شيوعيو ما بعد التعددية الاعلامية في سوريا... مثل قبلها !

قراءة في جريدة "صوت الشعب"

ميشال كيلو

النهار 17/1/2001

بصدور جريدة "نضال الشعب"، "السرية"، تحت اسم "صوت الشعب"، يكون الحزب الشيوعي السوري - جناح بكداش - قد شرع يمارس حقه في اصدار جريدة علنية، تطبيقاً لقرار قيادة الجبهة الوطنية التقدمية السماح لاحزابها باصدار صحف خاصة بها. وهو حدث اثار اهتمام اوساط واسعة رأت فيه رائزا يشير الى اتجاه التطورات السورية، التي لا يعرف احد بعد الى أين ستتجه، بما ان المجتمع لم يدخل بعد على خط الاصلاح، والشعب لم يمتلك بعد موهبة قراءة المخفي، لطول فترة تهميشه وغيابه عن ممارسة حقوقه السياسية.

فرحت شخصياً بالقرار، واعتبرته جزءاً من تنمية الحرية في سوريا، رغم ان مشكلة الحرية بقيت بعيدة طوال الفترة التالية لعام 1972 عن عقل احزاب "الجبهة الوطنية التقدمية" وسياساتها، كما ان حرية هذه الاحزاب لن تعني بالضرورة حرية الشعب او قطاعات وازنة منه، الا اذا اهتبلت السانحة الراهنة وغيرت بناها ومنظوراتها وخططها وخطابها، وسعت الى اكتساب طابع شعبي او مجتمعي ترى نفسها وسياساتها بدلالته، واستعادت في فكرها ومنظوراتها المشكلات النظرية والعملية التأسيسية، التي اعتقدت خطأ انها تخطتها وتخطت ضرورتها السياسية، وتخلت عن منظار سلطوي جعلها عديمة الاكتراث بمجتمعها عديمة التحسس بمشكلاته وآلامه، وغرّبها في وطنها وعنه الى درجة يصعب وصفها.

ماذا قالت "صوت الشعب" في عددها الاول؟ القليل حول الواقع والكثير عن نفسها وحزبها. تخبرنا السيدة وصال فرحة بكداش، أمين عام الحزب والمشرف السياسي العام على الجريدة الجديدة - سننقل بالحرف الواحد - إن "نبأ اعادة اصدار جريدة الحزب التاريخية ترك صدى واسعاً من الفرح لدى رفاقنا والجماهير الشعبية التي اعتادت ان تقرأ وتسمع الكلمة الصادقة من ادبيات الحزب الشيوعي السوري عبر 76 عاماً"، واضافت ان "تحقق هذا الحلم!! يشكل بداية -!! - لنضال ايديولوجي ضد الهجمات التي توجه ضد حركة التحرر الوطني العربية والعالمية من اكاذيب وافتراءات وتشويه لماضي هذه الحركات". ثم تذكرت السيدة بكداش جريدة "نضال الشعب"، "... الصحيفة المتواضعة... التي لم تتوانَ عن عكس هموم شعبنا على صفحاتها المتواضعة والمقروءة، والتي كانت تلقى الترحيب من كافة الجماهير... ولها عشاق ينتظرونها... ويهتدون بما ورد في مقالاتها العميقة والتحليلية، ويشقون بها الدرب في ظلمة الالتباس الذي ينتشر حولنا".

وردا على سؤال حول ما سيميز الصحيفة الجديدة "ضمن هذا الضجيج الاعلامي الكبير"، تقول المشرفة السياسية العامة: "ما ميزها وما سيميزها هو قول الحقيقة، فالحقيقة اقوى من اي شيء آخر... هكذا اعتدنا ان نصدق شعبنا القول، والا نخدعه، ولنا تجارب سابقة ورثناها من مدرسة خالد بكداش، فعندما هلل اصحاب النفوس الضعيفة والذين انهاروا عند اول امتحان، وراحوا يكيلون التهم للفكر الاشتراكي ويدافعون عن البريسترويكا ثم عن العولمة (يبدو انها كانت نتيجة من نتائج البريسترويكا - ملاحظة من عندنا) وعن القطب الاوحد، بقيت صحيفتنا - نضال الشعب - صامدة لعلم ويقين ومعرفة ودراية بقوانين الطبيعة والمجتمع وقالت هذا لن يدوم" (وصدقت، فهو لم يدم فعلا! - تعليق من عندنا).

"وبالفعل فان الولايات المتحدة الاميركية، عندما نادت بالقطب الاوحد واستأجرت - لا ازال انقل من المقابلة - بعض الكتاب والمنظرين لينظروا للقطب الاوحد، قال حزبنا على لسان امينه العالم: "في الطبيعة كما في المجتمع لا يوجد قطب واحد. والآن فلاسفة البنتاغون اعتذروا مما قالوا، سابقاً، فوكوياما مثلا تبرأ من افكاره وقال كنت على خطأ، واعترف بذلك" (قرأ فوكوياما جملة الرفيق خالد، فنسي ان البنتاغون استأجره، واعتذر مرتين، مرة عندما قال واخرى حين اعترف! - تعليق من عندنا). بعد هذا، تضيعف السيدة: "وتأتي الاحداث لتظهر خطأ الادعاءات التي انبهر بها بعض انصاف المثقفين واثبت الحزب الشيوعي السوري انه يمتلك بصيرة ثاقبة مثل زرقاء اليمامة".

بالنسبة الى الحزب، تقول السيدة وصال: "كما قلت ان الحزب الشيوعي السوري هو لسان حال الكادحين من عمال وفلاحين ومثقفين، وكذلك النساء". اما عن المجتمع المدني، الذي يعتبره الحديث مرة يافطة واخرى شعاراً، فتقول السيدة بكداش: "هناك ضجة مصدرها الغرب وما يسمى أيضاً الجمعيات غير الحكومية حول المجتمع المدني واخذوا ينظرون له باشياء غير موجودة، وقد شبهتهم بالمغنين الذي يؤدون وصلة بين فاصلين مسرحيين، الآن نجحت الثورة المضادة في الدول الاشتراكية ولم يتبلور بعد نظام جديد، اي الاشتراكية المتطورة في عالمنا الراهن، ولكي يملأ الفكر المضاد الفراغ (الرأسمالية مزنوقة جداً - تعليق من عند الكاتب) القى لهم الطعم (المجتمع المدني) وبالتالي بدأ كل واحد يغني على ليلاه، فمنهم من يقول انه الحرية وسيأتي لنا بالمن والسلوى، وبيت لكل فرد وبالوقت نفسه فانهم يشتمون الاحزاب الاخرى، خاصة الاحزاب اليسارية، ان الهجوم على اليسار هو الموضة المتبعة الآن والتي تدفع اليها الاوساط الايديولوجية الغربية واليمينية. ان كلمة المجتمع المدني تطرح بديلا من النظرة الطبقية للمجتمع".

في الختام، يذكّر امين الحزب المحررين الجدد بضرورة الشعور بالرهبة "لأنهم يضعون اسماءهم امام اسماء مثل رئيف خوري وعمر فاخوري وخالد بكداش، انها مسؤولية كبرى، فهذه السمعة الطيبة الرائعة التي اكتستبها صحافة الحزب امانة في اعناقنا جميعاً، ارجو ان نكون على مستوى ما ورثناه من ذخر ثقافي وفكري غني لم تتعرف عليها الجماهير بشكل كاف بعد (مع انها فرحت كثيرا عندما سمعت نبأ صدور صوت الشعب، كما اخبرتنا السيدة في بداية حديثها! - تعليق الكاتب).

كأننا يا بدر لا رحنا ولا جينا. الحزب بخير ويعرف بدقة قوانين المجتمع والطبيعة. وهو لسان حال الكادحين من عمال وفلاحين ومثقفين ونساء، تتابع الجماهير حركاته وسكناته وتتقيد بما يصدر عنه من سياسات، لأنه يقول لها الحقيقة ولا شيء غير الحقيقة. وقد طرح منذ عشرين عاماً شعارات اربعة ترفعها بعض الاوساط اخيراً تحت يافطة المجتمع المدني - لماذا تعتبرها السيدة بكداش معادية للحزب واليسار وعملية للغرب، اذا كانت ترفع شعارات حزبها واهدافه؟. هذا ما لا يعلمه احد - والحزب يمتلك بصيرة ثاقبة مثل زرقاء اليمامة، وقد دافع دوما عن الحرية والديموقراطية وطالب برفع الاحكام العرفية واطلاق سراح المعتقلين واحترام سيادة القانون واحترام كرامة المواطن، وتمسك بالاشتراكية - الوحيدة الصحيحة - التي صاغها الرفيق يوسف ستالين، وحافظ على وحدته وحارب الصهيونية والامبريالية. اما اوضاع سوريا الراهنة، فليس فيها ما يمكن ان ينتقد، وان كان نجلها عمار بكداش رئيس تحرير الجريدة قد نشر مقالة يفهم منها ان الحزب ليس موافقا على القرارات الاقتصادية التي اتخذتها الحكومة أخيراً، لأن "مصالح الاغنياء مصالح خاصة"، كما يقول عنوان المقالة. كل شيء على ما يرام: هذا هو واقع الحزب وسوريا، منظورا اليه بمنظار تجارب الحزب الكبيرة في قول الحقيقة، التي ورثها من مدرسة خالد بكداش.

بعد العام تدخل السيدة في الخاص، فتروي بعضا من تجربتها النضالية، خصوصاً في سجن المزة إبان حكم حسني الزعيم - اوقفت طوال ثلاثة ايام، في حين اوقف زوجها الراحل حوالي عشرين يوماً، أيام فرنسا. وتصف كيف اعتقلت وسيدتين شيوعيتين واقتيدت الى سجن المزة، حيث اعلنت المناضلات الثلاث الاضراب عن الطعام بمجرد سوقهن الى الزنزانة، رغم ان مدير السجن كان يأتيهن به من بيته، على حد قولها. ثم تنسى المشرفة العامة على الحقيقة وجود رفيقتيها وتقول انها كانت اول امرأة سورية سجنت في المزة. وتضيف: "انزلونا في زنزانة منفردة عرضها 1.5 متر وطولها متران فيها مصطبتان على كل منهما بطانيتان، واحدة يفترشونها والاخرى كغطاء، وفراش قش بين هاتين المصطبتين، وانا نمت على فرشة القش، واعتبرت انني اساعد الرفيقتين بان تناما على المصطبتين وفيما بعد عرفت ان هذه الزنزانة كان اسمها... زنزانة ابو ريحة، وفعلاً كانت رائحتها كريهة جداً". تركت السيدة كل واحدة من رفيقتيها تنام على بطانية سمكها سنتيمتر واحد ممدودة على ارض اسمنتية، ونامت هي على فراش من قش سمكه عشر سنتمترات، واعتبرت هذا مساعدة لرفيقتيها تستحق ان تذكر بعد نيف وخمسين عاما. ثم عرفت في ما بعد ان اسمها زنزانة "ابو ريحة"، وانه لا يوجد غيرها في المزة.

لو كانت السيدة دخلت المزة فعلاً، لعرفت ان فيها سبعا منها، وان اسمها "ابو ريحة" لان في وسطها تواليت بلا غطاء تصدر عنها روائح الغائط والبول المحتبسة داخلها، ولكان من المحال ان لا تراها خلال ايام سجنها الطويل الثلاثة، خاصة وانها تتوسط الزنزانة الصغيرة - مساحتها 3 امتار مربعة وفق معطيات المشرفة السياسية العامة -، التي لا يستطيع احد النوم بين مصطبتيها لسببين هما: "ان زنزانة "الابو ريحة" تضم مصطبة واحدة فقط، وان النوم في منتصفها يعني النوم على التواليت المفتوحة. هل سجنت حقا السيدة وصال، التي عرفت صفات الزنزانة بعد خروجها منها، ام انها تسير في رواية ذكرياتها على نهج زوجها في الصدق، انطلاقاً من مبدأ: فليسعف الكذب إن لم يسعف الحال، على ألا ننسى حقيقة مهمة هي انها قصرت حديثها على تفاصيل نضالها ضد الديكتاتورية، لأن سوريا لم تعرفها الا ايام حسني الزعيم!

كل شيء على ما يرام، بقي ان يتفق الواقع مع الاوهام السهلة، فان لم يتفق تجاهلناه وقدمناها باعتبارها حقائقه. في هذه الحالة، ينسى الامين العام - وقد نسي فعلاً - ان حزبه تعرض لانشقاقين جرداه من 90 في المئة من اعضائه وقياداته، وانه يقف على مشارف انشقاق ثالث - كما يقال في دمشق -، وان خطه انهار بقضه وقضيضه عام ،1991 بعدما انهارت قدرته على تحقيق اي من اهدافه قبل هذا التاريخ بوقت طويل، وانه يبحث اليوم عن الاممية البروليتارية فلا يجدها، وعن الحركة الشيوعية والعمالية العالمية وحزب لينين المجيد فلا يعثر لها على اثر... الخ، لذلك اضطر الى نقل مركز قيادة حركة التحرر الوطني العالمية - هل هذا هو الاسم الجديد للحركة الشيوعية والعمالية العالمية؟- الى منزل المرحوم خالد بكداش في حي الاكراد بدمشق، بعد ان زال المركز السوفياتي بفعل مؤامرة صهيونية، كما يقول الحزب.

تتصدر أعلى القسم الايسر من الصفحة الاولى للجريدة العتيدة صورة خالد بكداش وهو في الاربعين من عمره. وتزين صورة السيدة ارملته منتصف القسم الايمن من الصفحة ذاتها وهي في العشرين من عمرها، بينما يرصع اسم ابنهما الدكتور عمار بكداش القسم الايسر منها، الا يجسد هذا فاجعة حزب اراد ان يكون اممياً وعمالياً وشعبياً وثورياً، فانتهى الى حزب عائلي محدود التمثيل قليل الفاعلية والنفوذ، يقوده المرحوم خالد بكداش، وتفرض اسرته - بأصولها وفروعها - عليه العيش على تجاربه وفي عالمه؟

ماذا اضافت الجريدة الجديدة الى الاعلام القائم. لم يقدم عددها الاول اي شيء، نأمل ان يلاحظ المشرفون عليها ان صحافة السلطة تتغير، وان تحاول مواكبتها، فهذا اضعف الايمان.