سورية الإعلام والسياسة يفسر أحدهما الآخر

أسد عبيد

 السفير 10/8/2000

  

موجة التغييرات الإعلامية في سورية طالت المناصب والمواقع ، وربما تستمر باتجاه المفاصل الإعلامية فمنذ آذار الماضي والوسط الإعلامي ينام على شيء وينهض على آخر .

   بعض المتفائلين يعتقد أن سلسلة التعيينات والتنقلات الكمية الواسعة في كوادر الدولة وبينها ستتحول إلى تغييرات نوعية وبالأخص تطوير الخطاب الإعلامي .

   لكن ثمة أسئلة تدور في الشارع السوري الآخذ بالتشكل جديد مثل : هل التغييرات الهيكلية مقدمة لذلك التطوير ؟ وهذا التطوير هل سيقوم على أسس سياسية واقتصادية وثقافية تعطي الإعلام بعده الواقعي المطابق ؟ وهل التوسع بالإجراءات متعدد الينابيع والمصاب ؟ ما يلحظه المراقب هو اقتراب السياسة الداخلية من السياسة الخارجية لسورية ، وهذا ما بدا واضحاً في خطاب القسم للدكتور بشار الأسد رئيس الجمهورية .

  فالخطاب برأي الكثيرين جمع أفضل الصيغ والمفاهيم والاحتمالات ، بأصعب الظروف وأكثرها تعقيداً ، حيث اضطربت العلاقات بين الناس والإعلام السياسي على امتداد سنوات طويلة ، لدرجة أن حكمة الصحافة في العقد الأخير صيغت على النحو التالي " العلم العام عند المدير العام " .

   فلا نقاش ولا مناقشة حول صوابية الخطاب الإعلامي ، ووقعه على الناس ، سوى في الغرف المغلقة ولا سماح لمعرفة المرتجعات ولا ضرورة لمعرفة حاجات الناس ، وتحت غطاء هذا الانكفاء ، غابت الحقيقة واختفت الوثيقة حول من يسرق من ومن يغتني دون مشروعية ، وأدى هذا الانكفاء إلى اتساع لغة الانتشار وبروز الإعلام الشفوي بين الناس ليجسد ظاهرة عربية شاملة تفيد : إن وسائل الاتصال الفضائية المتطورة فرضت نفسها من الخارج على الداخل دون المرور بالكتابة الصحافية العقلانية ذات البعد الديموقراطي ، وكان أبرز مثال على ضبابية الإعلام الخبر التالي الذي يكرر دائماً وهو " لقد اجتمع مجلس الوزراء وناقش جدول أعماله واتخذ القرارات اللازمة " .

   وهكذا دفن عصر المعلومة ووضوح معالمها وعناصرها ومصادرها إذ لا قيمة لأية معلومة ما لم تخدم الناس أولاً وتعكس ديموقراطية الخطاب الإعلامي ثانياً نكي تخدم الوطن والمواطنين والقومية الإنسانية وأشرفت سورية على الوصول إلى نقطة غياب معرفة مستقبلها الداخلي ، إذ صار هذا المستقبل بعلم الغيب وصارت قواعد الإعلام غامضة إلا في سلبياتها أمام القارئ والمشاهد والمستمع إضافة على التلفيق في صياغة المعلومة ، وتبرير الخطأ بخطأ آخر جديد ، وتراجعت آراء هيئات التحرير واختفت تماما وأصبحت الأهواء الخاصة والربح المادي من وسائل الخدمة الصحفية ومن السيارات وأجهزة الكمبيوتر هي الهدف الأبرز المعلن، بينما المخفي غير ذلك تحت شعار ، تطوير الطباعة والصفحات ، واجتهد المجتهدون في سبيل تحسين شروط الفشل الداخلي وانحصر عمل القاعدة الأساسية للمفاصل الإعلامية بإرضاء المرؤوس رئيسه وفق منهجية تقتضي عدم جواز مناقشة الأدنى للأعلى ، وتحول الإعلام إلى عصا لا تضرب على الطبل الإعلامي وحسب، بل تطال الإنتاج الفكري كله للكوادر ،وتعيق حرية تدفق المعلومات وتعطل الصلة بين ضمير الكاتب الحي وبين المستمع والقارئ والمشاهد الهارب إلى الخارج ،بدت اللوحة الإعلامية تشتمل مشاهد : التباس المعلومات في مكان وانعدامها في مكان آخر مشوهة ومقلوبة تسير على رأسها في مكان ثالث، ذلك لأن ممارسة الإعلام لم تستند إلى عمل مؤسساتي يوفر ما يمكن توفيره من وعي سليم ومعافى يربط الإعلام بمصالح الأكثرية، ويخلق أو يساهم بصياغات الحوار بين المجتمع والدولة وبين مواقع السلطات نفسها واتسع السؤال القائل : ما الإشكالية التي صارت بين الناس والطبل وصاحبه في زمن أصبح فيه الإعلام المعاصر علاقة عضوية ومعللة بجميع العلوم وفروع الثقافة بخاصة في عصر الكمبيوتر والتدفق المعلوماتي ؟ وبدأت النخب السياسية في سورية تنتقد علناً فقدان الانسجام النسبي بين متطلبات الإعلام مهنياتً وبين القرار السياسي الذي لم يعد قادراً على الدفاع عن إعلامه ، بعدما تحولت هذه العلاقة إلى علاقة استلاب إذ انتقل استثمار السلطات الرسمية للإعلام من مؤشره التقني إلى مؤشر إيديولوجي ، وبعد هذه المرحلة التي مرت على الإعلام انفرجت الأمور نسبياً ،وباعتقادي أن خطاب القسم أمسك بالخيوط الأساسية للتطوير الشامل حينما دعا إلى معالجة الاضطراب الشامل في الدولة والمجتمع بدءاً من أسبابه وليس من نتائجه وفتح خطاب القسم أعين المتشائمين وحركهم باتجاه التفاؤل على جميع الصعد والمواقع الاقتصادية والثقافية ، وبدأ المثقفون يربطون بين العوامل الصحيحة للمعرفة والتصرف إذ لا سياسة بلا ثقافة ولا تقدم اقتصادي دون معرفة بقوانين التطور ، ولا صحافة دون سياسة عقلانية ، ودون ديموقراطية ومن غير تخطيط علمي .

   فالإعلام يشرح السياسة ولايصفها ، لكنه يطور أساليب السياسة ويرشدها باتجاه القرارات وصياغات القوانين المدروسة التي تخدم المجتمع ، ولهذا فإن الخطاب الذي أومأ للاستعانة " بالإعلام والمنظمات " والمشاركة الواسعة أشار بوضوح كامل إلى إمكانية وأهمية وضرورة بلورة المجتمع المدني إذ ربط التقدم والتطوير بالجميع ، في الدولة والمجتمع ، وليس بابتلاع الدول لهذا المجتمع .

   ومن هنا يدرك المراقب : أن تطوير الخطاب الإعلامي لا يتم بمعزل عن تطوير الخطاب السياسي برمته ، إذ ينهض الإعلام على قاعدة النهوض السياسي ، وتحديد عوامل هذا النهوض وإغناء مقومات هذا النهوض ، بإرادة وطنية وبسمة ديموقراطية تسقط علاقة السارق بالمسروق إلى الأبد وتقيم علاقة الند للند في المسؤولية الوطنية ، عند ذلك فقط تتحول " الفانتازيا " الإعلامية إلى موضوعية مريحة ، وتصبح حرية الإعلام جزءاً من حرية المجتمع ، فالإعلام كما يفهمه النهضويون ليس دوراناً حول شجرة الجوز ، إنما قطف الثمرة وكسرها ومعرفة  ما بداخلها، ولقد حيا المفكرون السوريون وكافة النخب الاتجاه الذي دشنه الدكتور بشار الأسد والذي دعا فيه إلى بلورة وعي مشترك بين السلطة والناس ، وتشكيل آراء وطنية وتوفير إمكانية حراك سياسي واسع النطاق ، مزود بثقة الوعي الذاتي للمواطن السوري العظيم ، الذي يحارب الفقر ويرفض قيود الحرية ، ومعوقات الثقافة وأسباب الجهل ، لاسيما في عصر النهضة والتنوير "والانترنيت  بالطبع إن المثقفين يتمنون على متخذي القرارات السياسية والاقتصادية والثقافية ، مساندة لا تقتصر على التغييرات الهيكلية للإعلام ، بل تشمل أيضاً المضمون الذي تطرق له الدكتور ناصر حامد أبو زيد في مقابلة أجرتها معه للسفير 17 أيلول 1999 وأشار فيها إلى : أن أفضل الوسائل وأكثرها شمولية هي استخدام الإعلام الثقافي ، وأن الالتزام بقضايا الناس ، يحتم على الإعلام إنزال الأفكار من عليائها وتحويلها إلى حقائق ومعارف شعبية .

   ويدعم هذا الرأي الشيخ العلامة " حسين فضل الله " الذي يردد " إن الثقافة العربية تنتج كتبا ولا تنتج عقولا "وبالاتجاه نفسه يعتقد الدكتور"طيب تبزيني" أن الاستفادة من الماضي و الأخذ منه يجب أن يكون وفق آليات جديدة، تعطينا إمكانية فهم ما كان موجوداً وتوصلنا إلى ما ينبغي أن يوجد .

    من هنا ومن كل هذا تبدو ضرورة ولوج البيوت من أبوابها ، وتحديد ما نريد ، وتقديم العون لمتخذي القرارات السياسية ، من جانب الإعلاميين الذين أصبحت لديهم ثقة بإيجابية ربط الخطاب الإعلامي ، بالخطاب الوطني وربط هذا الخطاب بعمقه القومي ، وفي مقدمة هذا العمق مواقع وعوامل المشروع القومي النهضوي الديمقراطي ، والإمساك جيداًًً بخيوط المجتمع المدني الذي يفلت دائماً من بين أيادي العرب ، لاسيما الشرائح العربية الحاكمة والتي أقامت دولها على حساب قومية شعوبها ونسيج تلك الشعوب المدني الخالص في الكثير من المواقع العربية المشبعة بعوامل الهزائم والذرائع،حيث تلاحق الحكومات مجتمعاتها المدنية بترسانة من القوانين تبدأ بقانون الأحوال الشخصية وتنتهي بقوانين الطوارئ ، وتبتلع حرية المجتمع والإعلام .

سورية تنتمي إلى الحالة الثانية