الإعلام السوري ..من يصنع القرار!?

ماهر عزام

 

 من يقرر نشر المواد الإعلامية وتعميمها عبر وسائل الإعلام ليس القارئ صاحب المصلحة الحقيقية وهدف هذا الإعلام إنما هو المسؤول وصاحب الموقع, هكذا تنغلق دائرة الإعلام حيث يصبح المرسل هو المتلقي.

 

بلهجة تنظيرية ولغة مفعمة بالأستذة ألقى رئيس قسم الأخبار بملاحظة على طلاب قسم الصحافة رافضا  طريقة تحرير خبر صحفي عن نزاع قبائلي في دولة أفريقية قائلا : (إن هذه الصيغة قد تستفز سفير هذه الدولة ويحتج لدى وزير الإعلام وقد يصل الأمر إلى قطع العلاقات الدبلوماسية) ن شر الخبر مصاغا  من وجهة نظر حكومة تلك الدولة.

كان ذلك خلال جلسة تدريب عملي حين كنا طلابا  في الجامعة وخرجنا من ذلك الدرس بفهم واضح وصريح لمن يحدد وجهة النظر في نشر أي مادة صحفية حتى ولو كانت عن قبائل في مجاهل افريقيا لم نسمع بها ولم تسمع بنا.

في جلسة أخرى حر ف رئيس قسم الأخبار خبرا  يتناول بسالة المقاومة الشعبية ضد إحدى الأنظمة الدكتاتورية في أمريكا اللاتينية, وجاء الخبر المعدل ليسجل انتصارا  ساحقا  للحكومة, وعلق الأستاذ على ذلك قائلا  إن الانتصار للمقاومة الشعبية ضد الحكومة ربما يساهم بتحريض القارئ الموجود في سورية أو أمريكا اللاتينية.وكانت المفارقة أن تلك الحكومة سقطت مساء ذلك اليوم واستلمت المقاومة الشعبية السلطة قبل أن تطلع الصحيفة السورية في اليوم التالي بخبر هزيمتها.

ومن يعمل في مطبخ الإعلام السوري لا بد له وأن يسجل العديد من الملاحظات التي تشير إلى أن الكثير من الاعتبارات تدخل في نشر هذا الخبر أو تلك المقالة.

في إحدى اقسام التحقيقات أجرى زميل تحقيقا  مميزا  عن مؤسسة فاشلة ومديرها الفاسد, إلا أن أمين التحرير نو م التحقيق في أدراجه بضعة أيام تمكن خلالها من إرسال صحفية نشيطة أجرت تحقيقا  عن منجزات ذلك المدير ونجاحاته, نشر التحقيق الأول في زاوية مهملة بحجم صغير ودون صور مع كثير من الحذوفات, بينما نشر تحقيق الزميلة في اليوم التالي محتلا  كامل الصفحة ومزينا  بصورة المدير ومنجزاته! لم تمض سوى بضعة أسابيع حتى أحيل هذا المدير إلى القضاء بسبب الفساد.

بعض الجمل والعبارات استطاعت أن تغزو قلب عاملة التنضيد وتحرك غرائزها فانتبهت إلى أن في هذه المقالة ما هو شيطاني وأدركت خطورة ما أسمته (إباحية), ذهبت إلى رئيس القسم المسؤول عن هذه المقالة ودون أن تنظر في عينيه, تركت عنده نسخة منها وقد كتبت عليها حاشية (هذه المقالة تخدش الحياء العام, يجب مراقبتها وقراءتها من جديد والأفضل عدم نشرها), علق رئيس القسم على هذه الحاشية بحاشية أخرى (المقالة مراقبة أكثر من مرة وليس فيها أي تجاوز لممنوعات رقابية) وأرسلت المقالة للنشر إلا أن الصحيفة صدرت في اليوم التالي خالية من المقالة وحل بدلا  منها إعلان بيئي عن ضرورة عدم هدر المياه والمحافظة على الخضار في ربوعنا, وبالطبع مرت عاملة التنضيد أمام غرفة رئيس القسم في ذلك اليوم وقالت له على مرأى من الجميع: صباح الخير يا أستاذ كيفك اليوم?

في إحدى اجتماعات التحرير افتخر المدير العام بممارسته الرقابية الفظة مدعيا  بأنها لحماية أخلاق الناس وقال: حذفت مقالة من صفحة المجتمع والجريمة بعد أن شعرت بالنفور والاشمئزاز من عبارة وردت على لسان أحد المجرمين غير الأخلاقيين وهي أنه قام بأفعال منافية للحشمة والأخلاق مع إحدى اللواتي غرر بهن, وأضاف المدير برأيكم ماذا سأقول لابنتي إذا سألتني وهي تقرأ هذه المقالة ما معنى عبارة أعمال منافية للحشمة والأخلاق?

كتب أحدهم شكوى على مستخدم في بلدية نائية تابعة لمحافظة الحسكة, إلا أن مدير التحرير حذف الشكوى بحجة أن على الصحف أن تترفع عن هذه الصغائر, وتبين لاحقا  بأن لهذا المستخدم ابنا  يعمل بمزرعة جيران ابنة خالة المدير.

كانت حجة رفض أحد التحقيقات التي تبين سوء استعمال المنصب لأحد المسؤولين أن أظهر رئيس القسم صورة التقطت لرئيس مجلس الوزراء في معرض ظهر فيها بالصدفة رأس هذا المسؤول, وقال رئيس القسم للصحفي بعد جدال من طرف واحد: أتريد أن تشوه صورتنا لدى هذا المسؤول, ألا ترى من يظهر معه في الصورة?

وعلى هذه الشاكلة يمكن أن تذهب إلى الجحيم أية مادة صحفية بعد أن ترتطم بعبارات... هذا يزعج الوزير الفلاني, ذاك يحرج المدير العلاني... هذا ربما يغضب السفير وهذا يحرجنا مع الكاتب المعروف..

أستطيع أن أجزم ومن خلال عملي في صحفنا المحلية أنني كما زملائي لم أتلق أية قائمة بالمحظورات أو المسموحات... بما يجب... أو لا يجب ولكن يستطيع أي صحفي أن يسرد عشرات الملاحظات التي يسمعها من هذا وذاك تقرر له ما هو قابل للنشر أو مرفوض, ولا شك أن هذا يتغير تبعا لتغير رئيس القسم أو أمين التحرير أو المدير العام أو الوزير, فما يتحمس له هذا قد يرفضه آخر, دون أي سند قانوني مهني أو سياسي, وللأسف فقد هضم العديد من الزملاء الصحفيين هذه اللعبة جيدا  واستطاعوا أن يحولوها لخدمة مصالحهم وامتيازاتهم الخاصة, لهذا فإن ما ينشغل به هؤلاء الصحفيون عند تسلم أي مسؤول جديد هو معرفة شبكة علاقاته وحجم تأثيره أو تأثره بهذا وذاك.

لهذا وخلافا  لأي إعلام في العالم يبحث عن المصداقية والفاعلية لا يكترث الإعلام السوري بالقارئ لأن ما يبتغيه هو رضاء المسؤولين وأصحاب المناصب, ليس في وزارته وحسب, إنما في أي موقع آخر, لهذا يصنف بعض الصحفيين المتنفعين من الإعلام المسؤولين وأهميتهم انطلاقا  من المبلغ الذي يمكن أن يصرفه هذا المسؤول كمكافأة لهذا وذاك, وعلى أساسه يحدد طبيعة ما ي كتب عنه.

وبالتالي فإن من يقرر نشر المواد الإعلامية وتعميمها عبر وسائل الإعلام ليس القارئ صاحب المصلحة الحقيقية وهدف هذا الإعلام إنما هو المسؤول وصاحب الموقع, هكذا تنغلق دائرة الإعلام حيث يصبح المرسل هو المتلقي, وهذا كما أرى يفسر سبب أرقام التوزيع المتواضعة للصحف (أقل من صحيفتين لكل ألف مواطن) حيث يشعر القارئ بأنه مغي ب عن وسائل إعلامه الوطنية, إلا عبر صفحات التسلية والكلمات المتقاطعة.

وأخيرا  فإن ما أوردته سابقا  هو أمثلة بسيطة حاولت فيها أن تكون من فترات زمنية متباينة تمتد نحو خمسة عشر عاما  والله من وراء القصد..

هامش يمكن إهماله:

في الدراسات الإعلامية ثمة مصطلح ظريف هو (حارس البوابة) ويشير إلى من يجيز المادة الإعلامية للنشر في المطاف الأخير, وهو يمثل سياسة الوسيلة الإعلامية وعلى عاتقه تقع مسؤولية نجاح الإعلام أو فشله, لذلك فهو يمتلك صفات استثنائية في الخبرة وب عد الرؤيا ودقة الملاحظة وسرعة البديهة وصوابية التقدير, وأولى الاعتبارات التي يختار على أساسها مثل هذا الشخص لشغل هكذا موقع هو النزاهة والأمانة لأنه مؤتمن على أموال المؤسسة الإعلامية وعلى عقول الناس فهو الذي يقدر حجم فاعلية هذه المادة وتأثيرها في القراء...

ملف مجلة المحاور