حول علاقة الصحفي السوري برجل الأمن

فريد حداد


أخبار الشرق  12 /2/ 2003

نشرت صحيفة "النهار" اللبنانية في "قضايا النهار" بتاريخ 28 كانون الثاني 2003، استطلاع آراء أجراه الصحفي السوري شعبان عبود تحت عنوان "صحفيون سوريون عن العلاقة برجل الأمن: .. إنه مصدر المعلومة .. ولكن".

بادئ ذي بدء، ما يلفت النظر أن القائم بهذا الاستطلاع صحفي سوري، ويستعرض فيها آراء صحفيين سوريين، يعملون داخل سورية، ولكلٍ منهم صحيفته التي يراسلها، والمستطلعة آراؤهم يتحدثون عن همّ سوري، والاستطلاع منشور في صحيفة لبنانية (أعتقد انها لا تدخل سورية).

يستعرض السيد عبود في استطلاعه هذا آراء مجموعة من الصحفيين السوريين، الذين يعملون لصالح صحافة عربية أو سورية حول علاقة الصحفي السوري مع رجل الأمن السوري. وفي تقديمه لآراء زملائه يؤكد على التالي:

1 - استحالة حصول الصحفي العامل في سورية على المعلومة الصحفية، دون العلاقة مع رجل الأمن. أي أن رجل الأمن حسب رأيه هو مصدر المعلومة شبه الوحيد في سورية.

2 - ويوضح نقطة أخرى بقوله "هنا لا بد من توضيح نقطة في غاية الاهمية، وهي ان من يعمل في الصحافة السورية غير الرسمية، ليس مضطراً لأخذ مسافة "المعارضين" من مراكز القرار الأمنية والرسمية، كما انه ليس مضطرا لتبني موقف المعارضة السورية، لأننا وبكل بساطة مجرد صحفيين ولسنا من احزاب المعارضة، وفي الوقت نفسه خارج معادلة السلطة والمواقف الرسمية"؛ أي أن الصحفي ليس معارضاً للسلطة، كما انه ليس من أهل البيت (كما يقولون)، حسب رأي السيد عبود.

3 - يريد السيد عبود أن يشبه علاقته أو علاقة الصحفي السوري بشكل عام برجال الأمن، بعلاقة صحفيين كبار في العالم مع مراكز صنع القرار في بلدانهم. كأن نقول علاقة السيد محمد حسنين هيكل مع الزعيم الراحل جمال عبد الناصر مثلاً.

* * *

برأيي أن رجل الصحافة في أي بقعة من العالم، هو إنسان امتهن العمل في المجال العام، وبالتالي فان الصحفي هو توأم السياسي، بمعنى، أن الناس، والمجتمع، والسياسة، والاقتصاد، وكل ما يهم العموم، هي ساحات عمله، واذا كانت الصحافة في البلدان الديمقراطية تشكل السلطة الرابعة، بين السلطات الحاكمة، بما يعني هذا من مهام ملقاة على عاتق الصحفي من مراقبة لمن يعمل في المجال العام إلى الانتقاد وكشف الحقائق وغيرها، فإن مهام الصحفي في بلدان العالم الثالث ومنها سورية - تلك البلدان التي تتصف بغياب القانون عن الحياة العامة، وسيادة الاستبداد، وتخلف البنى الاجتماعية، والسياسية، والاقتصادية وغيرها، وانتشار الفساد المتعدد الأشكال - تصبح أعقد وأعمق وأهم، وبالتالي يصبح هناك استحالة للصحفي ان يعمل في حقله ان لم يكن لديه بوصلته الخاصة ومعاييره المهنية والذاتية التي يقيس الأمور بالاعتماد عليها دائماً، وبهذا المعنى فإن توضيح السيد عبود لنقطة ان الصحفي ليس معارضاً كما انه "خارج معادلة السلطة والمواقف الرسمية"، هو توضيح لإمكانية ان يكون هناك صحفي ليس صحفياً. فلا صحفي بدون موقف من الواقع، ولا صحفي بدون فهم للماضي، ولا صحفي بدون نظرة إلى المستقبل. هؤلاء مجتمعين يشكلون الموقع الذي يقف عليه الصحفي، ولا يحق لأحد أن يفرض على الصحفي أو غيره ماهية هذا الموقع، ولكن لا بد للصحفي من أن يكون له هذا الموقع، الذي يحدده بنفسه. لأن موقعه هو الذي يحدد حركة - قلمه في صياغة خبره، والزاوية التي تتخذها كاميرته في تصوير الحدث.

إن الأزمة التي يتناولها الصحفيون في التعليق، هي في الحقيقة أزمة المجتمع العربي بشكل عام ومجتمعنا السوري بشكل خاص، وليست أزمة الصحفيون وحدهم. انها أزمة الوزير، واستاذ الجامعة، والموظف الحكومي، وسائق التاكسي، وبائع السجائر في اكشاك الرصيف، والتاجر، والصناعي، والداخل إلى البلاد والخارج منها. كلهم معرض للابتزاز والتهديد والأذى. فمن لا يتعاون معهم يقطع رزقه، إن لم تُقطع عنقه. والتعاون أيضاً له درجاته، إذ يبدأ من ايصال الخبر حول الجار والصديق والأخ إلى التعاون الأكبر حيث يفرض الفاسدون أنفسهم على كل قطاعات الاقتصاد كشركاء ربح فقط وبنسبة عالية، وإلا فالتراخيص لا تعطى والقطع الأجنبي لا يُهّرب، ودوريات التموين والجمارك وغيرها تقف بالمرصاد.

إن تبرير العلاقة بين الصحفي ورجل الأمن بغياب مصادر المعلومات أو خوفها وترددها ليس صحيحاً. فالبشر وحياتهم، معاناتهم وآلامهم، أحلامهم ورغباتهم، وسعيهم في سبيلها، تشكل مصدراً غزيراً لا ينضب للمعلومة والخبر الصحفي. وهذا ما يهم المواطنين أكثر بكثير من أخبار استقبل وودع وتلقى، أو ما يُنشر تحت لافتة صرحت "مصادر مطلعة"، ثم يلي ذلك خبر مصطنع يُراد له أن يكون فتنة تفرق بين جهتين من ابناء الوطن الواحد. هذه التقارير التي كانت ترد بكثرة على لسان السيد إبراهيم حميدي (الذي نتمنى له الفرج القريب). اللهم لا شماتة في الموت والمرض والغياب القسري.

لقد أصاب السيد عبود جزءاً من الحقيقة عندما عزا الاتهامات الموجهة للصحفي السوري المتعامل مع الأجهزة الأمنية، إلى المواقف المسبقة من الأجهزة الأمنية السورية. وذلك ليس افتراءً من الناس على الأجهزة أو الصحفي المتعامل، بل مواقف لها ما يبررها من تجارب الناس مع هذه الأجهزة.

لا يمكن أن يكون هناك خطأ في بناء علاقة اجتماعية أو علاقة عمل أو أي نوع من العلاقات بين البشر، فالنجاح العملي غالباً ما يكون مرهوناً باتساع العلاقات مع الآخرين وعمقها. ولكن الخطأ يأتي من نوعية الآخرين في هذه العلاقة. فلا يمكن ان تكون علاقة شاعر مع تاجر مخدرات علاقة صحيحة، كما لا يمكن أن تكون صداقة قاضٍ مع سفّاح علاقة صحيحة.

فأجهزة الأمن السورية (والعربية) لم ُتبن لتكون مؤسسة لجمع المعلومات اللازمة لاتخاذ السياسيين قراراتهم، أو لاستكشاف مخططات الأعداء قبل وقوعها بهدف حماية الوطن منها، بل إنها أجهزة مبنية لتكون أجهزة تجسس داخلي على المواطن. أجهزة لم تُبن لتكون حافظة لأمن المواطن، بل لتكون حافظة لأمن سلطة مغتصِبة للسلطة والوطن والناس، ويتم ذلك عن طريق القهر والتخويف والإذلال، لإبعاد المواطن عن (الشر وغنِّ له)، كما قال الصحفي نبيل صالح. أجهزة ما زالت تعمل تحت جنح الظلام، وخلف النظارات السوداء السميكة، هذه الأجهزة بطريقة بنائها والمهام الموكولة لها، تعمل على مدار الساعة في تدوين محضر تحقيق مفتوح للمجتمع. والصحفي هو واحد من هؤلاء الخاضعين للتحقيق المفتوح، تحت اسم علاقة مع مصدر مطلع، بهدف الحصول على المعلومة، في أحسن الأحوال، وفي أسوأها، يتحول الصحفي ليكون أحد الجواسيس على شعبه.

هذه الأجهزة لا تعمل إلا بطريقة (سكر عدم الرجوع، في عالم التمديدات الصحية) الذي لا يسمح للسائل بالحركة إلا باتجاه واحد، كذلك هي لا تسمح للمعلومات بالعبور إلا باتجاه واحد، وهو من الصحفي إلى سجلاتهم وليس العكس، وهذا ما كانت السيدة الصحفية بارعة ياغي صادقة فيه عندما قالت "والأهم من ذلك ان تلك الاجهزة لها اسلوب في التعامل أعتقد انه مختلف تماما عن اسلوب العمل الصحفي ولا اقتنع بأنها تؤمن بمبدأ ازدواجية العلاقة لذا تكون المعادلة في الغالب وحيدة الاتجاه وغير قابلة للعكس. وفي اعتقادي ان العلاقة تكون في البداية متبادلة النفع ولكنها تعود وتنحرف لمصلحة الجهة الاقوى في المعادلة".

إن الدور السيئ الذي تدفع الأجهزة الصحفي لكي يلعبه، هو أن يكون بوقها المخفي، ومساهمته في نشر أكاذيبها وإشاعاتها، عندما تتصرف تلك الأجهزة كطرف في صراع ما زالت تعتبر نفسها طرفاً فيه، مقابل الطرف الآخر الذي هو الناس والقوى السياسية والأجتماعية، بهدف خلق الفتن وتأليب كل طرف على الطرف الآخر.

إن العلاقة بين الصحفي وصاحب القرار، هي علاقة هامة وضرورية للطرفين، فلكل رئيس دولة في العالم مكتب صحفي يتعامل من خلاله مع الصحافة، وكل صحفي في العالم يجهد نفسه ليقرأ ما يدور في عقل أصحاب القرار. ولكن هذا شيء، والعلاقة بين الصحفي السوري ورجل الأمن السوري شيء آخر مختلف تماماً. فالعلاقة دائماً صحيحة عندما يكون طرفاها أصحاء، ومتعادلين، ولهم نفس الحقوق وعليهم نفس الواجبات. وهي صحيحة عندما تكون الأجهزة الأمنية صاحبة قرار (ولا يحق لها ان تكون) مبني على خدمة مصالح الناس وتحقيق لطموحاتها.

إن تصحيح الخطأ القائم في العلاقة بين الصحفي السوري ورجل الأمن، لا يمكن أن يأتي منعزلاً عن إصلاح العلاقة بين المجتمع السوري ورجل الأمن، أو بتعبير أدق، لا يمكن لهذه العلاقة ان تُصلح قبل ان يعود رجل الأمن إلى ممارسة عمله الطبيعي في حفظ الأمن من أعداء الوطن أولاً، والمجرمين المارقين الفاسدين ثانياً. وهذا لا يتحقق الا ببناء نظام وطني ديمقراطي، تعلو فيه كلمة الحق والحقيقة فوق كلمة التزلف والخداع والتستير على الفساد تحت ذريعة تربص الأعداء على الحدود.