الإعلام السوري داخل … الصحافة السورية :    نقاش " بيزنطي " …

شعبان عبود ـ دمشق

النهار 15 / 8 / 2000

منذ أكثر من عام بدأت الصحافة العربية تنشر موضوعات لكتاب وصحافيين سوريين تناولوا فيها أزمة الإعلام السوري وواقعه بناء على خلفية القطيعة بينه وبين جمهوره وبناء على أدائه المتواضع بعد الثورة الإعلامية التي شهدتها مختلف الدوريات ووسائل الإعلام العربية والأجنبية إثر الفتوحات التكنولوجية التي وفرتها وسائل الاتصال الجماهيري لجميع العاملين في هذا المجال .

وكان صدى هذه الكتابات داخل سورية إيجابياً من جانب جمهور المشتغلين بالصحافة السورية السورية كونها تجرأت وطرحت الاشكالية ، وفي الوقت نفسه كان لهذه الكتابات صدى مختلف عند القيمين على مقاليد المؤسسات الاعلامية الرسمية ( وزير ،رؤساء تحرير الصحف ) الذين راحوا يبحثون ويتقصون هوية كاتب الانتقادات لمعرفة سيرته الشخصية وليتأكدوا ما إذا كان "وطنيا" مخلصا أم عميلا لجهة أو حزب أو تيار ... الخ .

  هكذا كانت طريقة التعاطي من جانب مسؤولي الاعلام مع الكتابات النقدية دون أن يكلف أحد نفسه عناء الاجابة عن السؤال الجوهري : لماذا جمهورنا لا يقرأ صحافته ولا يتابع برامج التلفزيون المحلية ،بل لم هذا الجمهور لا يصدق ؟

  لم تكن الاجابة تعنيهم بقدر ما فهم نقاد الاعلام السوري كأشخاص مدفوعين من جانب "المتربصين والاعداء " ولأجل ذلك صدرت التعليمات بوضع الاشارات "الحمر " بجانب هذه الاسماء في كل المؤسسات الاعلامية باعتبارها أسماء "غير مريحة" .

هكذا كان الصدى على المقالات النقدية التي نشرتها صحف " النهار " اللبنانية (15 /7 /1999 و 2 / 9 / 1999 و 2/ 2 / 2000 و  16 / 2 / 2000 و 27 / 4 / 2000 و والرأي العام الكويتية " 21 / 2 / 2000 ) وغيرها لا بل إن اجراء تعسفيا أخذ بحق كاتب أحد هذه المقالات ولم يمنع تطبيقه سوى تدخل الدكتور بشار الأسد على حد ما ذكر الصحفي نفسه الذي تعرض للإجراء الظالم .

  وكان طبيعيا مع استمرار الجدل الصاخب حول أزمة الاعلام السوري أن تكون وزارة الاعلام أحد أهم الوزارات التي راح مراقبو الشأن المحلي يتوقعون تغييرها والمجيء بفريق جديد يتعامل بجدية ويستطيع إيجاد المخارج لمجمل المشكلات التي يعاني منها الاعلام ،وعندما تم اختيار السفير عدنان عمران ليكون علىرأس هذا الفريق توسمت الغالبية خيرا.

غير أن شيئا من الاحباط " الموقت" تولد مع مرور الوقت بسبب تأخر الاجراءات العملية المطلوبة في المؤسسات الاعلامية وصار الجميع يتساءل ، لطالما أن الخلل واضح للجميع فلم الانتظار ؟ وما فائدة التغيير الوزاري إذا بقي الاعلام السوري عند الاداء نفسه من رؤساء التحرير وموظفيهم المحيطين بهم والذين يمسكون بالمفاصل الحيوية لهذه المؤسسات ؟

وبقيت هذه التساؤلات تتردد خلسة على هامش أجواء التحديث والتغيير التي أصابت بقية الوزارات والمؤسسات الكبيرة ، إلى أن أتت سلسلة القرارات التي أطاحت رؤساء التحرير "التاريخيين " لبعض الصحف وبدلت مواقع بأخرى وأتت أيضا بوجوه جديدة . ومع مجىء هؤلاء بدأت الحكاية حكاية أن النقد الذي وجه لاداء الاعلام السوري عبر الصحافة العربية ، إنتقل إلى الصحافة السورية ذاتها .

فبين ليلة وضحاها خرج بعض الاصوات فاحتل "زاوية " مهمة في إحدى الصحف المحلية ( الثورة ) وراح صوت عال يكيل النقد للتجربة والاداء السابقين .

وكانت المفارقة ان هذه الانتقادات أتت من إعلاميين محسوبين بصداقاتهم الحميمة للوزير السابق لأمد طويل .ولاحظ متتبعو هذه التطورات و"البدايات الثورية " للفريق الجديد أنها بداية غير مبشرة طالما أتت بموجة جديدة من " المنافقين الجدد " الذين خلطوا أوراقهم مع أولئك الذين مارسوا النقد ودفعوا ثمن مواقفهم "إشارات حمرا " حيث كان النقاد الجدد نائمين في حضن المرحلة السابقة يكيلون لأدائهما "الرصين " كل أشكال المديح .

  وفي كل الأحوال هي ظاهرة طيبة ، أن نقرأ في الصحافة السورية آراء نقدية تستهدف واقع العمل في المؤسسات الصحافية الرسمية . لكن أن تستمر الآراء والملاحظات تراوح في المكان نفسه منذ أكثر من عام ، ويأتي في اليوم التالي من يشكك في نيات كل من يوجه النقد للإعلام السوري ، فغالب الظن أننا بدأنا ندخل أجواء النقاش البيزنطي إذ غاب عن الجميع التفكير في تقديم ولو مجرد ورقة عمل تتضمن رؤية مستقبلية لما هو مطلوب من هذا الاعلام.وللتدليل على ذلك فإن كل الكتابات وكل الانتقادات للصحافة السورية سابقا واليوم عبر الصحافة المحلية لم تعمل سوى على توصيف الظاهرة ـ الخلل ،ولم تتقدم بأية اقتراحات أومشروع أوبرنامج أو رؤية واضحة لما يجب ان يكون عليه الإعلام السوري في المستقبل ،لا بل إن موجة جديدة كما أشرنا خرجت اليوم ومع التغييرات الأخيرة في الجسم الإداري للمؤسسات الإعلامية تعيد تكرار الأسطوانة نفسها : الإعلام السوري في أزمة .

وعليه ،فإن البعض يدعو جميع المهتمين والمعنيين بهذا الشأن الحيوي للمشاركة في وضع تصور للحل يساعد في بداية صحيحة تواكب ما يجري في الدولة من تحديث وعصرنة. وهو لا يدعي أنه يقدم الرؤية الناجزة والصيغة النهائية ،بقدر ما هي دعوة لحوار ايجابي وهادف بدل الجدل العقيم والتوصيف الذي تكرر كثيرا حول المشكلة .

ـ الخطوة الأولى المطلوبة لتطوير الإعلام ترتبط برغبة القيادة السياسية العليا في تطويره ،وقد عبرت عن ذلك في أكثر من مناسبة .

ـ الخطوة الثانية هي الجدية، أي تكليف فريق أكاديمي مختص يقدم مشروعا متكاملا لآلية النهوض بواقع الإعلام ويعطي الصلاحيات المناسبة مع ضرورة أن يمثل هذا الفريق كل شرائح المجتمع ولا يقتصر على فئة أو حزب أو تيار سياسي .

ـ الخطوة الثالثة هي أن يقوم هذا الفريق بوضع قانون جديد للمطبوعات الصحافية بحيث يأتي مواكبا للمرحلة الجديدة ومتماشيا مع بقية القوانين في الدول المتقدمة .

ـ والخطوة الرابعة هي وضع الكفايات المؤهلة في واقعها في المؤسسات الإعلامية دون الاعتماد على خلفيات التعاطي القديمة أثناء شغل المنصب بحيث تكون الكفاية المهنية والنزاهة الوطنية فوق أي معيار، ومنحها هذه الكفايات الصلاحيات الضرورية للتعيين والتسريح ضمن المؤسسة بما يقتضيه للتعيين والتسريح ضمن المؤسسة بما يقتضيه التطور في المؤسسة .

ـ والخطوة الخامسة تكمن في متابعة القيادة السياسية والسهر على منع حصول تعديات على حرية عمل هذه المؤسسات الإعلامية من جانب الأجهزة والمؤسسات الأخرى المنوط بها عمل أخر ، لتصبح الصحافة سلطة رابعة في المجتمع بشكل حقيقي وليس مجرد شعار أجوف

ـ والخطوة السادسة هي السماح لبقية الأحزاب بإنشاء وسائل الإعلام الخاصة بها ، وكذلك القطاع الخاص ، فمع تعددية الصوت يتم إغناء المشهد وتجد الشرائح الاجتماعية المختلفة من يعبر عنها ويصبح التنافس  محرضا على التطوير للجميع .

ـ والخطوة السابعة هي دراسة الواقع المعيشي للمشتغلين في الإعلام وتحسينه إلى حدوده القصوى حتى يستطيع الصحافي السوري مواكبة آخر التطورات التقنية في مجال عمله وحتى يكون منتميا لمهنته ومحترما لرسالته .

ـ والخطوة الثامنة هي التفكير بجدية بإمكان دمج بعض المؤسسات الإعلامية الحكومية طالما ثبت عدم وجود جدوى اقتصادية أوثقافية لهذا التكرار . ومثل هذا الدمج سيساعد في توفير الأمكانات التي تصرف عبثا لمجرد مثل هذا التعدد الكاذب .

ـ والخطوة التاسعة أن تتوافر للصحيفة أو الوسيلة الإعلامية الحكومية شخصيتها الإعتبارية المستقبلة من النواحي المالية والمهنية كافة وأن تكف الحكومة عن سياسة الرعاية والتدخل أيضا .

وأخيرا يجب إعادة الاعتبار لاتحاد الصحافيين بحيث يكون أكثر استقلالية ،ويفرضه انتخاب حر من جانب الصحافيين دون تدخل من أي جهة حكومية أو سياسية .فعبر السنوات الأخيرة ثبت أنه في غياب الاتحاد الجريء غياب لكل الإعلام وضياع لحقوق الصحافيين وتهميشهم إلى حد الإقتراب من التسول بحسب ما جاء في صحيفة " الثورة " ( 10 / 8 / 2000 ) :"لايزال ( الاتحاد ) يترك للسلطات الادارية والحكومية حرية تحديد مساراتنا ومصائرنا دون أن يجد ضرورة للتدخل .. ها نحن أمامكم نكاد نتسول " .