أسئلة حرجة تعترض الإعلام السوري..

فراس كيلاني

 النهار 22/6/2000

   لم يعد جديداً الحديث عن الأزمة التي يعاني منها الخطاب الإعلامي الرسمي السوري بأشكاله كافة  (الصحافة والإذاعة والتلفزة) والذي يبدو أنه لن يستطيع الخروج منها إلا بتغيرات كبيرة ينبغي أن تطاول أكثر  من ناحية لم يكن ليطاولها النقد قبل فترة ليست بالطويلة.

   ورغم ان إشارات كثيرة بدأت بالتعبير عن نفسها في الآونة الأخيرة مع انفتاح هذا الخطاب في بعض الحالات ، إلا أن ذلك لم يعد كافياً للوفاء باستحقاقات المرحلة التي ما فتئت تزداد يوماً بعد يوم ، بالإضافة إلى العمل على محاولة إرضاء الشارع السوري الذي ما أنفك يدعو إلى مزيد من الشفافية .

   كان لتوجيه وزير الخارجية السوري فاروق الشرع في المؤتمر الصحفي الذي عقده في بيروت في 21/12/1999   رسالتي شكر وعتب لوسائل الإعلام العربية التي غطت الجولة الأولى من المفاوضات السورية ـ الإسرائيلية الأخيرة دلالة كبيرة على صعيد تعامل القيادة السورية مع الإعلام وحساسيتها حيال هذا الموضوع ،واصبح التساؤل المطروح في الصحافة العربية التي رحبت بتصريح الشرع :" هل هذا العتب هو بداية تغير في السياسة السورية حيال الإعلام والتعامل مع الحقائق الموضوعية بغية الوصول إلى حال من الشفافية تضع الحقائق في يد الإعلام ليكون سلاحاً إضافياً في المعركة مع إسرائيل ؟ " .

   إشارة الشرع هذه تكررت أثناء تلاوة البيان الختامي لاجتماع تدمر الذي ضم إلى جانبه كلا من وزيري الخارجية  المصري والسعودي ، حيث شكر الشرع الصحفيين في شكل لافت على طريقة تغطية وقائع الاجتماع ، ومرة أخرى طرحت تساؤلات عديدة حول دلالة حديث الشرع عن هذه المسألة ، وهو الذي لم نعتده يأتي على ذكر شيء   ما لم يكن يريد إيصال رسالة ما .

  ورغم أن الرسالتين وجهتا إلى وسائل الإعلام العربية ولم تشمل الإعلام الرسمي السوري ، إلا أنهما عكستا اهتمام القيادة السورية بطريقة تغطية أخبارها في الإعلام العربي الحر ،مما يعني إزالة التحفظ إلى درجة ما عن هذا الإعلام ، وتالياً إلغاء تصنيفه في خانة الشك .

   ويمكن ملاحظة آثار هذا التغير في الانفتاح الذي بدأت تلمسه غالبية المراسلين المقيمين في العاصمة دمشق ،والذي يعتبر بالمقارنة مع سنوات قليلة ماضية انفتاحاً خرافياً .

  لكن رغم هذه الخطوات الجريئة نوعا ما في قاموس السياسة السورية ، والتي أدت إلى الانفتاح الجزئي المذكور ،ظلت تلك المتعلقة بتحرير الإعلام الرسمي من القيود التي كبلته طوال السنوات الماضية خجولة إلى درجة كبيرة ، ويبدو ذلك خلال طريقة تعامل هذا الإعلام مع قضايا من المفترض أن تنال قسطاً أكبر من الضوء والتحليل والدرس  باعتبارها قضايا لها أهميتها الخاصة بالنسبة إلى السياسة السورية ، ونذكر منها على سبيل المثل :

طريقة التعامل مع خبر انتحار رئيس الوزراء السابق محمود الزعبي ، والذي جاء كنتيجة للحملة التي تقوم بها القيادة السورية لمعالجة أهم الملفات الداخلية المطروحة منذ فترة طويلة على جدول أعمالها وعلى رأسها ملف الفساد ، الذي أدى فتحه إلى إثبات تورط الزعبي في شكل كبيرة .

تجاهل القضية التي أثيرت أخيراً حول رواية الكاتب السوري حيدر حيدر "وليمة لأعشاب البحر " والتي تصدرت في كثير من العواصم العربية نشرات الأخبار الفضائية واحتلت مساحات كبيرة على صفحات الصحف العربية ، إذ لم يأت الإعلام السوري على ذكر هذه القضية إلا في بعض المواقع وبطريقة لم يفهم القصد منها .

يلحظ المراقب حركة المؤسسات الإعلامية السورية في شكل واضح الحركية والدينامية العالية التي تلف هذه المؤسسات منذ التغيير الذي حمل الدكتور عدنان عمران وزيرا للإعلام، والذي ما انفك يعقد الاجتماع تلو الآخر ويسمع الآراء والانتقادات محاولاً رسم الصورة الأكمل للإعلام السوري بكل مشكلاته الحالية ، بغية العمل على تجاوزها بما يتفق وما تراه القيادة مناسباً لواقع الحال في سورية .

  ورغم أن قراراً على صعيد التغيرات الفعلية لم يتخذ حتى الآن ، إلا أن غالبية الآراء التي تشير إلى أن ساعة الولادة  من المفترض أن تكون اقتربت خصوصاً وأن الحمل بها وصل إلى مراحله الأخيرة منذ فترة طويلة ويخشى إذا ما استمر أكثر من ذلك أن يفسد الجنين قبل أن يرى النور .

   ومما قد يكون في مصلحة الإسراع في هذا التوجه ، الإيجابية اللافتة التي يتلقى بها الشارع السوري كل ما يتعلق بالإصلاحات الجارية في معالجة الفساد إلى تعديل القوانين والإصلاح الإداري والاقتصادي والتي شرعت فيها الحكومة الجديدة، فغالبية قطاعات المجتمع السوري تأمل أن ينال الإعلام قسطاً من هذه الإصلاحات وتالياً أن يعيد الانفتاح المنتظر في السياسة الإعلامية إشراكها في الحياة السياسية والاقتصادية بعد انقطاع طويل ، خصوصاً وأنها ترى أن جاراتها العربيات وصلت إلى المدن الإعلامية الحرة ، بينما لا يزال إعلامها غير قادر على كسر الحاجز أمام تخلفه حتى الآن .

   فالإعلام السوري بصيغته الحالية وممارسته الوصائية التلقينية لم يعد يجدي نفعاً ، ويشكل مشروعاً خاسراً بكل المقاييس ، والمطلوب اليوم مواجهة استحقاقات التغيرات والتطورات التي تأخر عنها السوريون في السنوات الطويلة الماضية ،وهذه الاستحقاقات لا تقتصر على محاولة كسب هذا الإعلام جمهوره الداخلي عبر التعامل بشفافية أكبر ، وإنما إعادة تصدير خطاب جديد موجه بطريقة عصرية تأخذ في الاعتبار كل التطورات التي شهدها العالم على صعيد ثورة الاتصالات والمعلومات .

   فعلى سبيل المثال لم يعد مفهوماً أن تمنع إحدى الصحف في سورية بعد السماح ولو بشكل محدود بدخول الانترنيت ، فالذي يقدم على خطوة كهذه ينبغي أن يعيد المظر في الكثير مما كبل نفسه به سابقاً ، وتالياً من المفروض كنتيجة أولية للسماح بدخول الانترنيت التخلص من العقلية الرقابية الوصائية التي سيطرت على هذا الإعلام طوال السنين الماضية ،والتي إن كانت مشروعة في عقدي السبعينات والثمانينات نتيجة للضغوط الكبيرة التي تعرضت لها البلاد ، فإنها لم تعد كذلك وقد دخلنا الألفية الثالثة مزودين بكل هذا الكم الكبير من وسائل الاتصال والعولمة والفضائيات وغيرها من مصطلحات لم نألفها قبل عقد من الزمان .

  يدرك القاصي  والداني أن سورية من أكثر البلدان العربية التي دفعت ثمن الصراع العربي ـ الإسرائيلي نتيجة ربطها أي تطور أو انفتاح في التعاطي مع الأوضاع الداخلية بإيجاد حل شامل لهذا الصراع ، وهي مطالبة اليوم إذا ما كانت جادة في السعي إلى تطوير أدائها الإعلامي ضمن الحملة التي تقوم بها الحكومة الجديدة ، والتي من المفترض أن تتوج بالمؤتمر القطري الخامس عشر ، أن تعمل على تحرير هذا الإعلام من الخطاب السياسي الرسمي وإن في شكل تدريجي كخطوة أولى على طريق الارتقاء بهذا الإعلام ، وفي ما بعد يمكن فتح ملف هذا الإعلام من الداخل وإعادة هيكلته وإصلاحه أو حتى استبدال ما أصابه العطب الدائم نتيجة كل هذه السنوات الطويلة من الركود وهي أمور طالما كتب عنها زملاء  على صفحات الصحف العربية

ملاحظة : كتب هذا المقال قبل وفاة الرئيس السوري حافظ الأسد .