اتحاد الصحفيين السوري ..

غياب الصحفي وهيمنة الدخلاء

سلمى كركوتلي

 

اتحاد صحفيين نائم, أعضاؤه موظفون (دراويش), يبحثون عن دعم هنا أو هناك للحصول على مكاسب مضحكة في نظر صحفي حقيقي!!

 

رغم كوني عضوة عاملة في اتحاد الصحفيين السوريين منذ سنوات طويلة جدا  تتجاوز العشرين عاما  تقريبا , إلا أنني لا أستطيع أن أقول إن هذا الاتحاد كان نصيري أو ممثلي لمرة واحدة في أية مشكلة مهنية أو غبن تعرضت له.

اتحاد الصحفيين الذي أنتمي إليه وأغذي صناديقه باشتراكاتي والتزاماتي المالية التي تقتطع مباشرة من راتبي دون أن أتذمر, لم يكن بالنسبة لي إلا المرابي الذي الجأ إليه دوما  للحصول على قرض فائدته أعلى من أي بنك في العالم, وأنا أقبل بذلك تحت ضغط الحاجة, ولأن فوائد هذا القرض تغذي صندوق تقاعد الصحفيين, الذي ربما احتاجه عندما أحال على التقاعد قبل أن يتمكن هذا التنظيم النقابي الذي يفترض أن يضم خيرة المجتمع من سماع مشكلاتي في جريدتي, وقبل أن يتمكن من مساعدتي في حلها..

صحفيون بدون صحافة

لم أكتب في جريدتي منذ أكثر من سنتين أي مقال, وبالمقابل لا تطالبني الجريدة بأكثر من تسجيل بطاقة الدخول والخروج... وإذا أردت أن أكتب مقالا  ما أو أن أنشر خبرا  فعلي تكبد عناء الانتظار في مكتب سكرتير المدير العام كي أستطيع أن أقابله لدقائق مقتطعة من وقته الثمين, المخصص للجريدة التي بت عندما أقول أني أعمل بها أشعر وكأني أكذب على نفسي والآخرين.. أنا ببساطة لا أستطيع الكتابة في الجريدة التي أعمل بها تحت تسمية محرر منذ حوالي ربع قرن!!!

لا أكتب في جريدتي كسلا  أو لأني أعاني من مرض يمنعني من الكتابة... وأنا لا أكتب أيضا  لأن قرارا  أمنيا  ما (يدعى سبب سياسي عادة) يمنعني من ذلك (لا سمح الله !!!) أنا لا أكتب ببساطة فقط لأن رئيس القسم الذي أعمل به استفرد مع مجموعة محدودة من المحررين الذي استزلموا له واستزلم لهم بالنشر, لكي يستفرد بما يسمى الاستكتاب الذي يتيح له ولجماعته الحصول على مبلغ إضافي فوق الراتب يبلغ ضعفي راتبه, فراتبه كراتب كل منا لا يكفيه لأكثر من أسبوع في أحسن الأحوال.. وهو لهذا السبب يسعى إلى تطفيش كل من يمكن أن يخفض له حقه وحق جماعته المكتسب هذا.. والإدارة صامتة رغم أني وكثيرين مثلي في الجريدة طرحنا الموضوع في اجتماعات نادرة الحصول دون جدوى.. وكان الحل دوما  هو الصمت المتبادل اسكتوا وخذوا الراتب ودعونا نسير أمور الجريدة بما لا يسبب وجع رأس لا لنا (أي مسؤولي الجريدة) ولا لمن هم أعلى منا.. مشكلة عمل حقيقية يعاني منها كثيرون الآن في الصحف السورية ؛الحكومية« الثلاث... لكن من يستطيع  البت فيها وإيجاد الحلول لها أمام صمت الإدارات وتهربها من البحث فيها.

للأسف لا أحد... فرغم وجود لجنة مهنية تابعة لاتحاد الصحفيين في كل جريدة إلا أن هذه اللجنة إما أنها غير مسموعة الكلمة ومجرد أشخاص غير قادرين على الفعل أو أن أفرادها مرتبطون بالمصالح ذاتها التي تسير المجموعات التي تحولت إلى مافيات تقتسم المنافع في المؤسسات الصحفية الضخمة التي تكلف الدولة مبالغ طائلة كتكاليف طباعة ورواتب  ووقود للسيارات ومهمات خارجية وداخلية وصيانة أبنية وكهرباء وتكييف وتدفئة وتلفيات ونفض وإعادة تأثيث للمكاتب الهامة وإحداث غرف جديدة, لتتسع لجحافل من العاملين بصفة محررين من الأقارب والمحاسيب, بالإضافة إلى جيش الإداريين الذي يتناسل كتناسل الأرانب.. وتعويضات لا أول لها ولا آخر في صحف لا يتجاوز عدد قرائها في أحسن الأحوال, وبتفاؤل شديد عشرة في المائة, من مجموع سكان سورية الذي يبلغ 81 مليون نسمة (أنا هنا أخص الصحف ولا أخص الهيئة العامة للتلفزيون التي تعتبر دولة في حد ذاتها والتي يعد العاملون فيها بالآلاف).. في هذا الخضم الهائل لجسم الإعلام السوري كم يبلغ عدد الصحفيين الذين يعرفهم القراء?! أليس هذا سؤال يسأل?!

الباب المخلوع للصحافة

يعاني الإعلام السوري من مشكلات كبيرة أهمها غياب الهم الإعلامي وغياب إمكانية طرح المشكلات ونية حلها.. وهي بالطبع لا تقتصر على عدم إمكانية صحفية مثلي أن تجد وسيلة للتفاهم مع جريدتها.. إنها جزء من مشكلة كبيرة تتمثل بغياب المنطق الذي يجب أن يقود العملية وغياب المشاركة الحقيقية للعاملين في الصحافة والإعلام في صنع الإعلام ذاته, وبسيطرة القرار الفردي للمسؤول الذي غالبا  ما يكون من خارج الوسط الإعلامي, والذي لا يملك القدرة على استيعاب ماهي الصحافة كمهنة أولا  لها أسس وقواعد وتقاليد, هذا دون أن اقترب من فكرة أنها سلطة حقيقية وظيفتها خدمة المجتمع من خلال الدفاع عن الحقيقة - ولهذا مكان غير هذا المكان - وإن كان يصب فيه.. فالعمل الصحفي كل  لا ينفصل ومشاكله تتداخل وتتحكم في المناخ الذي يشكل الصحفي, فصحفي مقهور غير قادر على التعبير عن مشكلته لا يمكنه أن يكون صحفيا ... وموظف يكتب بالأمر ويخاف أن يخدش هدوء الحياة النائمة على الضيم ليس صحافيا .. وفي الصحافة - ربما وحدها - لا يمكن للمثل القائل باب النجار مخلوع أن يكون مناسبا ... ينبغي لباب الصحفي أن يكون سليما , ولكرامته أن تكون مصانة, ولقلمه أن يكون موجودا  وقادرا  على التعبير عن مشاكله ومشاكل الآخرين لكي يكون صحفيا .. إنما كيف يمكن لذلك أن يكون واقعا  وحقيقة??

مخاض صعب وولادة خلبية

يفترض أن يلجأ العامل (وكلنا عمال بموجب قانون العاملين الموحد في سورية) إلى نقابته لكي تساهم بحل مشكلته عندما لا يجد وسيلة لحل هذه المشكلة من  خلال علاقته المباشرة مع إدارته.. لكن ماذا يفعل إذا كان مجلس النقابة الذي سيلجأ إليه يمثله به مديره المباشر ولفيف من مدراء المؤسسات الأخرى?!

هكذا كان واقع نقابة الصحفيين أو ما يسمى اتحاد الصحفيين إلي وقت قريب.. ولهذا ضاعت الشكاوى التي تقدم بها صحفيون كثر على مدى أعوام في أدراج مكاتب الاتحاد ولم تجد أي شكوى أذنا  صاغية ولا أذكر أني سمعت بجلسة نقابية واحدة عقدت لبحث مشكلة محددة لصحفي, أو عضو في اتحاد الصحفيين, ومحاولة فضها وإيجاد الحلول لها.. لقد تحول اتحاد الصحفيين إلى مجرد مصدر للبطاقة الصحفية ولبعض المكتسبات التي لايمكن اعتبارها مكتسبات جدية كالتعويض الصحي الذي يغطي بقضه وقضيضه تكاليف إصلاح ضرس واحد منخور, أو تكاليف معالجة طفل ارتفعت حرارته واضطررت لأخذه إلى الطبيب.. والوثيقة التي تتيح للصحفي الاستفادة من تخفيض بطاقة السفر على الخطوط الجوية السورية.. وهو تخفيض ملتبس بحسب حسابات الشركة بين السعر الرسمي والسعر العالمي للبطاقة, لكنه في كل الأحوال مكتسب خلبي فلا الظرف المادي للصحفي, ولا الظرف المهني يسمحان له بالاستفادة من هذه الميزة..

وحتى لا أنسى هناك مكتسب تعويض طبيعة العمل الذي ما له وما عليه على كل تعويضات طبيعة العمل الأخرى, التي تحتسب على أساس رواتب سنوات سابقة ولا تدخل فيها حسابات زيادات الرواتب في السنوات التي تليها... هذه المكاسب - العظيمة - يستفيد منها الصحفيون العاملون في مؤسسات الدولة, وأعتقد أنها كانت نقمة وليس نعمة فبسببها التف كثير من العاملين في المؤسسات الصحفية من غير الصحفيين (مصححين - سكرتيرات - موظفين إداريين) على فقرة تعريف الصحفي في الاتحاد وتحولوا بمساعدة الإدارات, بعد نشر عدد من المقالات إلى صحفيين عاملين تسربوا شيئا  فشيئا  إلى جسم الاتحاد في المؤتمرات, ولكثرتهم صاروا جسم نقابي كبير مؤثر يناقش في المؤتمرات التي عقدها اتحاد الصحفيين منذ عام 1991 (وهو تاريخ انعقاد المؤتمر التأسيسي الأول لاتحاد الصحفيين, الذي جاء بعد مخاض طويل وصعب استمر من عام 4791, تاريخ صدور قانون تأسيس اتحاد الصحفيين السوريين الذي حول نقابة العاملين في الصحافة إلى اتحاد).

لا شك أن تحولات كثيرة قد حدثت بين عامي 4791و 1991 وهي تحولات طالت المجتمع بكامله تغير فيها الناس وتغيرت المفاهيم وتحولت الصحافة إلى صحافة حكومية بكاملها, وقد فص ل اتحاد الصحفيين في هذه الفترة لكي يلائم الواقع لهذا فإن الاتحاد الحالي يكاد لا يعترف بالصحفي الحر.. فالذي يمارس مهنة الصحافة بعيدا  عن مؤسسات الدولة (البعث وتشرين والثورة والتلفزيون) هو صحفي مشارك يدفع رسوم معينة ليحصل على بطاقة لا تمنحه أي حق في هذا الاتحاد الذي يغذي جيوبه.. ولا تعطيه أي ميزات أو مكاسب.. ولا أظنه يخسر الكثير إذا كان حظه قد قاده للعمل في جريدة أو جهة إعلامية تحقق له وجوده كصحفي مقروء, يمارس مهنة من أهم وأجمل المهن في العالم ويتمتع بحرية وإمكانية تعبير, واحترام أظن أن كل التعويضات والمكاسب التي تحدثت عنها لا توفرها لي أنا العضوة العاملة في اتحاد الصحفيين السوريين التي يفترض أن أحمل نفسية الموظف وليس الصحفي والفارق كبير جدا .

مؤتمرات... لكن ما الجدوى?!

بعد صدور قانون تأسيس اتحاد الصحفيين عام 4791 تم تشكيل مكتب تنفيذي مؤقت مهمته تنفيذ قانون الاتحاد.. لكن هذا المكتب التنفيذي لم يتمكن من تنفيذ القانون لوجود ثغرات فيه, احتاج تلافيها سنوات طوال من المداولات والتأجيل, وخاض رحلة طويلة بين مكتب الرئاسة ومجلس الشعب  ومكاتب الاتحاد اقترب فيها أعضاء المكتب الذين كانوا في معظمهم مدراء المؤسسات الصحافية ورؤساء التحرير في ذات الوقت, اقتربوا من سن التقاعد فصدر أخيرا  في عام 0991 قانون رقم واحد وهو قانون تعديل قانون الاتحاد, ولحقه القانون  رقم اثنين قانون تقاعد الصحفيين... ثم أخيرا  عقد المؤتمر التأسيسي لاتحاد الصحفيين السوريين في عام 1991 واتفق على عقد المؤتمر كل خمس سنوات.

في عام 1002 عقد المؤتمر الثالث وللحق أقول أني لا أعرف ما الذي دار فيه لأني لم أحضر أي من جلساته لكنني تابعت بعض ما جرى من خلال الزملاء الذين حضروا.. لكن ما اعرفه أن كثيرا  من أعضاء المؤتمر والمنتخبين والمرشحين والموصى بهم لا يشغلهم الهم الصحفي الحقيقي, فكثير منهم تربوا على أعمال أخرى لا تمت لمهنة الصحافة ولا يهتمون بالتطور وبامتلاك صفة الصحفي الحقيقي.. وما ألمسه في حياتي العملية أن مشكلة الصحافة والمشاكل المهنية الخاصة بعيدة عن اهتمامهم.. كثير منهم لا يميز بين المقال والتحقيق والتقرير غير الأمني.. لا يهمهم من يعمل أو لا يعمل, فليسوا هم من يدفعون الأجور.. كثير منهم يبحث عن استقرار المكاسب التي حصل عليها, والتي يمولها دافعو الضرائب من الشعب.. وبعضهم طيبون حسنو النوايا بأصوات خافتة لا تسمع لكنهم جميعا  يشاركون في تشكيل نقابي يبدو متجانسا  من الخارج, يتباهى بأنه يحقق بعض الدخل والأرباح للاتحاد من خلال استثمار نادي الصحفيين كمطعم, ويسعى إلى زيادة أملاك الاتحاد من العقارات التي يشتريها لتوسيع الكادر الاداري ومكاتبه بحجة خدمة الأعضاء الذين بلغ عددهم حوالي 0051 عضو لا يفكر أحد لا بتطويرهم, ولا بإيجاد المناخ الذي يساعدهم على مواكبة العصر ورفع مستوى أدائهم المهني من خلال عقد ندوات أو جولات إطلاعية أو محاضرات أو على الأقل لقاءات حوار تكسر هذا الصمت الذي يغلف علاقة الصحفيين ببعضهم أو بنقابتهم..

الزمن تغير وصيغ العمل الصحفي وتقنياته تتطور مع تقدم الزمن.. تغيرت المفاهيم وغابت مراحل زمنية كاملة من التاريخ ونامت في صفحات التاريخ.. ويوما  وراء يوم تزداد أهمية الإعلام الذي لم يعد مجرد ناقل للأحداث, وإنما صار شريكا  في صنعها... صار الإعلام قوة وسلاح فأين نحن من ذلك.. وكيف يمكن لنا أن ندخل في منافسة معروفة النتائج, إذا قام إعلامنا على إعلامي لا يعي ذاته ولا أهمية دوره... مشكلته بالطبع ليس أولها علاقته النقابية في ظل اتحاد  صحفيين نائم, أعضاؤه موظفون (دراويش) في النهاية, يبحثون عن دعم هنا أو هناك للحصول على مكاسب مضحكة في نظر صحفي حقيقي, يمكنه أن يكون الأكثر قوة والأكثر فائدة وضرورة في مجتمعات أخرى.

ليس أخيرا ..

مشكلة الصحفيين السوريين مع اتحادهم أعقد من مشاكلهم المزمنة مع مؤسساتهم الصحفية التي يعملون بها, لأن الصحفي السوري عندما يتعرض لمشكلة في مؤسسته يبقى لديه أمل ولو واهم, بأن يتدخل اتحاد الصحفيين لنصرته, ليس لأن تلك وظيفته, بل لسبب آخر ما قد يكون تصفية حسابات بين إدارة المؤسسة وإدارة الاتحاد, وقد لا يتدخل الاتحاد, إنما يظهر تعاطفا  مع الصحفي المظلوم شارحا  بأنه لا يستطيع التدخل (كما حدث كثيرا  مع عدة صحفيين), وهذا ما يريح الصحفي ويشعره بتعاضد أحد ما معه (ولو باللسان..), لكن مشكلتنا كصحفيين سوريين مع الاتحاد أننا نبحث عن جهة نشتكي إليها اتحاد الصحفيين الذي ليس فقط لا يحمينا, ولا ينصفنا, وإنما يظلمنا بوجوده على إنه مرجعية وحائط نستند إليه, وهو ليس كذلك بالفعل .

ملف مجلة المحاور