الصحافة السـورية من الصمت إلى حق القول ( 2 ):

واقـع المـهنــة وآفـاق التـطـويـر

حكم البابا

 

 

 

قدم رئيس الجمهورية في سورية مجموعة من الإشارات الواضحة للصورة التي يود الظهور بها ، وهي صورة رئيس من الشعب يعيش بينه ويشاركه حياته ، فحدد توزيع وتداول صوره الشخصية خارج الأماكن الرسمية، وذهب ليصلي الجمعة في مسجد الشيخ محي الدين بن العربي بدمشق دون حرس أو مرافقين أو كاميرات تلفزيون ، وبعيداً عن كل الطقوس الرسمية التي ترافق في العادة زيارة رئيس جمهورية لمكان عام ، وتجول في شوارع مدينة حلب وحده ، وحضر عرضاً مسرحياً فيها دون إعلان مسبق ، وأعلن خبر زواجه في الصحف بصيغة بسيطة ، وظهر على شاشة التلفزيون السـوري وهو يرتدي (بيجاما ) رياضية ويقوم بزرع شجرة في احتفال رسمي .

 

    .. هذه الإشارات وغيرها من الحكايا التي يتداولها الناس عن مصادفتهم لرئيس جمهوريتهم وهو يتجول في عدد من شوارع دمشق ساهمت ( إضافة إلى طروحات الإصلاح ومحاربة الفساد ) في زيادة شعبية الرئيس بنسبة كبيرة ، وكان من المفترض أن تلتقطها الصحافة السورية وتفسرها على أنها رغبة من رئيس الجمهورية بتقديم صورته كإنسان وكفرد من أفراد الشعب ، وتساهم في تقريب صورة الرئيس من رجل الشارع ، وتخلع عن نفسها البدلة المنشاة ، وتتخلى عن خطاب المانشيتات والكليشيهات الجاهزة ، وتستبدل أسلوبها الإنشائي ولغتها الخشبية بخطاب جديد ومنفتح ،  عصري وحي يتلاءم والتوجهات الجديدة في سورية ، ويماشي التطور الهائل لحركة الصحافة في العالم ، لكن الصحافة السورية آثرت أسلوبها القديم ، وركنت إلى إعادة إنتاج الجديد بصيغ قديمة من خلال تدبيج مقالات الإنشاء المكرورة والمتشابهة ، ففوتت على نفسها فرصة ذهبية لإعادة وصل ما انقطع من علاقة بين الجريدة والقارئ من جهة ، وبين الجريدة والمهنة الصحفية من جهة أخرى ،ولإعادة صياغة علاقة جديدة بالسلطة السياسية من جهة ثالثة .ولذلك أسباب أولها غياب المهنيين عن مراكز القرار الصحفي داخل الصحف السورية ، وندرتهم في الجسم الصحفي كله ، وثانيها غياب صاحب القرار في الصحف السورية والذي تم استبداله عبر سنوات وسنوات بمجموعة من الموظفين التنفيذيين ، وثالثها العلاقة الملتبسة بين السلطة السياسية والصحافة والتي مرّت بمآزق كثيرة أثمرت في النهاية عن إلغاء روح المبادرة لدى الصحفي السوري ، وجعلت الخوف سيد الموقف ، ورابعها الفجوة الحقيقية والمرعبة بين واقع الصحافة السورية وبين حركة الصحافة العربية والعالمية والثورة الحقيقية التي يعيشها الإعلام في العالم منذ عشر سنوات وحتى الآن على صعيد حرية التعبير والتطور التقني الذي بدّل في المفاهيم المهنية للصحافة ، وخامسها غياب الدور الفاعل  لاتحاد الصحفيين السوريين سواء في تأهيل الكوادر الصحفية من خلال إقامة الدورات وإرسال وفود من الصحفيين السوريين للاطلاع على ما يجري من تطورات على مهنة الصحافة في العالم ، أو من خلال وضع ضوابط حقيقية ومهنية لا يتم اختراقها للعمل الصحفي ،أو في الدفاع عن حقوق الصحفيين السوريين ،أو عبر تنمية الروح الجماعية للصحفيين السوريين مما يؤهلهم للدفاع عن مهنتهم في مواجهة أي ضغوط أو أخطار .

 

بين السلطة والصحافة

 

   من بين الأسباب الخمسة التي حددتها لقراءة واقع الصحافة السورية ( وكأول خطوة لتقديم اقتراحات في مجال تطويرها ) أجد أن العلاقة الملتبسة بين السلطة السياسية والصحافة هي السبب الأهم والجوهري الذي يستحق النقاش أولا ، كونه ساهم في إيجاد وتعزيز الخلل المهني ، الذي تبدى في الأسباب الأربعة الأخرى ، والتي كونت بمجملها المعوقات الأساسية أمام تطور هذه الصحافة . فعلى الرغم من أن كلام الرئيس الراحل حافظ الأسد في انه ( لا رقابة على الفكر إلا رقابة الضمير ) و ( لا أريد لأحد أن يسكت عن الخطأ ولا أن يتستر على العيوب والنواقص ) يرفع سقف الرقابة بتحديده بضمير الصحفي ، باعتباره وطنياً يسعى لخير بلده ، إلا أن المسؤولين عن الإعلام وجدوا المنفذ المناسب لفرض رقابتهم بأخذهم دور ( الضمير ) ، ولذلك صار من حقهم فرض الرقابة على الفكر والإعلام والصحافة ، ولأن الرئيس الراحل طالب بعدم السكوت عن الخطأ ، فقد أنكروا طوال الفترة التي تولوا فيها مسؤولية الإعلام وجود أي أخطاء أو نواقص أو عيوب ( تكشفت فيما بعد ارتكابات وصلت إلى حد اتهام المسؤول الأول عن السلطة التنفيذية في سورية لمدة 13 سنة ) ، فغيبوها عن الصحافة السورية ، وفي رأيهم انهم نفذوا كلام الرئيس الراحل ، وعلى هذا الأساس تمت إدارة الصحافة السورية في السنوات الماضية ، مما ساهم في تغييب دورها الرقابي على أجهزة الدولة ، الأمر الذي سمح بخلق مناخ صالح لنمو بكتريات الفساد واستشرائها في الجسم السوري من جهة ، وأدى من جهة أخرى لخلق واقع مهني متدن كان وراء حالة الصحافة السورية التي يمكن أن نقرأ من خلالها  تعاسة المهنة ، وهي مسألة ضرورية في الأداء الصحفي لأنها تضبط  القارئ ، وهو ما يؤكده الأستاذ محمد حسنين هيكل الذي يرى ( أن أول ما يطالعه الإنسان في الصباح بحكم العادة هو الجريدة ، فإذا نظرت إلى الصفحة الأولى من هذه الجريدة ستشعر على الفور بالمزاج العام للذين كانوا وراء صدور هذه الجريدة وتشعر إلى أي مدى قام هؤلاء بعملهم ، والى أي مدى فعلوه وهم راضون عنه ) وكلام الأستاذ هيكل يجد خير تأكيد له في النموذج السوري للصحافة(!!).

     وإذا كان بعض مسؤولي الإعلام الأوائل _ الذين جاؤوا من وظائف مرتبطة بالعمل الصحفي _ قد حددوا الخط الأحمر للصحافة السورية بعدم المساس بالسلطة السياسية ، واعتبروا الكتابة عما يخص القضايا المحلية أمرا بدهياً ، وحافظوا على مجموعة من المهنيين في إدارة شؤون الصحافة فإن الآخرين الذين تولوا مسؤولية الإعلام _ بدون علاقة سابقة به _ بالغوا في تقديم أوراق اعتماد وولاء ( ربما لم تطلب منهم ) للسلطة السياسية ، بأن اصبح المنع هو القاعدة، والسماح هو الاستثناء ، والولاء لا المهنية هو مقياس الصحفي الناجح ، والإيجابيات هي التي يلهث وراءها الصحفي ، بينما يتم حجب كل سطر يتناول سلبية من سلبيات مؤسسات الدولة ، إلى حد وصلت فيه الصحافة السورية إلى ما يمكن تسميته ( صحافة استقبل وودع ) على حد تعبير سائق تكسي اقلني إلى مكتب جريدة " تشرين " السورية بعد ما علم أنني اعمل صحفيا فيها .

     إن التوجيهات التي مارسها مسؤولو الإعلام الكبار على رؤساء تحرير الصحف السورية ( إلى الدرجة التي كانت فيها الأسئلة التي يطرحها رؤساء تحرير الصحف في المؤتمرات الصحفية لرؤساء الدول داخل سورية وخارجها تعطي لهم - كما حدثني هامساً أحد رؤساء تحرير الصحف السورية -   مما يعرضهم لبعض المداعبات الناقدة ، كما حدث مع أحد رؤساء التحرير هؤلاء حين داعبه الرئيس المصري حسني مبارك قائلاً بعد أن وجه سؤاله( أنت تسألني  السؤال نفسه دائماً ، مما وضعه في موقف لا يحسد عليه بينما كان الصحفيون المصريون ومراسلو الوكالات والمحطات التلفزيونية يسألون كل ما يخطر ببالهم ) . هذه التوجيهات كان رؤساء تحرير الصحف ينقلونها إلى مديري تحريرها ، وهؤلاء بدورهم ينقلونها إلى أمناء التحرير الذين ينقلونها إلى رؤساء الأقسام ، ليصل التوجيه إلى المحرر الصحفي ، وبالتالي إلى المادة الصحفية التي تتهالك تحت عبء كل التوجيهات الواردة أعلاه .

     وعبر هذه التراتبية الهرمية من الأعلى إلى الأسفل تم الاستغناء عن أصحاب الرأي من المهنيين وأصحاب القرار الذين يفضلون المبادرة على السؤال ، وتم استبدالهم بمجموعة من الموظفين التنفيذيين الذين لا يستطيعون البت بأية مسألة مهما صغرت إلا بعد العودة إلى مرجعياتهم الأعلى ،والتي بدورها تسأل مرجعياتها وهكذا دواليك . وسأورد حادثة كنت طرفاً فيها لتقديم مثال واقعي على ما أقول ، ففي أثناء التحضير للاحتفال بالذكرى الثلاثين للحركة التصحيحية، وفي اجتماع عقد في القسم الثقافي لجريدة " تشرين " حيث اعمل محرراً قدمت اقتراحاً عن خطة مغايرة للاحتفال بالمناسبة كي لا تقع الجريدة في التكرار ، وكي لا تزيد كمية المرتجعات من الصحف السورية  – كما هي العادة في المناسبات – وقلت لرئيس القسم لماذا لا تذهبون إلى الكتّاب والفنانين السوريين وتسألوهم ما الذي يطلبونه من الرئيس حافظ الأسد بعد ثلاثين عاماً على قيام الحركة التصحيحية ، فقام رئيس القسم بنقل الاقتراح إلى مرجعيـاته ، وبعد عدة أيـام أتى الجواب - الذي لا اعرف مصدره بالضبط - أن الرئيـس لا يُطلَب منه بل هو الذي يَطلب (!!) .

    إن أولى المهام التي يجب أن تنجزها الصحافة السورية هي إعادة بناء علاقتها بالسلطة السياسية بشكل يترك الجانب المهني للصحفيين عبر عدة أسس :

أولها : الاعتماد على مهنيين أصحاب قرار ، وإسناد منصب رئيس التحرير لهم حصرا ، مطبقين ما نص عليه اجتماع اتحاد الصحفيين العرب في العام الماضي في عمان ، الذي اعتبر أن رئيس التحرير يجب أن يكون من  المشتغلين بالعمل الصحفي حصراً ، وهو ما أكده لي رئيس اتحاد الصحفيين السوريين الدكتور صابر فلحوط الذي اعتبر أن تعيين اثنين من رؤساء تحرير الصحف السورية من خارج المهنة ليسوا أعضاء في اتحاد الصحفيين يعتبر تجاوزاً لقانون الصحافة العربية الموحد ، وبالاعتماد على المهنيين - ومن داخل السلطة السياسية نفسها - يمكن إنجاز خطوة على طريق تفعيل الصحافة السورية .

وثانيها  : اعتبار الخبر الصحفي مسؤولية أصحاب المهنة الصحفيين ، ابتداءً من الخبر الرئاسي الذي تبثه في العادة

وكالة "سانا" السورية  ولا يسمح لأي كان بالتدخل لإغنائه ، مما يجعل الصحف السورية تتشابه في نشره ، فضلا عن  نشره متأخراً مدة 12 ساعة على الأقل عن ساعة بثه في التلفزيون . فما الذي يجذبني كقارئ لخبر شاهدته أمس ، واستطاعت الصورة التلفزيونية أن تنقله لي بحيوية اكثر مما لو قرأته ذاته في الجريدة (!؟) . ولذلك فالمطلوب هنا نقل الخبر التلفزيوني من صورة تستطيع أن تنقل انطباعاً إلى كلمة تستطيع أن تخلق اقتناعاً  حسب ما يقوله الأستاذ هيـكل : (سوف يختفي من الصحف خبر الاستقبالات الرسمية ، سوف يراه الناس في التلفزيون لكن ستكون الصحف مضطرة لأن تقول ما وراء الخبر ، ماذا قال في لحظتها بصوت هامس هذا الضيف وهذا لزائر )، وينطبق هذا على كل الأخبار التي تنشرها الصحف السورية لتغطية أحداث محلية عبر وكالة " سانا " السورية ، فعلى سبيل المثال تمنع جريدة " ذي ديترويت فري برس " الأمريكية نشر أي خبر محلي منقولاً عن الراديو أو التلفزيون أو وكالات الأنباء ، وتعتبر أن مسؤولية صحفييها إيجاد الأخبار ومتابعتها دون التدخل في صنعها ، ولا تستخدم الوسائل السالفة الذكر إلا بالنسبة للولايات والأماكن التي لا يوجد فيها مندوبون للصحيفة .

وثالثها : إعادة الاعتبار للصحافة السورية، كونها مؤهلة وقادرة على أن تنافس الصحف العربية ، من خلال تسريب الأخبار لها أولا بدلا من تسريبها للصحف العربية ، التي دائماً ما يعرف منها القارئ السوري أخبار بلده قبل نشرها في الصحف السورية ( والأمثلة كثيرة ) .فقد كان المحرر السياسي لجريدة " الأهرام " المصرية على سبيل المثال هو أول من يشير إلى تعديل وزاري سيحدث في مصر ، أو موقف ما ستتخذه القيادة السياسية المصرية . ويدخل في هذا الإطار فتح المجال أمام لصحافة السورية لتناول المشكلات حتى قبل أن يتم الإعلان عنها رسمياً ، فكثير من ملفات الفساد كانت متوفرة بين أيدي الصحفيين السورين ، لكنها لم تنشر إلا بعد الإعلان الرسمي لها .

ورابعها: اعتبار الصحافة السورية شريكاً للسلطة السياسية لا مجرد تابع لها تردد ما تقوله ، بل على مستوى من الندية تسمح لها بمناقشة كل شؤون الحياة السورية ، وتقديم الاقتراحات وعرض وجهات النظر ، والمحاورة لا الموافقة ، بحيث تصبح صفحات الصحف قاعات مجلس شعب كبير يضم كل أفراد الشعب ، وليس ممثلين عنه فقط ، فما الذي كان يمنع الصحف السورية أن تناقش قانون الإيجار مثلاً قبل إصداره ، وما هو المانع حالياً من مناقشة قانون المطبوعات أو قانون الأحزاب علناً على صفحات الصحف ، وتقديم أفكار حولهما !!

وخامسها : إعادة الاعتبار للخبر وبدرجة من الاحتراف ودون استخدام مصطلحات قيمية ، وحصر آراء السلطة السياسية في أية قضية من القضايا في مقالات الرأي ، بدلاً من الخلط الحاصل الآن والذي ضاعت فيه هوية الصحافة السورية ، فلا هي صحافة رأي ولا هي صحافة خبر بالنسبة للمهنة ، وخلقت نوعاً من التشويش على الأداء السياسي لسورية كونها تعامل عربيا وعالميا باعتبارها نشرات موجهة إذا حاولت أجد التعبير الألطف لما توصف به الصحافة السورية خارجياً .

      إن إعادة تنظيم العلاقة بين السلطة السياسية والصحافة السورية ، لا يعتبر فقط إنجازا على صعيد المهنة الصحفية التي ينبغي أن تأخذ دورها الفاعل في عملية التطوير والتحديث ، بل يساهم أيضا في تسويق الأداء السياسي السوري وخدمته بشكل أرقى وبما لا يقاس مما عليه الآن . 

 

في شؤون المهنة

 

   إذا كانت الصحافة هي مهنة البحث عن المتاعب في كل أنحاء العالم ، فإنها في سورية مهنة البعد عن المتاعب ، فلا شيء يثير فيها ، ولا موضوع يعرّض أي كان لأي متاعب ( باستثناء متاعب قراءة تلك الموضوعات الخشبية التي تصيب قارئها باليأس والقنوط ) والصحفي السوري هو اكثر موظفي الدولة راحة ، فوكالة " سانا " تزوده بالأخبار ، وهو ليس في حاجة لتقديم أي إسهام فيها ، ومؤسسات الدولة الأخرى تقدم خططها له والتي ينشرها دون تدخل يعرضه للدخول في مماحكات مع مسؤولي النشر ، وحتى شكاوى المواطنين تنشر دون تحرير ( هل يعقل مثلا أن محررة قضايا المواطنين في إحدى الصحف السورية تنبه كل صاحب شكوى بأن يأتي بها مكتوبة ، فلا وقت لديها لسماعه ، وحين تكون مشغولة باحتساء فنجان قهوتها والثرثرة مع إحدى زميلاتها ويطلبها مواطن على الهاتف الموجود على طاولة أخرى غير طاولتها ، تقول لزميلها الصحفي الذي أجاب على الهاتف واخبرها بأن هناك شكوى من مواطن أن يخبر هذا المواطن بأن يأتي بالشكوى مكتوبة ، دون أن تكلف نفسها عناء التحدث إليه مباشرة . وحين تتجمع لديها بعض الشكاوى ، تكتب سطرين في نهاية كل شكوى وترسلها للنشر دون أي تحرير للقضايا التي يطرحها المواطنون أو بحث أو استقصاء !!).

     إن غياب حس المسؤولية وروح المبادرة لدى الصحفي في الصحف السورية يجعل هذه الصحف مليئة بالمعلومات الخاطئة والأخطاء المهنية ، ( فيتحول الكاتب والسيناريست المصري وحيد حامد إلى ممثل على يد محرر الصفحة الأخيرة في جريدة " تشرين "بتاريخ 17/12/2000 . ويتم نشر خبر عن إنجاز مسلسل " ليل المسافرين " السوري في  الصفحة نفسها بتاريخ 19/10/2000 ، ليعاد نشر الخبر في اليوم التالي 20/10/2000 إنما بفارق بسيط هو أن مخرجه يعد العدة لتصويره ، على الرغم من المسلسل منجز فعلياً . وتنشر جريدة " البعث " خبراً منقولاً عن الصحف المصرية مفاده عن استعداد نجلاء فتحي لتصوير فيلمها الجديد في القاهرة بتاريخ 18/2/2001 ورغم ذلك تفتتحه بكلمتي ( دمشق-البعث) وكأن الخبر هو خبرها الخاص ، أو كأن الحدث يجري في دمشق . وتكال الاتهامات لفنانة بحجم أصالة نصري (حضورها العربي أحد صور الدعاية للفن السوري ) في مقالتين نشرتهما جريدة " الثورة " بتاريخ 18/1/2001 للأستاذ احمد بوبس وبتاريخ 23/2/2001 للأستاذ مفيد خنسة ، لمجرد أنها قالت في لقاء تلفزيوني معها إنها مصرية 99 بالمائة . وينشر رد الجهة المعنية في العدد (112) من مجلة " تشرين الأسبوعي " على موضوع كتبه الأستاذ أسامة يونس في المجلة نفسها في العدد (110) دون أن يسمح للمحرر بالتعقيب على الرد في مخالفة صريحة لقانون المطبوعات . وتصبح افتتاحيات الصحف السورية مواضيع تعبير مدرسية تغيب عنها المعلومة والرأي لصالح سرد تاريخي مدرسي وبحيث تغدو إحداها عن زيارة رسمية لرئيس التحرير إلى بلد عربي موضوعاً جغرافياً يتحدث عن حدود البلد من الشمال والجنوب والشرق والغرب وعدد السكان وما تشتهر به البلد من زراعة وصناعة .  وتنشر التغطيات الصحفية لأعمال فنية بعد مرور زمن طويل على إقامة هذه التظاهرات أو عرض هذه الأعمال ، فتنشر جريدة " البعث " بتاريخ 18/3/2001 مقالاً عن مسرحية "صدى"التي عرضت في دمشق على الرغم من أن المسرحية عرضت بتاريخ 8/1/2001وانتهى عرضها في نهاية الشهر الأول . وتنشر جريدة " تشرين " بتاريخ 22/1/2001 موضوعاً عن تكريم الفنانين التشكيليين في مهرجان المحبة الذي أقيم في شهر آب 2000 . ويكتب كل محرر في كل موضوع ، فيُنشر كلام أقرب إلى السريالية حين تسأل الأستاذة رغداء مارديني في جريدة "تشرين " في ندوة أقامتها حول المسرح الشعري بتاريخ 7-8/1/2001مثل هذا السؤال ( إذا ما لغة الشاعر الآن وما علاقتها بالجذور بعيداً عن التكريس، ، وكيف تنظرون إلى عملية التبديد التي تدخل في آلية التجريب ) . ويصل الأمر برئيس القسم الثقافي في جريدة " تشرين " الدكتور عبد الكريم عبد الصمد إلى الوقوع في خطأ إدراكي حين يكتب بتاريخ 5/10/2000 ( فقد سقط الطفل الفلسطيني محمد جمال الدرة الذي لم يتجاوز 12 خريفاً ) . ويغدو الخبر الوحيد الذي نقلته كل الصحف العربية من سورية عن إقرار مشروع قانون سرية المصارف خبرا ثانويا في أسفل الصفحة الأولى في جريدة " تشرين " بتاريخ 19/3/2001 . وأخطاء أخرى كثيرة أحتاج إلي صفحات اكثر من صفحات الموسوعة البريطانية لكي اعددها ) .

     وإذا كان ما ذكرته سابقاً يقدم صورة قاتمة  – على واقعيتها – للصحافة السورية ، فان المسؤولية المباشرة تقع على عاتق الأشخاص الذين يتولون مفاصل النشر في الصحف وهم نوعان الأول يعتقد انه بتفريغ الصحافة السورية من الموضوعات الحارة يحمي السلطة السياسية فيتحول إلى ملكي اكثر من الملك ، ولأمثال هؤلاء دور أساسي وكبير في تدهور وضع الصحافة ، أما النوع الثاني فهو الذي يعتقد أن عليه الحصول على اكبر رقم في جدول المكافآت فينشر مواد رديئة من اجل مكافآتها فقط ( أحصيت مواد أعداد شهر كانون الثاني لعام 2001 في القسم الثقافي في جريدة " تشرين "فوجدت 42 مادة لرئيس القسم وحده ، بينما بلغ عدد مواد 14 محرراً مجتمعين 58 مادة فقط ) ومن يعود إلى جداول المكافآت في الصحف السورية خلال السنوات الخمس  الماضية ، يكتشف حجم المستأثرين بالمبالغ الأعلى ، بينما لا يحصل بقية الصحفيين داخل الصحف على مبالغ تذكر ، وفي غياب اجتماعات يومية ودورية للتحرير في الصحف السورية يصبح لهذين النوعين من مسؤولي النشر السالفي الذكر السلطة المطلقة على كل مقدرات وتوجه هذه الصحف ، ففي جريدة " الأهرام " المصرية على سبيل المثال تجتمع هيئة التحرير ثلاث مرات في اليوم لمناقشة عدد اليوم وتقرير مواد عدد الغد ، وهو ما يحدث في جريدة " ذي ديترويت فري برس " الأمريكية التي يجتمع محرروها كل في قسمه صباح كل يوم لتداول الأفكار وإبداء الاقتراحات في المواضيع المرتقبة ، والتشاور في الموضوع المزمع كتابته وجوانبه والزاوية التي سيكتب منها ، وبعد الاجتماعات الفرعية ينتدب واحد في كل قسم إلى اجتماع التحرير العام الذي يتكرر ثلاث مرات يومياً، وتترأسه مديرة تحرير توزع الأدوار على المتكلمين وتسجل ملاحظاتهم ومقترحاتهم ، ويعقد الاجتماع الأول في العاشرة صباحاً ويخصص لقراءة نقدية للعدد الصادر صباح اليوم، ويسألون عن مقترحاتهم ومواضيعهم لليوم التالي ، وفي اجتماع الثانية والنصف ظهراً يتم تثبيت المواضيع مبدئيا التي ستنشر في عدد الغد ومناقشة الأخبار والأحداث الجديدة . أما اجتماع الرابعة والنصف فيتم فيه تثبيت المواد نهائياً التي ستنشر في اليوم التالي . وإذا كان هذا ما يحدث في جريدة مؤلفة من ثمانين صفحة ، فما الذي يحدث في صحف يتراوح عدد صفحاتها بين 12-16 صفحة في سورية (!؟) لا تحدث اجتماعات لأي من أقسام الجريدة ، وهيئة التحرير تجتمع مرة واحدة أسبوعيا ، ويتم تقرير المواد للنشر حسب المتوفر وبرأي شخصي ، ولا تتابع أي أحداث بالسرعة والحرارة الكافية وتفضل مواد المستكتبين من خارج الصحف على مواد المحررين ( كون مكافآت هذه المواد تصرف من بند خاص لا يؤثر على مكافآت الذين يبحثون عن أعلى الأرقام ، بينما تؤثر عليهم مكافآت المواد المنشورة لمحررين في الصحف )، وتنتشر الفوضى بحيث ينشر في عدد واحد وصفحة واحدة ثلاثة حوارات على سبيل المثال ، وتمر عشرة أيام دون نشر أي حوار ، ولا أحد يدري أهمية الشخصية موضوع الحوار ( رغم أن الحوار هو قرار مطبخ الجريدة وليس قراراً فردياً ) وتطغى المواد التي تكتب من خلف المكاتب ، بينما تغيب المواد الميدانية (من بين ستين نشاطاً ثقافياً أقيم في دمشق خلال شهر كانون الثاني 2001 غطت جريدة "تشرين" تسعة نشاطات فقط ) ، ويُفرض ذوق ورأي المسؤول عن النشر على كل المواد التي تنشر في غياب أي حوار بين المشتغلين بالتحرير ، وهذا الذوق غالباً ما يكون محكوماً بالمحافظة على المكان والمردود المادي ، فيتم تجنب المواد الحارة والمثيرة للجدل ، ويغّيب رأي القارئ وما يبحث عنه من مواضيع تثير اهتمامه ، وتختفي الهوية اللازمة لكل جريدة .

      إن أي تطوير تبحث عنه الصحافة السورية لتستعيد دوراً فقدته ، يجب أن يعيد المهنة إلى هذه الصحف ، من خلال مراجعة أداء مفاصل النشر طوال السنوات الماضية ،ومدى أثرهم على تراجع توزيع الصحف ، وتبديل غير المهنيين منهم ، والعمل على تحفيز الصحفيين السوريين لكي يعودوا إلى اخذ دورهم الذي دفعوا إلى التنازل عنه ، وإطلاق حرية المبادرة ، وتشجيع التميّز ،ووضع خطط بالمواضيع التي ستنشرها الصحف ومناقشتها ، والالتصاق بالحدث الراهن ، والسماح بكل الآراء ، وفتح باب النقاش لكل من يود المساهمة فيه ، وتأكيد  خصوصية كل جريدة من الخبر وحتى التحقيق والمقال ، والانفتاح على كل الكتاب السوريين ، وتطوير الشكل الفني للمادة من الخطوط إلى الصور إلى العناوين بحيث تعطي القارئ سبباً إضافيا يفتح شهيته للقراءة ، والاستفادة من كل الإمكانيات المتاحة للحصول على افضل نتائج كما في أحد تعريفات الإدارة الناجحة ، ومحاولة إحداث أقسام لإجراء استطلاعات حول توجه الرأي العام المغيّب تماماً في الصحافة السورية ،وميوله تجاه قضية من القضايا ،مما يساهم في تنوير الصحفي السوري حول المواضيع التي تهم القارئ .

     وهذا التطوير يجب أن يشمل إعادة النظر في التشابه الموجود بين الصحف السورية الثلاث ، بحيث تخصص إحدى هذه الصحف وتطوّر باتجاه أن تصبح صحافة شعبية ، تقدم وجهة النظر الشعبية فيما يجري من أحداث على غرار مجلة "روز اليوسف " المصرية ، التي تختلف اختلافاً جذرياً عن صحيفة مثل "الأهرام " على الرغم من أن المطبوعتين مملوكتين للدولة .وعلى غرار صحيفة " الصن " البريطانية التي توزع أربعة ملايين ونصف المليون نسخة ، في حين أن جريدة " التايمز " توزع400 ألف نسخة رغم أن مالك الصحيفتين هو شخص واحد . ومن أهم مميزات هذه الصحافة الشعبية أنها  تقف أمام الصحافة صاحبة النفوذ ،وتتمتع بحرية في الانتقاد اكثر مما تتمتع به الصحف الرسمية ، وتستخدم لغة اقرب للناس من لغة الصحافة الرسمية بمعنى أن القارئ يتمتع بها وهو يقرأها فأسلوبها جزء من طبيعة الموضوع .

      إن وجود صحيفة واحدة بين الصحف السورية تتخذ أسلوب الصحافة الشعبية سيخفف كثيراً من الضغوط والاحتقانات حين يجد المواطن صحيفة تتبنى موقفه وتدافع عنه وتنقل رأيه للدولة في أية قضية من القضايا ، ويحد أيضا من انتشار بكتريات الفساد في المجتمع السوري ، ويساهم في إصلاح الخلل ، ودفع مسيرة التطوير والتحديث ومساعدتها للوصول إلى غاياتها .

 

لا تاريخ بدون جغرافيا ملائمة

 

   لا أريد أن أعيد حديثاً قديماً عن أهمية الإعلام ، خصوصا في ظل هذا التطور المرعب الذي يعيشه ، ولكني سأكتفي بالمقارنة بين الدور الذي لعبته محطة تلفزيونية مثل قناة  "الجزيرة "في تحويل دولة صغيرة مثل قطر إلى لاعب على المستوى الإقليمي يحسب حسابه ، وبين دور الإعلام السوري الذي لم يستطع أن يرقى إلى مستوى الأداء السياسي لسورية ، وأصبح بدلا من أن يساهم في نقله وتسويقه عائقا أمامه ، ومثل هذا الإعلام قادر أن يحول أية قضية رابحة حين يتبناها إلى خاسرة . وإذا كنت قد قدمت فيما سبق مقترحات حول إعادة صياغة علاقة الصحافة السورية بقارئها ، ومن ثم علاقتها بالسلطة ، وعلاقتها بالمهنة نفسها ، فمن غير المعقول أن أتجاهل دور التقنيات الحديثة ( من تكنولوجيا المعلومات إلى الاتصالات إلى الطباعة ) في تطوير الصحافة السورية ، التي لا يزال محرروها يستخدمون الأوراق والأقلام في إنشاء مقالاتهم وتحرير أخبارهم ، في حين أن جريدة مثل " الأهرام "المصرية ألغت في صالة الديسك المركزي استخدام القلم ،وأخضعت محرريها لدورات على أجهزة الكومبيوتر ، وجريدة مثل " ذي ديترويت فري برس "ألغت قسم التنضيد في الجريدة ، وكل صحفي من صحفييها يستخدم جهاز كومبيوتر ويمكنه الاطلاع على كل ما يدور في الجريدة ويكتبه زملاؤه .

      وفي مجال الاتصالات لا يستطيع أي صحفي من صحفيي لصحافة السورية الاتصال بأية محافظة من المحافظات السورية لمتابعة خبر أو موضوع إلا بعد الحصول على إذن مسبق من المدير العام للصحيفة ، ناهيك عن سرية الانترنيت حيث يمنع عن أي صحفي الاستفادة من إمكانيات الانترنيت في الصحف السورية لأسباب يوحى بأنها أمنية في حين تسمح الجمعية المعلوماتية لأي صحفي بالاشتراك بخدمة الانترنيت وبدون أي قيود ؟! ( ومن اجل إضفاء بعض الطرافة على حديثنا الجاف سأذكر هنا حادثة واقعية جرت أحداثها في جريدة "تشرين "السورية في نهاية العام الماضي ، إذ قام مديرها العام  بفصل الخطوط الهاتفية للجريدة ، ولم يعد بالإمكان الاتصال بأي رقم هاتفي داخل دمشق إلا عبر مقسم الجريدة ، وحين سألته عن الأمر أجاب بأن كثيرا من المواطنين اشتكوا من هواتف إزعاج صادرة عن الجريدة التي ظهرت أرقام هواتفها على أجهزة كاشف الرقم في بيوتهم ، وساعتها قلت للمدير العام كيف يمكن أن تصدر جريدة بدون اتصالات ؟! وتراجع المدير العام عن قراره بعد يومين من تنفيذه فعلياً).

     أما في مجال الطباعة فالأمر يصل إلى حدود الخطر الحقيقي ، فمجلة مثل " تشرين الأسبوعي " السورية تنجز اكثر من 85 بالمائة من طباعة عددها قبل أسبوع من صدوره ، بينما تترك عدة صفحات إخبارية تغلقها قبل أربعة أيام من صدور العدد ، مما يجعل موادها متأخرة دائماً عن الأحداث المحلية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية ، والسبب في ذلك عدم وجود آلات الطباعة التي تستطيع تلبية حاجة الصحافة إلى متابعة الأحداث الراهنة والمتسارعة .

   أمام مثل هذا الوضع  التقني لا يمكن أن نصنع تاريخاً بدون الجغرافيا الملائمة ، فعلى الرغم من أننا في العام 2001 إلا أن كل أساليب التعامل ( من الخبر إلى الحدث إلى الاتصال إلى مصادر الأخبار إلى الأجهزة الطباعية ) تنتمي إلى عصر مضى في ظل ثورة إعلامية عالمية حققت في العشر سنوات الماضية اكثر مما حققته في القرن الماضي كله .

 

اتحاد الصحفيين والدور الفاعل

 

     ركن اتحاد الصحفيين في سورية إلى مجموعة إنجازات قدمها عبر تاريخه ، وتعد على أصابع اليد الواحدة ( الحصول على تعويض طبيعة عمل للصحفيين لا يتجاوز في احسن أحواله الأربعمائة ليرة سورية –تأمين خط هاتفي لكل عضو – تأمين خصم خمسين بالمائة على بطاقات شركة الطيران السورية – قانون تقاعد الصحفيين – تقديم قروض متواضعة بفوائد  للصحفيين  ) ونسي مهامه الأساسية كمسؤوليته في الرقابة على الحالة المهنية للصحافة السورية ، لا بل انه لم يعترض على مخالفة قوانينه بتعيين رؤساء تحرير ليسوا أعضاء فيه ، ولم يفكر  بالمساهمة في تطوير الأداء المهني للصحفيين السوريين من خلال تنظيم دورات واستقدام الخبراء الإعلاميين ، وتنظيم اللقاءات بين الصحفيين لمناقشة شؤون مهنتهم ، وإرسال الوفود إلى الصحف العربية والعالمية للاطلاع على احدث ما توصلت إليه الصحافة العالمية ،والتدخل لحل مشكلات جدية تعترض الصحفيين السوريين كالإجراءات العقابية التي تتخذ بحق الصحفيين في الصحف السورية مثل المنع من الكتابة والنفي إلى شعبة الأرشيف ، ولأسباب لا تعود في العادة إلى تقصير مهني بل دائما إلى مزاج شخصي ( فهل يعقل مثلاً أن ينفى المدير الأسبق لهيئة الإذاعة والتلفزيون في سورية ولاتحاد الإذاعات العربية الأستاذ فؤاد بلاط إلى شعبة الأرشيف في جريدة الثورة لستة اشهر لخلاف غير شخصي بينه وبين وزير الإعلام السابق الدكتور محمد سلمان ، ومن ثم يعاد إليه الاعتبار بعد خروج الدكتور سلمان من الوزارة ليصبح حالياً معاوناً لوزير الإعلام السوري لشؤون المؤسسات الصحفية دون أن يتدخل اتحاد الصحفيين أو يبدي أي اعتراض) . وحين وجهت هذا السؤال للدكتور صابر فلحوط نقيب الصحفيين في ندوة  أقيمت بدمشق قبل عدة أسابيع ، اعتبر أن تدخل الاتحاد في هذه المسألة هو تدخل في شؤون المؤسسات الصحفية الداخلية ، ولعل أهم الأسباب التي تجعل من اتحاد الصحفيين نقابة غير فعالة في مسألة أزمات الصحفيين مع إدارات مؤسساتهم الصحفية ، هو وجود المدرين العامين للصحف في عضوية المكتب التنفيذي للاتحاد أي في أعلى سلطة فيه ، بمعنى أن أي صحفي يريد تقديم شكوى عما يجري  معه في صحيفته ومع مديره العام  للاتحاد ، فإن من سيناقش الشكوى هو هذا المدير نفسه ، وربما نحن البلد الوحيد في العالم الذي  ينتخب فيه الصحفيون قيادة نقابتهم من رؤسائهم في العمل (!!) .   

     لقد نسي اتحاد الصحفيين أن أي تطوير تفكر به الصحافة السورية يجب أن يرافقه تفعيل لدور اتحاد الصحفيين في حماية أعضائه والمساهمة في تطوير أدائهم المهني بدلاً من بقائه مؤسسة روتينية مهمتها الأولى والأخيرة منح الأوراق الخاصة بالخصم على خطوط الطيران السورية ، وبعض الأوراق الأخرى التي لا تدخل من قريب أو بعيد في صميم المهنة وهي مهمة مكتب من مكاتبه  لا مهمة الاتحاد كله.

 

وبعد ..

 

    في المؤتمر الأخير لاتحاد الصحفيين السوريين الذي عقد قبل سنوات في دمشق وقف الأستاذ فؤاد بلاط ليقول لوزير الأعلام حينها الدكتور محمد سلمان ، لابد لي أن أشكرك على أمرين الأول هو إنجازك المهم في جعل الصحافة السورية تُقرأ والإذاعة السورية تُسمع والتلفزيون السوري يُشاهد ، والثاني هو نجاحك في لي الذراع الجماعية للصحفيين السوريين ، فأجابه الدكتور سلمان بأنه فهم الأمر الأول بحسن نية، ووجد في الثاني سوء نية ، لكن الأستاذ بلاط تابع قائلا :بل الحقيقة أن النية السيئة موجودة في الأمرين معا يا سيادة الوزير(!!). ولا يخرج عن هذا الإطار ما كتبه الدكتور تركي صقر مدير عام جريدة " البعث " السورية في افتتاحيته بتاريخ 19/2/2001حول واقع الإعلام السوري ، وفيه اعتراف لا يقبل الجدل بقصور الأداء الإعلامي والصحافي. وإذا كان هذا ما يقوله اثنان من مسؤولي الإعلام عن واقع الإعلام السوري فما الذي نقوله نحن ؟

   لكننا لن نعدم من يقرأ كل ما ذكرته على أنه نوع من نشر الغسيل الوسخ أمام الناس كما يحلو للبعض – من الذين لا يريدون الحديث عن أي تقصير – وصف كل ما ينشر عن مواطن الخلل ، وإني أستميحهم العذر باستبدال مصطلح نشر الغسيل بآخر هو غسل الغسيل على حد تعبير الصحفي السوري إبراهيم ياخور. وتلح علي وأنا انهي مقالي حادثة قرأتها في مذكرات الشاعر السوفيتي يفتوشنكو، حين جاء بعض أعضاء قيادة الحزب الشيوعي السوفيتي إلى لينين ليشكون له الشاعر ماياكوفسكي ، وحديثه الدائم عن سلبيات وأخطاء تحدث في الدولة الوليدة ، مما سيفيد أعداء الثورة من الإمبرياليين ، فما كان من لينين إلا أن سأل هؤلاء  الرفاق الغيورين على مصلحة الحزب لا على مصالحهم الخاصة : أليست هذه الأخطاء موجودة ؟ فأجابوا بنعم ، وتابع لينين : أعتقد أن أعداء الثورة من الإمبرياليين سيستفيدون  أكثر فيما لو بقيت هذه الأخطاء وتم السكوت عنها !!

مراجع : 

الصحف السورية ( تشرين – الثورة – البعث ) .

 مجلة (تشرين الأسبوعي) .

 تقارير التوزيع في مؤسسة توزيع المطبوعات السورية .

متابعات وزيارات شخصية لجريدة الأهرام المصرية .

جريدة الحياة اللندنية.

مجلة أكتوبر المصرية .

مشروع قانون الصحافة العربية الموحد .

حوار شخصي مع عادل حمودة .

كواليس صناعة الخبر في الصحافة الأمريكية .

الجورنالجي .             

 

جريدة العرب اليوم الأردنية 16-17/5/2001

موقع مفهوم الالكتروني       13/5/2001