رسـالــة ثانيــة الـى وزيـــر الاعــلام الســـوري:

... عن هــذا الاعـــلام المتخـــلف

هشام الدجاني

النهار 26/8/2003

كنت بكل تواضع نشرت على صفحات هذه الجريدة رسالة اليكم مستبشرا بقدومكم وزيراً للاعلام، وانت الديبلوماسي الناجح والجريء. وذلك قبل قرابة ثلاث سنوات. تمنيت عليك آنذاك ان ترفع الرقابة عن الصحف وتتركها لضمير الصحافيين والكتّاب، او على الاقل ان تخفف من قيودها. سألتك ان تفتح الاعلام السوري على العالم... فالاعلام العالمي يقتحمنا ولن تنفع معه كل السدود والقيود.

واذكر انني قلت للسيد الوزير، وهو ذو العقل المتفتح، وقد عاش ردحاً من الزمن في بريطانيا سفيرا لبلاده، وكان من انجح سفرائنا كما وصفه كثيرون، لم يعد لرقابة الستينات او السبعينات اي معنى في عصر الفضائيات والانترنت. كل ما هو ممنوع نشاهده ونسمعه هنا او هناك. ولم تعد الفضائيات والانترنت ترفا، بل باتت في بيت كل مواطن، وخاصة الاولى.

انهارت كل القيود والسدود حول الاعلام منذ انهار جدار برلين وسقط النظام السوفياتي، ولكن بعض "الخشب المسنّدة" التي لا تزال تعشش في مؤسسات وزارتك لا تزال تعتقد انها تستطيع ان توقف عجلات الزمن. مرت ثلاث سنوات ذهبية او اكثر كان بوسعك ان تفعل فيها الكثير يا سيادة الوزير. لكن ويا للاسف لم تفعل شيئا رغم ان التوجه العام منذ مجيء الرئيس بشار الاسد الى الحكم - وانت جئت معه - كان نحو مزيد من الانفتاح.

لا احسبك يا سيادة الوزير الا اطلعت على العدد الاخير من صحيفة "الدومري" - الاسبوعية الساخرة - الذي صدر في 28/7 بعد انقطاع دام اشهرا عدة بسبب ضغوط رسمية. هذا العدد كما تعلم وزع باليد، وكان اشبه بـ"فشة خلق" من جانب عدد كبير من الكتّاب والصحافيين السوريين المرموقين، بعد سنوات من الحصر والقيد. اذكر انهم على سبيل المثال لا الحصر: ممدوح عدوان، وحكم البابا والزميل القديم ابرهيم ياخور، وحسين العودات وميشال كيلو وآخرين.

لم يكن العدد "فشة خلق" فحسب، بل كان اشبه ببركان مضغوط وانفجر. احدهم وصف قانون المطبوعات السوري الجديد بأنه اسوأ من قانون صدر في عهد السلطان عبد الحميد. وآخرون وصفوا اعلامنا بأنه لا يزال ينتمي الى العصر الحجري، واوراق البردى، واضيف لعل الاخيرة كانت اكثر تطورا لأن اجهزة الرقابة لم تكن قد ظهرت بعد! وكانت قد سبقت ذلك مقالات عدة انتقادية للاعلام السوري لم تجد ملاذا للنشر الا في بعض الصحف اللبنانية وخاصة "النهار".

كذلك فتحت "السفير" اللبنانية ابوابها اخيرا لبعض الكتّاب والاعلاميين السوريين كي يدلوا بدلوهم في وصف اوضاع الاعلام السوري المترهل، والحاجة الى "انعتاق" هذا الاعلام بعد ان اعدمت عقود من الاداء البيروقراطي السقيم، المتحصن بشعارات فارغة، الكفايات ودفعتها الى الهجرة والابتعاد.

كما لا احسبك يا سيادة الوزير الا اطلعت على عدد مجلة "المحاور" الخاص (حزيران/ تموز) تحت عنوان: الملف - الوثيقة: سوريا اعلام العصر الحجري في القرن الحادي والعشرين. في هذا العدد تحدث كثيرون من الاعلاميين السوريين والقانونيين المشهود لهم جميعا بالكفاية.

ماذا كان رد بعض "جهابذة" الاعلام في مؤسسات وزارتك؟! اسوق هنا بعض النماذج لاطلاع القارئ. فأعداد "المحاور" القليلة التي سمح بدخولها فقدت خلال ساعات قليلة. يقول احدهم بكل ثقة: الاعلام السوري ساهم في "تحصين" الرأي العام السوري والعربي... ويتابع باللغة الخشبية المعروفة: ينبغي الا نجلد انفسنا اكثر مما يجلدنا الآخرون... فجلد النفس ترف مادي لا يستقيم مع الاخطار التي تتعرض لها المنطقة، والتهديدات التي تتعرض لها سوريا جراء مواقفها الوطنية والقومية! من يقرأ هذا الكلام يستنتج ان التهديدات التي تتعرض لها سوريا جراء مواقفها الوطنية تستلزم اعلاما خشبيا منغلقا. اعلام شعارات وجمل جاهزة كررت آلاف المرات!! اعلامي آخر حمل الاعلام السوفياتي في مرحلة "البيريسترويكا" مسؤولية انهيار الاتحاد السوفياتي. واستخلص نتيجة فذة وعبقرية مفادها: "لا اظن ان احدا منا يرغب بأن تتكرر التجربة في مكان آخر"! اود ان اتساءل يا سيادة الوزير: لماذا نجحت "تشرين" نجاحا كاسحا في بداياتها (اواسط السبعينات) وكنا قلة من المحررين المؤمنين بشرف الكلمة وحريتها تحت راية رائد الصحافة - وهو بعثي عريق - المرحوم "ابو الفضل"؟! لماذا كانت تطبع "تشرين" 60 الف نسخة يوميا وتنفد عند الظهيرة؟! لماذا استقطبت "تشرين" اقلاما مشهودا لها بالكفاية والخبرة على صعيد الخبرة والسياسة، والتعليق والمنوعات؟! ولماذا وُئدت تلك التجربة الطليعية على يد وزارة الاعلام؟! وئدت تجربة "تشرين" وتكالبت عليها قوى التحنيط والرتابة والاجترار. قوى حاولت ان توقف عجلات الزمن حتى صارت بعض جرائد الحائط في المدارس الابتدائية اكثر جاذبية من جرائدنا اليومية.

اود ان اتساءل ايضا يا سيادة الوزير: لماذا يظهر الاعلاميون السوريون في الخارج، او عندما يكتبون لصحف عربية وكأنهم غير سوريين؟! لا بد ان العلة في الداخل، في اجوائنا الاعلامية الجامدة، كجمود اهل الكهف، وليس فيهم هم.

اذا كان التلفزيون السوري قد حقق بعض التقدم في السنوات الاخيرة بفضل الاعمال الدرامية التي قدمها، وخاصة بعض المسلسلات الانتقادية الجريئة التي قدمت في شهر رمضان الماضي، الا ان وسائل الاعلام بصورة عامة ظلت تراوح في المكان، وخاصة الصحافة، تكرر نفسها على نحو رتيب وممل حتى تخلفت كثيرا عن الصحافة العربية، فضلا عن الصحافة العالمية. شعارات الاصلاح التي تتبناها البلاد تحتاج الى اعلام قوي ومنفتح، اعلام له صدقية. اصلاح اوضاع الاعلام السوري يحتاج الى قرار سياسي على اعلى مستوى قبل كل شيء. وكنا نتوقع منك ان تقوم بالدور الرائد في تحريك هذا القرار. هناك عطب شديد لم نستطع ان نفعل حياله شيئا حتى للتخفيف من حدته. بل لعلي اضيف آسفا ان بعض الخطوات والقرارات السلبية اتخذت في عهدكم اذكر منها:

- زاد الضغط على مراسلي الصحف العربية والاجنبية، ومعظمهم مواطنون سوريون، كما زاد فرض القيود والتهديدات بل الاعتقالات.

- استحضرتم خبيرا اميركيا لتطوير العمل في التلفزة السورية. اعد الخبير تقريره ولم يأخذ به احد لماذا؟

- صدر قانون المطبوعات "الحديدي" في عهدكم. هل كان من الممكن ان يصدر بدون علمكم؟! لماذا غُيب دورك يا سيادة الوزير، المفروض انك الناطق الرسمي باسم الدولة. لماذا لم نعد نسمع صوتك الا في فترات متباعدة؟ لماذا اخذت وزارة الخارجية ومسؤولة الاعلام فيها جانبا كبيرا من دور وزارة الاعلام؟ الاعلاميون السوريون الذين تحدثوا عن واقع اعلامنا بمزيد من المرارة قدموا في الوقت نفسه - وليس كما قال بعض المحنطين - اقتراحات بناءة وعملية يمكن ان تساهم في انتشال الاعلام السوري من هوة التخلف السحيقة.

اعرف ان العوائق امامك كثيرة، وهناك عصي توضع بين العجلات. المهمة - للأمانة - اكبر منك وحدك. انها تحتاج الى جهود القيادة السياسية بالكامل، الى جهود الاعلاميين الشرفاء. ومهمتك ان ترفع صوتك عاليا يا سيادة الوزير وتقول: هذا الاعلام لا يخدم وجه سوريا التي تتطلع الى غد مشرق، تتطلع الى التطوير والتحديث. هذا اعلام متخلف وانا لا استطيع ان اتحمل المسؤولية وحدي. فاذا نجحت كان النجاح لك، وللقيادة، ولاعلامنا. واذا اخفقت فالاخفاق محسوب عليك. فماذا تراك فاعلا؟

سيادة الوزير، في تصوري انك جئت لتصلح، وليس مجرد وزير آخر للاعلام!