الإعلام السوري وإشكالية التطوير: ازدهار المشاكسات وغياب الرؤية
عدنان علي


أخبار الشرق - 13 أيلول 2003
تنتشر منذ بعض الوقت موضة نقد الإعلام السوري والدعوة إلى تطويره أو تغييره. ورواد هذه الموضة التي تختفي تارة وتنشط أخرى، هم من العاملين في حقل الإعلام والثقافة في سورية والذين يحمل بعضهم دون شك رسالة صادقة، إلا أن الكثير منهم هم في الواقع من المتطفلين على هذا الموضوع، ممن يحاولون ركوب الموجة وتأهيل أنفسهم لمرحلة جديدة يحسبون أنها قادمة، أو من المشاكسين الذين يبحثون عن الأضواء، أو ممن فقدوا امتيازات شخصية فيحاولون تحويل قضيتهم الخاصة إلى قضية عامة. والقاسم المشترك بينهم انهم لا يطرحون (والأرجح انهم لا يمتلكون أصلا) أي بديل محدد للأشياء التي يعترضون عليها، حتى انهم لم يمنحوا أنفسهم الوقت الكافي لإدراك جوهر القضية المطروحة وأبعادها المختلفة.
وقد صدرت مؤخرا مجلات وصحف فيها مقالات مطولة حول الإعلام السوري لا يخرج المرء منها بطائل سوى محاولات متوترة لتشخيص بعض جوانب واقع بات معروفا للقاصي والداني، وهي مقالات تفوح منها رائحة الدسائس والمظالم الشخصية والحسابات الضيقة، وبعضها اقرب إلى الشكاوى و"النرفزات" الطارئة منها إلى جوهر القضية المطروحة والتي نحسب أنها تتصل بنقل الإعلام السوري إلى مصاف الإعلام المعاصر القائم على الحرفية والوطنية في آن.
ودعوات التغيير في الإعلام السوري، باتت اليوم كما يبدو ملاذا آمنا لكثير من الهواة أو المحبطين دون أن يمتلك هؤلاء الرؤية المنهجية العلمية والنزيهة القائمة على تشخيص موضوعي للواقع القائم بسلبياته وإيجابياته مع القدرة على استنباط آليات تغيير وتطوير من قلب هذا الواقع دون افتعال تصادم قد لا يكون ضروريا مع القوى المؤثرة التي لا تزال تمسك بزمام الأمور. وطبعا هذا إذا ما انطلقنا من فرضية أن القيادة السياسية العليا في سورية لديها الرغبة فعلا في رؤية إعلام وطني يلبي حاجات المجتمع المختلفة مثلما يخدم السلطة ذاتها باعتبار أن الإعلام الرديء غالبا ما يتسبب بأضرار لهذه السلطة من حيث يريد أن يخدمها.
وعلى الضفة الأخرى، نجد أن الحكومة لا تقل عبثا في تناولها لهذه القضية. وبعد ثلاث سنوات من رفع شعارات التحديث والتطوير وفي ضوء التطورات المتسارعة في العالم والمنطقة، وداخل سورية نفسها، بات من المشروع التساؤل خصوصا مع التغيير الحكومي الجديد، عن خطة الحكومة ورؤيتها لمستقبل الإعلام. وإذا كان هذا السؤال يتضمن انتقاصا مبدئيا من دور الإعلام باعتبار انه يرهن هذا الدور برؤية الحكومة ووصايتها، فانه يظل ضروريا في هذه المرحلة على الأقل باعتبار أن الحكومة لا تزال تمسك بالجسم الرئيسي للإعلام ولا يزال بيدها فعليا أن تدفع أو تحبط أية خطوات باتجاه تحرير هذا الإعلام من قيود ومعيقات كثيرة نمت وتراكمت عبر عدة عقود وباتت تشكل قوالب مصبوبة يصعب الانعتاق منها دون مساعدة جادة من الحكومة ومن القيادة السياسية العليا في البلاد.
وهذه المساعدة التي يحتاجها الإعلام في هذه المرحلة هي اكثر من مجرد "الرغبة العامة" أو المبدئية لدى السلطة في تحسين واقع الإعلام فثمة حاجة أولا لرؤية جديدة اكثر تطورا وإيجابية لدور الإعلام تتضمن قدرا اكبر من الثقة بأهلية الإعلام وإمكانات العاملين فيه (برغم الانتقادات الكثيرة التي قد توجه هنا لمستوى هؤلاء العاملين الذين تآلفوا خلال سنوات مديدة مع نمط من الأداء المترهل). ويجب أن تترافق هذه الرؤية الجديدة مع آليات تنفيذ واضحة تناط بجهاز كفؤ يمتلك إضافة إلى الإيمان بجدوى العمل المكلف به، القدرة على ابتداع أساليب خلاقة للتعامل مع الواقع تتضمن جداول زمنية محددة وتوفير الإمكانات اللازمة لانجاح كل مرحلة ودراسة كل عقبة أو ممانعة للتطوير وإيجاد حلول جدية وسريعة لكل منها، ما يستدعي تعاونا فعالا من جانب جميع الجهات المتداخلة مع هذه العملية التي يتطلب نجاحها إقامة توازن دقيق بين المثابرة على تنفيذ خطة التطوير الواقعية والمتدرجة والفعالة والحفاظ في الوقت نفسه ما أمكن على الهيكل القائم الذي قد يؤدي تعريضه لاهتزاز شديد دون تهيئة مسبقة، إلى إحباط العملية برمتها والعودة بها إلى نقطة الصفر، لان !
أية سلطة سوف تختار وضعا آمنا ومستقرا، ولو كان سيئاً، إذا كان البديل هو الفوضى والاضطراب بحجة التغيير والتطوير. وعلى هذا الجهاز أن يكون مستعدا للتعامل مع كل العقبات والإعاقات المتوقعة أو حتى المفاجئة حتى لا يصاب بالإحباط السريع. وعليه أيضاً أن لا يبالغ في مستوى النجاح المنتظر خصوصا في المراحل الأولى التي من الطبيعي أن تشهد رفضا وممانعة للتغيير من جانب جهات عديدة داخل وخارج الجسم الإعلامي، ومن هنا التشديد مرة أخرى على حيوية تعاون المستوى السياسي الأعلى لانجاح هذه العملية إذا كان يراد لها تتم وفق إرادة "وطنية" وأجندة داخلية متحررة من الضغوط الخارجية.
إن عملية تطوير الإعلام السوري التي نحسب أن القيادة السياسية في سورية توليها بعض الأهمية، لن تعتمد على مساهمات بعض المحبطين أو أنصاف الموهوبين الذين يبحثون عن الفرص أو المشاكسات الاستعراضية، على أهمية مثل هذه المساهمات خلال المرحلة الأولية (التي نفترض أنها انقضت) في لفت النظر إلى المشكلة القائمة، كما يجب أن لا تعتمد هذه العملية على شخصيات مستهلكة أمضت جل عمرها المهني والشخصي في هذا الإعلام وساهمت بشكل فعال في إيصاله إلى الجدار المسدود الذي يقف قبالته الآن. ومثل هؤلاء الأشخاص ليس في جعبتهم (ولو وجدت بعض الاستثناءات المحدودة) ما يساعد على إنجاح هذه العملية، وقد يكون العكس هو الصحيح أي أن تكليفهم بهذه المهمة هو الوصفة السحرية لإفشالها.
لقد شهد الإعلام السوري خلال السنوات الثلاث الماضية الكثير من التغييرات الإدارية، ولم تنج وسيلة إعلامية سواء مطبوعة أم مرئية ومسموعة من تغييرات عديدة في إداراتها لكن حتى الآن كانت النتائج دون الآمال المرجوة والسبب الرئيسي في تقديرنا هو غياب الرؤية لشكل الإعلام المطلوب مع الافتقار بطبيعة الحال للآليات التنفيذية لهذه الرؤية غير الموجودة، سواء على صعيد التأهيل البشري أم الاحتياجات الفنية والمادية، ولا يزال هذا الإعلام يدور حتى هذه اللحظة في حلقة مفرغة لا أحد يطرح تصورا واضحا وعمليا للخروج منها.
ولعل القيادة السياسية في سورية تواجه بالفعل مأزقا جديا عند محاولة اختيار أو البحث عن الكفاءات الإدارية سواء في الإعلام أم في المجالات الأخرى، ذلك إن عقودا من الأداء البيروقراطي المترهل المتحصن بشعارات وطنية غير ذات مضمون، شوهت معظم الكفاءات في هذا الإعلام أو دفعتها للهجرة بينما لم يتح نمط الأداء الأحادي وغير التفاعلي القيام بعملية تطوير ذاتي للكوادر الموجودة لأن هذه العملية كانت تتصادم موضوعيا مع آليات هذا النمط وأساليبه التي تعتمد على اجترار واعادة إنتاج البضاعة الفاسدة ذاتها في غياب أية حوافز معنوية أو مادية للتطوير، وحيث تكون المبادرة الفردية محكومة بمخاطر كثيرة تتضمن العقاب دون الثواب.
إن عملية تطوير جادة للإعلام السوري يجب أن تطرق كل الأبواب، بما في ذلك إمكانية الاستعانة بخبرات وطنية مهاجرة أو حتى عربية (ماذا يمنع أن يكون لدينا مدير تحرير لبناني مثلا لصحيفة سورية) دون أن يعني ذلك الاستهانة بالخبرات الوطنية وانما إغناء لها في مرحلة من المراحل على غرار ما يحدث في العديد من البلدان العربية.
ومن نافل القول إن الإعلام، وكما هو حال الميادين الأخرى، يحتاج إلى عقليات جديدة تمتلك القدرة على المزاوجة بين المهنية العالية والكفاءة الإدارية فضلا عن احترام قيم المجتمع العامة ومن ضمن ذلك "الخط الوطني" الذي يجب أن ينعتق أمر تحديده من سلطة الجهاز البيروقراطي المنغلق والتوجيهات الإدارية الاعتباطية، وان يترك للإعلام نفسه تولي ذلك ضمن ضوابط قانونية وحرفية واضحة شريطة ألا تكون هذه الضوابط على نمط قانون المطبوعات الذي صدر أخيراً في سورية والذي لا يرتقي إلى المستوى المأمول للإعلام السوري، بل يشكل بوضعه الراهن إعاقة لعملية التطوير المنشودة.
__________
* كاتب وصحفي سوري