عن صحافة الأحزاب في سورية

سعاد جروس

الحياة 10/9/2000

    مذ بدأت رياح  التغيير تهب في دمشق توسعت دوائر الحوار بين مختلف الشرائح في الشارع السوري ، وانعكس بعض منها في وسائل الإعلام المحلية والخارجية ، فقد تنسمت بعض الأقلام الأمل في المشاركة الفعالة مع الحكومة الجديدة في سبيل وضع خطط مستقبلية تهدف إلى إصلاح عثرات المرحلة الماضية على الصعيد الداخلي .

  وقد مثل الاقتصاد والسياسة والإعلام المجالات الأولى التي يفترض أن تطولها عملية التنقيح والتحديث،  ومنذ عقد المؤتمر التاسع للحزب الحاكم ، حزب البعث العربي الاشتراكي ، راح الكثيرون يتحدثون عن صيغ الإصلاح السياسي وواقع الأحزاب في سورية وبالأخص أحزاب الجبهة الوطنية التقدمية ، وضرورة تفعيل دورها السياسي من أجل وضعها في صلب المرحلة المستقبلية وإخراجها من موقع المتفرج المحايد أو المؤيد .

    فالجبهة الوطنية اليوم بشكلها المترهل الذي عفا عليه الزمن تبدو كأنها استنفدت مدة صلاحياتها ، وتعيش في الزمن الفائض ، بعد تحولها إلى مكاتب تشغل غالبيتها عائلات متحزبة بالوراثة ، ومما يسترعي الانتباه أنه عندما يجري الحديث عن واقع الجبهة اليوم يتم تحميل المرحلة الماضية عموماً مسؤولية ما آل إليه واقع الجبهة ، من خلال الخوض في عموميات التجربة وتجنب تسمية الأشياء بمسمياتها ، وذلك يعفي بشكل ما الأحزاب من مسؤوليتها عما وصلت إليه، ومما يطرح في هذا السياق ، موضوع صحافة الأحزاب ، طبعاً مع استثناء صحيفة "البعث" الصادرة عن الحزب الحاكم، ويتردد أنه منذ نهاية السبعينات وأحزاب الجبهة تطالب بإصدار صحف خاصة ، ولكن حتى اليوم لم تثمر تلك المطالب سوى بعض النشرات الداخلية وصحيفة "نضال الشعب" للحزب الشيوعي جناح بكداش ، ونظيرتها التي تحمل الاسم نفسه للحزب الشيوعي السوري جناح يوسف الفيصل لكن الصحيفتين غير مسموح بيعهما في الأسواق المحلية .

   وهنا لابد من طرح السؤال التالي : في ظل دولة فتحت قنوات عدة للتحاور معها تحت مظلة حزب البعث ، أليس بالإمكان إصدار ولو جريدة واحدة لكل حزب ، أسوة بالحزب الشيوعي ؟ كي لا نقل أسوة بحزب البعث ؟علماً أن صحيفة "نضال الشعب" جناح بكداش تعتبر صحيفة رابحة مادياً ، كما صرح أحد أعضاء الحزب من العاملين  في الصحيفة، إذ تستطيع تغطية نفقاتها من الاشتراكات بالإضافة إلى فائض يجري توظيفه لصالح تطوير الأجهزة الفنية والتقنية سنوياً ، ويمكن القول إن تجربة هذه الصحيفة ناجحة من حيث المحافظة على موعد الصدور كل نصف شهر وكذلك انتزاعها لهامش جيد للتعبير عن رأي الحزب الشيوعي حيال الشأن السوري الداخلي، حسب ما نشر في العدد الأخير منها حول مرسوم زيادة الأجور والرواتب للعاملين في الدولة .

   لعل هذه التجربة تجعل من تحقيق وجود صحافة حزبية خاصة أمراً ممكناً شرط وجود رغبة حقيقية وإمكانية مادية لدى الأحزاب لتحقيق ذلك ، لكن المثابرة على طرح الموضوع على نحو روتين تأتي وكأنها تأكيد غير مباشر على رفض القيادة السورية لوجود صحافة خاصة ،هذا من جهة ، ومن جهة أخرى تظهر الأحزاب التي قال إنها تطالب بصحافة خاصة أحزاباً مستضعفة لا حول لها ولا قوة أنها تناضل في سبيل الحصول على حقوق بسيطة ، وما ذلك سوى وسيلة لدفع تهمة البطالة عن تلك الأحزاب المترهلة في غالبيتها ، بسبب اكتفاء البعض من القائمين عليها بما حققوه من مكاسب شخصية ضمنت لعائلاتهم وضعاً اجتماعياً ومعاشياً جيداً ضمن النخبة السياسية في المجتمع .

   ونتوجه بالسؤال إلى الجبهة العتيدة : إذا كانت أحزابكم عاجزة عن الحصول على حق طبيعي مثل إيجاد قناة للتعبير عن رأيها فما ضرورة وجو مثل تلك الأحزاب ؟ في الوقت الذي بات من الواضح أنه رغم عدم السماح بإصدار صحافة خاصة في سورية ،يوجد عدد كبير من الدوريات والمجلات التي تصدر تحت غطاء الترخيص الخارجي ، حيث تعد وتحرر في مشق ثم تطبع في بيروت وتعود لتدخل رسمياً إلى دمشق عن طريق المؤسسة العربية السورية لتوزيع المطبوعات لتباع في الأسواق إلى جانب الصحافة المحلية والخارجية ، لذا من المفارقة الحديث عن المطالبة بالسماح بإصدار صحافة حرة ، بدل التركيز على تعديل قانون الصحافة الذي صار تحصيل حاصل ، ولعله من المدهش أيضاً ومن غير المبرر تعثر إصدار أحزاب الجبهة لصحافتها الموعودة فيما حصل بعض الجهات على استثناءات لإصدار دوريات في دمشق وتعتبر من الدوريات الثقافية المهمة على صعيد الوطن العربي .

   فهل تلك الأحزاب عاجزة عن الحصول على استثناء أو اتفاق أو صيغة تفاهم معينة ؟ رغم عدم استبعاد أن يكون البعض منهم ،حتى لو كانوا قلة ، قد تاجروا بنفوذهم المتواضع! .

 بالطبع لا يمكن إنكار إن حالة الترقب والركود التي عاشتها الحياة السياسية الداخلية السورية خلال العقد الأخير جعلت الكثيرين يستمرئون التردد والتقاعس لأكثر من احتمال :

هناك واقع أن العمل تترتب عليه استحقاقات عديدة هم غير مؤهلين لمواجهتها ، منها الاستحقاقات المالية ، وهناك ضيق القواعد الشعبية لغالبية تلك الأحزاب التي تعتبر السوق الرئيسي لصحافة الحزب ، وهناك احتمال آخر يبدو أنه الأقوى وهو أن تلك الأحزاب أفلست قبل أن تقدم على أي عمل،  كونها عاشت إبان العقود الأخيرة حالة استرخاء وبطالة مزمنة فرغت خطابها من محتواه وحولته إلى رصف للكلمات إياها التي أهملتها لغة الحاسوب، وقد تكون هناك أسباب  أخرى كثيرة لكن مجمل تلك الأسباب لا يعفي أحزاب الجبهة من العمل وتفعيل دورها خاصة وأنها لا تزال تستأثر بحمل لواء التقدم والنهوض بالمجتمع الذي يبدو  أنه تجاوز الجبهة نحو آفاق جديدة تتطلع للحاق بركب التطور التقني العالمي .

   والقيادة السورية بتطلعاتها الجديدة ممثلة بقيادتها الشابة ترى من الضروري تطوير صيغ عمل الجبهة بما يستجيب لحاجات التطوير الذي يتطلبه واقعنا المتنامي على كل المستويات ، حسب ما ورد في خطاب القسم أمام مجلس الشعب 17/7/2000 وهو الخطاب ذاته الذي دعا من خلاله الرئيس بشار الأسد المواطنين لعدم الاتكال على الدولة بقوله :

          " لا تتكلوا على الدولة ولا تجعلوا الدولة تتكل عليكم بل دعونا نعمل سوية كفريق عمل واحد"

 إذا الجميع مدعون للعمل من دون استثناء ولكن كيف ستكون آلية ذلك ، فإذا كان مطلوباً من كافة شرائح الشعب ومؤسساته انتظار توجيهات الدولة للبدء  في التطوير ، فلا بد من استثناء شرائح أحزاب الجبهة والإعلام لأنها معنية  بالتكامل مع الدولة لوضع التوجيهات من خلال المبادرة والاجتهاد ، والاستفادة من الزلل والتضارب المترتب على عملية الاجتهاد لتقويم العمل، لاسيما لدى اجتياز المرحلة الانتقالية .

  إن فترة التجريب التي تخوضها سورية عموماً لا تحتمل من الإعلام ولا من الأحزاب (التقدمية) انتظار توجيهات القيادة أو انتظار تبيان الخيط الأبيض من الخيط الأسود لأن الانتظار في مجالي الإعلام والأحزاب خلال الوقت الراهن  سيكون طويلاً ومملاً ، طالما هناك أولويات ومهام أخرى جسيمة تقع على عاتق القيادة فيما يخص السياسية الخارجية والاقتصاد، ولايمكن للدولة أن تنجز كافة المهام المطلوبة منها وترسم السياسات المستقبلية وحدها بالسرعة المطلوبة لإحداث التغيير       والتطوير ، إذ لم تعط الصلاحيات للإعلام والأحزاب للمشاركة الحقيقية ، لحثها على التحرك والمبادرة السريعة وعدم الاكتفاء بتكرار شعارات الأمل