أزمة الإعلام السوري : الخطوة الأولى نحو الإصلاح

أيمن بهلول

 السفير 24 / 8 / 2000

  الأزمة التي يعاني منها الإعلام السوري منذ عدة سنوات بدأت تتجاوز حدود السقف الذي كان يسمح في السابق بحجبها وراء بضع عبارات مكررة تتغنى بمزايا ابتعاد إعلامنا عن مجازفات المغامرة الإخبارية والبلبلة السياسية وتتباهى بترفع الإعلام الوطني عن الدخول في منافسة مع ما جرت العادة على وصفه بأنه " أسلوب البهرجة " الذي يطغى على اهتمامات الإعلام المعاصر . وينطبق هذا الكلام على مجمل أنشطة الإعلام السوري بشكل عام ، لكنه يصح بصورة خاصة على النشاطات ذات الطابع السياسي المباشر حيث تأخذ الأزمة هنا طابعاً مضاعفاً من خلال المقارنة بين الأداء الهزيل لوسائل الإعلام بأنواعها المسموعة والمرئية والمقروءة وبين حقائق التألق الذي ميز أداء السياسة الخارجية السورية طوال عهد الرئيس الراحل حافظ الأسد وهو ما دفع الكثير من المراقبين والمحللين المتتبعين إلى ترداد مقولة أصبحت معروفة ومكررة وهي أن السياسة السورية كانت تستحق إعلاماً أفضل بكثير من الإعلام الذي توفر لها وأن إحدى أزمات الدبلوماسية السورية تتمثل في أنها كانت دائماً تدافع عن قضية عادلة بإعلام بدائي ومتخلف أساء إليها أكثر مما خدمها .

  لقد عمل الإعلام السوري خلال عدة عقود ماضية وفق خطط جرى استلهامها من أسلوب المدرسة السوفياتية التي كانت ترى أن وظيفة الإعلام هي إبراز الإنجازات التي تحققها الدولة والحزب وتعتبر أن أي نقد يوجهه الإعلام إلى جانب من جوانب الواقع يعتبر تشهيرا بالثورة ونظامها وإسهاما في خدمة الخطط المعادية للدولة السوفياتية وللنظام الاشتراكي ، وهو الأمر الذي أدى في تطبيعه العملي إلى خلق مؤسسات إعلامية شديدة الضخامة في مبانيها وهياكلها الوظيفية والإدارية ، ومعطلة بشكل كامل في فاعليتها الإعلامية نتيجة تقاليد الحرص التي تحولت مع مرور السنين إلى إدمان على الكسل والبلادة .

  ولقد كانت المحنة الأليمة التي مرت بها سورية بعد وفاة الرئيس الخالد حافظ الأسد مناسبة للكشف عن مدى ركاكة تلك المدرسة الإعلامية وعجزها عن استقطاب المتابعين فحين عجز التلفزيون السوري ( مثلا ) عن إبداع ما يواكب به ذلك الحدث الجلل غير البث الرتيب لتلاوة القرآن الكريم ولأيام عديدة ، لم يكن هناك بد أمام المشاهدين من الهروب نحو الأقنية الفضائية الأخرى التي خصصت مساحات واسعة من برامجها لتغطية الحدث والتعليق عليه ساعة بساعة عبر برامج وندوات نجحت بعضها في تغطية الحدث بشكل أفضل من التلفزيون السوري وبعضها الآخر يمكن أن يقال كلام كثير حول توجهاتها وأهدافها المكشوفة أو المضمرة إلا أن ما لا يمكن التشكيك فيه هو أن تلك البرامج والندوات نجحت في استقطاب أعداد كبيرة من المشاهدين ليس على الصعيد العربي وحسب وإنما على الصعيد المحلي أيضا والأمر ذاته ينطبق على الصحافة المقروءة .

  ولعل الملاحظة البارزة التي لفتت انتباه الكثيرين هي أن عددا من الذي برزوا في تلك الحلقات أو كتبوا على صفحات الصحف غير السورية كانوا من المفكرين والكتاب العرب الذين أبلوا بلاء مميزا في الدفاع عن مواقف سورية وخياراتها السياسية وتصدوا بكفاءة لمن ذهبوا في هجومهم على سورية وشعبها وقيادتها إلى حدود بلغت حد الإفتراء والوقاحة … بعض أولئك لم يجدوا لأنفسهم يوما مكانا مناسبا في وسائل الإعلام السوري بمختلف أنواعها المسموعة والمرئية والمقروءة .. وبعضهم الآخر الذين عرفهم القارئ سابقا عبر الصحف السورية فقد كانوا على صفحات الصحف غير السورية أشخاصا آخرين يختلفون كليا عن الأشخاص الذين عرفناهم في الإعلام المحلي وهو ما جعل الكثيرين يتساءلون عن سر البلادة في المنطق والتفكير التي تفرضها وسائل الإعلام السوري على العاملين فيها وعلى من تستضيفهم من خارج ملاكاتها . وعن أسرار التحول الذي يطرأ على منطق وطرق التحليل التي يستخدمها الأشخاص أنفسهم حين يظهرون على الشاشات أو على صفحات الصحف والمجلات الخارجية ، ليثبتوا من هناك أن موقف سورية وسياستها الوطنية والمشرفة قابلة لأن يدافع عنها بطرق عقلية ومنطقية تختلف كليا عن تلك الأساليب الإنشائية المنفرة التي تطغى على الخطاب الإعلامي المحلي .

   ويمكن التقدير بأن الإجابات الجادة التي سيقدمها بعض العاملين في وسائل الإعلام المحلية حول هذا النوع من الأسئلة ستلقي باللائمة على الظروف الصعبة التي مرت بها البلاد خلال العقود الماضية وما استدعته من تشدد في تطبيق مبدأ الرقابة التي تجاوزت في أحيان كثيرة حدود المحاسبة المهنية وامتدت خيوطها في اتجاهات أمنية أفرزت عوامل ضغط وخوف ، شل قدرات العاملين في وسائل الإعلام وحد من نزوعهم نحو الاجتهاد وقتل لديهم روح التجديد والمبادرة ، ومع ذلك فالواقع أن الكلام عن الرقابة ودورها يجب أن لا يتحول إلى شماعة تلغي مسؤولية القائمين على وسائل الإعلام نفسها والذين يبدو نهم تأقلموا مع مناخ الكسل وأصبحوا هم أنفسهم من دعاة تكريس دور الرقابة المتشددة التي أصبحوا خبراء في معرفة مطالبها وتنفيذ رغباتها واعتادوا على استخدام الخبرة التي اكتسبوها في هذا المجال لتبرير استمرارهم في مواقع المسؤولية رغم الكفاءات المتواضعة التي يتمتعون بها من الناحية المهنية . وقد يكون في هذا الواقع نفسه بعض ما يبرز الكثير من الطروحات والأفكار المتشائمة التي طرحها كتاب سوريون في عدد من الصحف ووسائل الإعلام العربية وألمحوا فيها إلى قناعات سوداوية ترى أن إصلاح الإعلام السوري بات أمرا ميؤوسا منه أو شبه مستحيل بسبب ما يوصف بأنه مصالح ضالعة تستفيد من مناخ التخلف الإعلامي وتعمل بقصد من أجل حماية هذا المناخ واستمراره . ودون الوصول إلى ذلك الحد من التشاؤم يمكن القول بأن إصلاح الوضع الإعلامي يقتضي تحرير وسائل الإعلام المسموعة والمرئية والمقروءة من إسار الهيمنة المتشددة للمشرفين عليها الذين اعتادوا على العمل بلغة الماضي وأساليبه المتجاوزة ، وإذا كان من المسلم به في هذا المجال بأن الخطط الناجح للخروج من الواقع المتردي هي الخطط التي تراعي اعتبارات تجاوز ذلك الواقع بطريقة عقلانية وتدريجية وهادئة ، يصبح من الواجب التأكيد بان الملاحظات السابقة لا تريد الوصول إلى اقتراحات انفعالية ومتسرعة تنساق وراء الدعوات التي لم تعدم من يروج لها في بعض وسائل الإعلام العربية من أجل تحطيم تقاليد العمل الإعلامي المعتمدة في الإعلام السوري دفعة واحدة ، وعلى العكس من ذلك فالمطلوب الآن : هو فتح باب واسع للحوار الهادئ والعقلاني للبحث الصيغ المناسبة لتطوير العمل الإعلامي ومعالجة العثرات التي تعترض طريقه ، ومن أجل تفادي الدخول في متاهة الدائرة المفرغة التي تتعلق بمدى استعداد القائمين حاليا عل وسائل الإعلام للسماح بتطوير نقاش من داخل تلك الوسائل الإعلامية للسماح بتطوير نقاش من داخل تلك الوسائل الإعلامية نفسها يمكن أن يؤدي إلى انتقاد أساليبهم في الإدارة والتوجيه وتقويض موقعهم على قمة الهرم الإعلامي ، فإن الاقتراح العملي الذي يمكن البدء به في هذا المجال هو تخصيص مساحات محددة من وسائل الإعلام المسموعة والمرئية والمقروءة لذلك الحوار والنقاش ( صفحة أو أكثر من صفحات الرأي والدراسات في الصحف وبرنامج أسبوعي في قنوات التلفزيون والإذاعة على سبيل المثال ) تتم إدارتها من قبل عناصر إعلامية كفوءة ترتبط مباشرة بالسيد وزير الإعلام وتعمل تحت إشرافه المباشر وتكون مسؤولية أمامه دون أن يكون للمسؤولين الحاليين عن وسائل الإعلام سلطة إدارية أو توجيهية عليهم .