سوريا متى ينتهي الاعلام ـ الشُرطي ؟

هشام الدجاني

 النهار 11 /8/ 2000

تحركت العصا السحرية أخيراً في وزارة الإعلام فقد أجرى السيد الوزير قبل ايام قليلية سلسلة من المناقلات والاعفاءات شملت معظم المؤسسات الإعلامية السورية ( "تشرين" ، "الثورة "،"هيئة الإذاعة والتلفزيون " وكالة "سانا " للأنباء ) .

وأغلب الظن أن حركة التغيير هذه سوف تعقبها سلسلة أخرى من المناقلات تشمل عدداً من رؤساء الأقسام والمديريرات في عدد من المواقع المفصلية .

لعل القارئ يذكر أنني قد توجهت إلى السيد وزير الإعلام قبل قرابة شهرين.

 ومن هذا المنبر ، برسالة تمنيت عليه فيها أن ينفض ركام الغبار عن إعلامنا البائس .

وما تم حتى الآن قد يكون خطوة في الاتجاه الصحيح . فاعلامنا المنحط كان بحاجة ماسة إلى إقالته من عثراته . ولا يمكن الشروع في أي إصلاح ما لم تتغير الأدوات التي أضنى الدهر بعضها .

  وإذا كان تغيير الوجوه رحمة فإن المقصود بالتغيير هو تغيير العقليات ، وتغيير لغة الخطاب . أي أن المطلوب هو إحداث "ثورة " داخل الإعلام . من هنا فإن التغييرات الأخيرة التي جرت ، على ضرورتها بعد ربع قرن أو يزيد من الجمود جاءت دون مسالتوقعات .

فما تم حتى الآن غلب عليه الطابع الإداري أي إجراء مناقلات إدارية داخل المؤسسة الواحدة.

ما نتطلع إليه ليس التغييرات التجميلية بالطبع أو عمليات "شد البشرة " بدون تغيير حقيقي جوهري .

  ما نرنو إليه إعلام بعقليات جديدة منفتحة تواكب إرادة التغيير والتطوير في البلاد .... تكشف بقوة عن مواقع الخلل والفساد ، تسائل المسؤولين وتحاسبهم حيث لا أحد فوق القانون .

تطالب بتحديث القوانين وتنتقد البالية منها والجائرة والتي لا تزال سارية المفعول : قانون الطوارئ ،قانون الايجارات ،قانون العقوبات الاقتصادية .. وغيرها .

  من حق إعلامنا على المسؤولين أن ينتزع منه ذلك " الشرطي " التابع في عقله . من حقه عليهم أن يفسحوا له المجال لأوسع هامش من الحرية ... أوسع هامش من النقد والتقويم الموضوعي ، فالإعلام بدون حرية لا يستطيع ان يؤدي رسالته . الإعلام الضعيف هو أسوأ مدافع عن أي نظام . وفي الوقت نفسه فإن النظام القوي لا يخشى نقد الإعلام ،بل يكون هذا النقد سندا له .

  على وسائل إعلامنا ، وصحافتنا خصوصا أن كان يراد لها أن تحارب الفساد ، أن تفتح ابوابها لأصحاب الأقلام الحرة بدل أن يلجأ هؤلاء إلى المنابر المجاورة هنا وهناك وهنالك . أن تفتح أبوابها أمام الكلمة الجريئة والمسؤولة ... أمام كل المخلصين في هذا الوطن .محاربة الفساد تحتاج إلى صحافة حرة وجرئية .فهي وحدها المعنية بكشف الفساد والمفسدين .هي سلطة رابعة حقيقية .الصحافة الحرة ( نسبيا) في مصر هي التي اسقتطت زكي بدر ( وزير الداخلية في أواخر الثمانينات ) ومن هو زكي بدر في تلك الأيام والصحافة الحرة في أمريكا هي التي كشفت فضيحة " ووترغيت " واسقتطت نيكسون ، وعرت كلينتون .وهي التي أسقطت جيسكار ديستان بسبب هدية ،ودفعت وايزمان إلى الاستقالة بسبب هدية اعتبرت رشوة! ولو كان لدينا صحافة حرة لما احتجنا كل هذه السنوات حتى نكتشف بعض حقائق الفساد المخزية وعلى أعلى مستوى ، ولما كان الفساد استشرى إلىهذا الحد .

  الصحافة الحرة تعني أن نفسح في المجال لظهور صحافة مستقلة غير رسمية . فكما سمحنا للقطاع الخاص أن ينافس القطاع العام أو يكمل دوره ويتجاوز بعض نقائصه ، نحتاج إلى صحافة حرة مستقلة تنافس الصحف الرسمية ، وتاليا تدفعها ، إلى تحسين أدائها والخروج من شرنقتها المهترئة .

  أتمنى على إعلامنا في ظل إدارته الجديدة أن يتخلص من رتابته الثقيلة ، وأن يتحرر من بلادة " المرحلة السوفياتية " ،وأن ينتقل إلى مرحلة جديدة بإطلالة جديدة . كان إعلامنا في السابق ـ ولا يزال ـ يفتقر إلى الشفافية .فهو إعلام يتحدث بلغة البيانات الرسمية والقوالب الجاهزة . يتحدث بلغة الشعارات والخطب الطنانة الرنانة . وهذا ما خلق بينه وبين المتلقي ( المواطن ) بونا شاسعاً من الود المفقود . فقد المواطن الثقة بإعلامه لأن هذا الأخير لم يكن يحترم عقله . كان إعلامنا يعامل المواطن كما يعامل معلم متخلف تلاميذه في مدرسة ابتدائية رسمية . ولم يدر هذا المعلم البليد الذي يكرر الدروس ذاتها منذ أكثر من ربع قرن أن تلاميذه اليوم قد تجاوزوا مرحلة " الكتاب " وأنهم أذكى منه !

  ليست مهمة الإعلام الأولى أن يشيد ويطنب ... لقد انتهى عصر شعراء المديح الذين يجلسون على باب السلطان . لم يخلق الإعلام كي يبالغ بالإشادة بالانجازات والعطاءات . فهذه من واجب الدولة تجاه المواطن . فإذا كان من حق الدولة على المواطن أن يقوم بواجباته بأمانة واخلاص فمن حق المواطن أن يحصل في المقابل على انجازات وعطاءات من حكومته دون منّة .

  أتمنى على إعلامنا في المرحلة التي نعيشها مرحلة التغيير والإصلاح ، أن يتحرر من الوصاية ... وصائية الجهات النافذة المتعددة . لابد من مرجعية واحدة وحيدة ترسم التوجهات العامة للسياسات الإعلامية في البلد ثم تترك لمدراء الأجهزة والإدارات الإعلامية حرية التصرف والمبادرة .

  أتمنى على إعلامنا أخيراً أن يتخلص من وصاية الرقابة ... وأن يفتح أبوابه لجميع المطبوعات ولجميع الآراء والتيارات . لقد أصبحت الرقابة في عصر الفضائيات والانترنت نكتة سمجة ... وهذا ما لا يريد أن يفهمه السيد الرقيب !