتها مجرد خبر او نشرهم معلومات لا ترضي "الجهات المسؤولة"؟ كذلك كيف يتم العودة باشخاص خرجوا الى التقاعد ولم يسجلوا طوال حياتهم المهنية الوظيفية اي نجاح سوى الحفاظ على الواقع البيروقراطي القائم في الاعلام وضبط كل محاولات التغيير ومعاقبة كل صحافي غرد خارج السرب؟

لا بل إن أحد هؤلاء قبل عامين، وكان يومها يتمتع بمركز، مرموق داخل وزارة الاعلام، ناشدته عبر اتصال هاتفي من مكان عملي في احدى صحف الدول الخليجية، ان يتدخل بحكم موقعه الرسمي ومسؤولياته لوقف موجة "التفتيش" التي كان يتعرض لها صحافيون سوريون رغم كل العلاقة الطيبة التي تربط بين سوريا وتلك الدول الخليجية. فما كان منه الا ان طلب مني أن أسعى وراء حوالى 70 صحافياً سورياً، أبحث عنهم في كل أرجاء تلك الدولة، ليوقعوا بجانب اسماءهم كدلالة على أنهم طردوا من تلك الصحيفة على نحو تعسفي... هذا البيروقراطي عاد ليطور الاعلام السوري؟!

إن سوريا اليوم تمتلك عدداً لا بأس به من الاعلاميين الاكاديميين الذين يملكون تصورات وخططاً معاصرة لتحديث الاعلام، لا بل إن الجيل الشاب الجديد من الصحافيين السوريين خريجي جامعة دمشق الذين عرف عنهم المهنية العالية رغم كل ظروف عملهم السيئة يدينون لبعض من اولئك الاساتذة الاكاديميين بالكثير مما تعلموه. لكن رغم وجود هؤلاء الاساتذة ورغم النشاط والفاعلية التي أثبتها الجيل الشاب الجديد لم نسمع عن إشراك أحدهم باللجنة، لا من الاساتذة ولا من ناشطي الجيل الجديد. وكأن شروط المشاركة والرغبة في التحديث والتطوير لا تنطبق الا على من هم داخل المؤسسات الاعلامية الرسمية المعروف عنها ترهلها.

لكن وبغض النظر عن الاسماء والمواقع فإن السؤال الجوهري يتعلق بالمدى الذي تستطيع بلوغه اللجنة، اي لجنة، مهما كانت كفايتها في ظل واقع قائم وآليات عمل سائدة تتناقض والرغبة في التحديث والتطوير. وللتوضيح هل تستطيع هذه اللجنة تعديل قانون المطبوعات الاخير الذي أتى بجملة مواد يمكن اعتبارها سيفاً مصلتاً على رقاب الصحافيين يمكن استخدامها ضد اي صحافي لحظة الغضب عليه كما حصل مع أحد مراسلي الصحف العربية منذ اشهر؟

كذلك هل تستطيع هذه اللجنة محاربة الترهل والبيروقراطية والبطالة والبطالة المقنعة القائمة في كل المؤسسات الاعلامية الرسمية حيث تعج مؤسساتنا كلها بجيوش من الموظفين و"الصحافيين" والمحسوبين على المهنة، مع ما يعنيه ذلك من نفقات وخسائر. إن موظفين كثراً و"صحافيين" متواضعين من الناحية المهنية استطاعوا الحصول على "وظيفة" بمساعدة مواقع اعلامية مسؤولة صارت في ما بعد مسؤولة ضمن لجنة تطوير الاعلام تلك! وللدلالة على الترهل والبطالة المقنعة في المؤسسات الاعلامية الرسمية تكفي العودة لأرقام المجموعة الاحصائية الرسمية لعام 2000 والتي ورد فيها وجود اكثر من خمسة آلاف موظف محسوبين على القطاع الاعلامي بينهم حوالى ألف ما بين أميّ لا يعرف القراءة والكتابة وملّم بهما وحوالى 600 لم يتجاوزوا المرحلة الاعدادية؟

في هذا السياق لا بد من التأكيد بأن الصحافة السورية عموماً، لتكون حقيقية وقريبة من الجمهور، ولتسطيع مواكبة الاداء المتميز للصحافة العالمية ايضاً، لا بد من أن يتوافر لها بعض من الظروف أهمها:

- توفير البيئة السياسية والقضائية المناسبة التي تكفل العمل دون تدخل أي من جهات السلطة التنفذية والمؤسسات التابعة لها بحيث تتوافر للصحيفة او الوسيلة الاعلامية شخصيتها الاعتبارية المستقلة من كل النواحي المالية والمهنية، وان تكف الحكومة عن سياسة الرعاية والتدخل ايضاً.

- إعادة تعديل قانون المطبوعات الذي صدر عام 2001 ليكون عصرياً بحيث يتم إلغاء جميع المواد المطاطة التي ترهب الصحافيين.

- السماح للافراد وبقية الفاعليات الممثلة للمجتمع بانشاء صحافتهم المستقلة. وليس إعطاء امتياز الترخيص للمقربين واصحاب المصالح والمتواطئين مع الجهاز البيروقراطي الرسمي.

- تحسين اجور الصحافيين السوريين لتصبح مقاربة لما هو سائد عربياً على الاقل.

- السماح بقيام اتحادات مستقلة تهتم بالدفاع عن حقوق الصحافيين وحرياتهم.

- وضع الكفايات المؤهلة في مواقعها في المؤسسات الاعلامية دون الاعتماد على خلفيات التعاطي القديمة اثناء شغل المنصب بحيث يكون المعيار، الكفاية المهنية والنزاهة الوطنية فوق اي معيار، ومنحها الصلاحيات الضرورية للقيام بالتعيين والتسريح ضمن المؤسسة بما يقتضي التطوير فيها.

كذلك لا بد من الاشارة الى ضرورة تعديل قانون نقابة الصحافيين الملزم للعاملين بالصحافة الانتساب اليها، لأنه حدد شروطاً واهدافاً للنقابة تستطيع من خلالها حجب حق العمل الصحافي عن كل من يخرج عن الحدود المرسومة له او يخالف التوجهات الرسمية. فقد حدد المرسوم 58/1974 القاضي بإحداث نقابة الصحافيين (التي الزم كل المنتسبين اليها بالايمان بها والعمل بموجبها تحت طائلة الفصل والحرمان من العمل الصحافي) بالنضال لتحقيق اهداف حزب البعث في الوحدة والحرية والاشتراكية ونشر فكره القومي الاشتراكي.

وكذلك قانون المؤسسة العامة لتوزيع المطبوعات المحدثة بالمرسوم التشريعي الرقم 24/1975 والذي حصر حق توزيع كل المطبوعات في سوريا بالمؤسسة المذكورة مانعاً أي صحيفة او مطبوعة ان تقوم بالتوزيع بنفسها.