جرائـد أحـزاب الجبهة الوطنيـة التقدمية في سورية

صـحـــافة "كــول واشــكور" !!

بدعاوى الحفاظ على الهوية الوطنية نصبح خارج التاريخ

حكم البابا

 

 

       بحثت طويلا عما أشبّه به المنشورات التي تصدرها أحزاب الجبهة الوطنية التقدمية في سورية تحت مسميات صحف ناطقة باسمها ، فلم أجد تعبيرا أو كلمة أكثر مناسبة ودلالة لهذا النوع البائس من الصحافة الحزبية ، من اسم نوع من الحلويات الدمشقية هو ( كول واشكور ) لأن تلك الصحافة تشبه في قيمتها وتواضعها هذا النوع من الحلويات الذي لايعتبر من الأصناف الأولى ، بل وربما يعد من الأصناف الدنيا ، ولهذا السبب أوجد له الحس الشعبي الدمشقي هذا الاسم اللطيف وغير المحرج للذين ليست لديهم القدرة المادية على شراء غيره . وعلى هذا الأساس أجد أن صحافة أحزاب الجبهة التقدمية في سورية تشبه هذا النوع المتواضع من الحلويات ، بالمقارنة مع صحف الدولة وحزبها الحاكم التي تستحق أن توصف بالنخب الأول،  لامن حيث قيمتها الصحفية ، بل من حيث امكانياتها المادية ومطابعها وحجم كادرها الاداري والتحريري وأجورها وعدد صفحاتها ومواعيد صدورها اليومية ، على عكس صحف أحزاب الجبهة التي تصدر نصف شهرية أو أسبوعية في أحسن الأحوال وتتميز بالتقشف في الصفحات والكادر والامكانيات ، إلى جانب التقشف في مهنيتها وفي هامش حرية تعبيرها ، وهذا الأمر الأخير يسم الاعلام السوري عامه وخاصه .

 

مشكلة عنوانها : أحزاب بلا جماهير ولا رؤى !

     

       ..من الضروري قبل الدخول في مناقشة المنشورات التي تصدرها أحزاب الجبهة الوطنية التقدمية في سوريا تحت مسمى صحافة الأحزاب ، شرح البيئة المنتجة لهذا النوع من الاعلام المتخلف ،  وهو في رأيي دخول إلى جوهر المشكلة وحقيقتها ، فهذه الأحزاب المتعددة التي تضمها الجبهة _ والتي يستعصي عليّ فعلا حفظ أسمائها _ تندرج أيديولوجياتها تحت ثلاثة خطوط عريضة هي الشيوعية والناصرية والاشتراكية الوحدوية ، والخلافات بين أي حزبين منها ينتميان إلى نفس التيار من التيارات الثلاثة السالفة الذكر هو خلاف على الزعامة من أمانة عامة ومكتب سياسي ، لا على الايديولوجيا أو التوجه ، ولاعلى الاستراتيجيا أو التكتيك ، لكن السمات التي توحد هذه الأحزاب عديدة فتلك الأحزاب صغيرة الحجم من حيث عدد منتسبيها ، إلى الحد الذي جعل الشارع السوري يطلق عليها تندرا اسم أحزاب الميكروباص ، وهذا الأمر يعود إلى ان هذه الأحزاب قليلة الفاعلية والتأثير في محيطها السوري بسبب من أن برامجها سكونية مطمئنة إلى المامها بالمبادئ والحق وامساكها بزمامهما ، ومتخلفة عن حركة الحياة وحركة الفكر، كما أن منعها من العمل في أوساط الطلبة والجيش أفقدها التربة التي قد تتفاعل فيها وتنمو وتنتشر ، وجعل الانتساب إليها محض مصادفة في بعض الأحيان ، وقصديا في أغلب الأحيان ولغاية أخرى غير الايمان بمبادئها كالترشح على قوائمها لعضوية مجلس الشعب أولحقيبة وزارية أو لمقعد في قيادة احدى النقابات ، أو الحصول على منحة دراسية كما كان الأمر بالنسبة للحزب الشيوعي السوري أيام كان الاتحاد السوفييتي السابق على قيد الحياة ، ولذلك نجد أن قيادات هذه الأحزاب من كبار السن ومن النوع الذي يسمى بالقيادة التاريخية لا لانجازاتها في فكر الحزب أو نضاله بل لاستمراره في الاحتفاظ بالقيادة إلى أن يأخذ الله أمانته ، وأي تطوير قد تفكر به مجموعة ما داخل حزب من هذه الأحزاب لاتتم مناقشته داخل مؤتمر ، أو يجد صدى له في تغيير في القيادة ، بل يجد متنفسه في انشقاق ليظهر حزب جديد مايفرقه عن الآخر هو أسماء قياديه فقط ، وهو مايفسر الصعوبة التي يجدها المواطن في حفظ أسماء أحزاب الجبهة التي تستخدم كلمتي الوحدة والاشتراكية ومشتقات هاتين الكلمتين وتقديم واحدة أو تأخير أخرى ، لكن السبب الأخطر الذي يجمعها كونها صدى باهت للحزب القائد لها وللدولة والمجتمع ، وكل سياساتها هي الموافقة على مايقره الحزب القائد من سياسات وتوجهات ،  وأي مساحة اعلامية لها في اعلام سورية الرسمي تحصل عليها من خلال ترؤس الحزب القائد لقياداتها في اجتماع أو حفل خطابي .

   أمام هذه الحالة الخشبية المجففة الينابيع ، والغياب الكامل لحس المبادرة ، والقطيعة التامة مع منجزات الفكر وحركة الواقع والحياة ، علينا أن نتساءل ماالذي تستطيع منحة اصدار صحافة لأحزاب الجبهة أن تقدمه للمواطن السوري وللاعلام السوري وللأحزاب نفسها التي تصدر هذه الصحف ، في قراءة لما قدمته الصحف الخمس التي صدرت في العامين الماضيين وهي : ( صوت الشعب ) للحزب الشيوعي السوري - الجناح البكداشي ، ( النور ) للحزب الشيوعي السوري - الجناح الفيصلي ، ( الوحدوي ) لحزب الوحدويين الاشتراكيين ، ( آفاق ) لحركة الاشتراكيين العرب ، وأخيرا ( الميثاق ) لحزب الاتحاد الاشتراكي العربي .

 

سمات مشتركة

 

     كما لأحزاب الجبهة قواسم مشتركة فيما بينها من حيث الأداء والفاعلية والعدد ، فلصحافة هذه الأحزاب مشتركات تتقاسمها ، فهي أولا صحافة عديمة الخبرة ، قليلة المهنية ، حزبية جدا وتكاد تكون منشورا داخليا _ مع بعض الشذوذ غير المطلق عن هذه القواعد لجريدة النور التي يصدرها الجناح الفيصلي للحزب الشيوعبي السوري _  خطابها آمر فوقي وكأن إدارتها تصدر منشورا حزبيا أو تعميما داخليا ،  وقارئها من وجهة نظر خطابها مسكين من عصر ماقبل الاعلام ينتظر تلك الجرائد ليفهم الخطأ من الصواب ، ويتخذ موقفا من الأحداث حوله ، خطاب أحزابها والبرامج السياسية لهذه الأحزاب غير مفهوم ومشوش في صحفه الخاصة به ، أما لو كان في ذهن القائمين على هذه الصحف أن المطولات الشعاراتية التي ينشرونها هي خطاب أحزابهم فلا شك أنهم ضحايا مصيبة كبرى (!!!!) .. لاهي صحافة خبر ولاصحافة رأي ، انما تنوص بين الاثنتين ، وليست على دراية بالفارق بين المطبوعة الاسبوعية والنصف شهرية ، فموادها صالحة لكل زمان ومكان وعصر كما يفكر أولياء أمرها  ، ولاتعي الحدود بين النشرة الحزبية والصحيفة ، ولعدم كفاءة القائمين عليها مهنيا تفضل خيار النشرة على خيار الصحيفة ، ورؤساء تحرير هذه الصحف من كادر الحزب القيادي وليسوا اعلاميين ، وذلك فضلا عن كونه مخالفة صريحة لقانون المطبوعات السوري يجعل تلك الصحف لسان حال أحزابها بدل أن تكون صحافتها ، والفارق كبير بين الاثنين (!!) ، والمحررين إما هواة من كوادر تلك الأحزاب أو أصدقائه ، أو قراء يملؤون الصفحات بما يرسلونه عبر بريدهم بحثا عن فرصة نشر ، في حين يغيب الصحفي وعمله عن ذهن القائمين على تلك الصحف ، كما يغيب رقم التوزيع وبالتالي يغيب الاعلان ، ولذلك تبدو هذه الصحف فقيرة مهملة مركونة في زوايا المكتبات وأكشاك الصحف ، لايسأل عنها إلا مهتم يستخدمها وسيلة ايضاح مثلي، أو مرسل بريد يريد مشاهدة اسمه في مطبوعة .

    

صوت الشعب .. أي شعب ؟!؟

 

      تتوفر للحزب الشيوعي السوري في جناحه البكداشي ( نسبة إلى خالد بكداش أمينه العام سابقا ولأرملته وصال فرحة بكداش أمينته العامة حاليا وربما لابنه عمار بكداش أمينه العام لاحقا ) ميزات عديدة تمكنه من دخول موسوعة غينيس للأرقام القياسية فهو أقدم الأحزاب السورية التي قبلت بالانضواء ضمن تحالف الجبهة الوطنية التقدمية ، وهو أول حزب شيوعي بروليتاري يعتمد الماركسية اللينينية الستالينية في العالم يتم فيه توريث منصب الأمانة العامة لزوجة الأمين العام بعد وفاته ( على الرغم من النكته الدارجة في الشارع السوري بأن توريث أمانة الحزب الشيوعي العامة من الزوج الراحل لزوجته يشكل خرقا شرعيا ، فالزوجة نصيبها في الحزب هو الثمن كوننا نعيش في بلد يعتمد الشرع الاسلامي في قوانين المواريث ) ، وهو الحزب الوحيد في العالم الذي لم يستلم السلطة ورغم ذلك تماهى اسم الحزب مع اسم أمينه العام بحيث أنه غالبا مايطلق على منتسبيه اسم البكداشيين ،  وهو الحزب الشيوعي الوحيد في العالم الذي لايزال يأمل بعودة الاتحاد السوفييتي من جديد ، وهو أكثر حزب سوري تعرض للانشقاق والانقسام والتفكك ، وهو أكثر الأحزاب الشيوعية العالمية تشددا في التمسك بالأصول الماركسية دون النظر لما حدث ويحدث في العالم ، حتى ليمكننا اطلاق اسم الماركسية الوهابية على تفكيره ونهجه السياسي ، ناهيك عن ميزات أخرى كثيرة ، وعلى الرغم من أن هذا الحزب كان له حضور معقول في الشارع السوري في الخمسينات وحتى في أيام حظره  ، إلا أن هذا الحضور تضاءل بعد الاعتراف به رسميا ودخوله في تحالف الجبهة ، ومع الزمن استطاعت بعثاته من الطلاب للدراسة في الاتحاد السوفييتي أن تمده سنويا بالكوادر التي يفقدها بعد خمس سنوات عند عودة هؤلاء الطلاب كخريجين من الجامعات السوفييتية وخارجين من صفوف الحزب في نفس الوقت ، ولكن توالي ارسال البعثات حافظ الحزب على عدد أعضائه وإن كانت أسماءهم تتبدل باستمرار ، إلى أن غابت الشمس عن الامبرطورية السوفييتية ، وانحسرت عن الحزب فعاد إلى حجمه الطبيعي ، ناهيك عن الانشقاقات التي بترت جلّ أعضائه .

    لايحتاج المتابع لفتح الفال أو ضرب المندل لفهم هذه الخطوط العريضة السابقة التي تختصر الحزب وسياساته وآليات عمله وعلاقة منتسبيه به ، فجريدته الداخلية ( نضال الشعب ) التي تحولت إلى علنية دون أي تطوير أو تعديل لا في الشكل ولا في المضمون إلا من حيث تراجع النضال في عنوانها ليصبح صوتا للشعب ، مع استمرار استخدام اللون الأحمر بكل معانيه التثويرية في ترويستها التي تتوسط شعار المطرقة والمنجل على اليمين وصورة الأمين العام السابق خالد بكداش على اليسار ، وهي جريدة يظن من يشاهدها لأول مرة أنها تنتمي لعام 1919 في روسيا السوفييتية تحديدا ،  سواء من حيث الشكل الاخراجي الذي لايستفيد من تطور المهنة الصحفية في الخطوط والعناوين وأهمية المادة ، فتفضل على سبيل المثال مقالا عن المقاومة في العراق منشورا عام 1948  للأمين العام السابق للحزب موضوعا لصدر الصفحة الأولى في عدد 3/5/2003 على مايحدث من أحداث عاصفة في العالم  بحجة راهنية المقال وكأن التاريخ جامد أو يكرر نفسه أوكأننا أمام كلام أنبياء أو منجمين ، أو المانشيتات الانشائية الشعاراتية مثل ( مصالح الأغنياء مصالح خاصة .. مصلحة الشعب مصلحة عامة ) أو ( أمريكا معقل الارهاب ) أو ( واقع الدخل ومعيشة الشعب ) التي تفتقر لأبسط قواعد كتابة العنوان الجذاب ولا أقول المثير لمتصفح الجريدة  ، أما بالنسبة للمواد المنشورة فيجد القارئ نفسه أمام مجموعة من الأطروحات فيما يشبه أو يسمى التعليق أو المقال السياسي الذي يعتمد على مساطر قديمة ومهترئة لقياس الحدث العربي والعالمي والمحلي ،كليشاتها الجاهزة والمكررة في كل عدد تتمثل في العداء السافر للامبريالية والأمل بارادة الشعوب والدفاع عن لقمة الشعب ، إضافة إلى برقيات التهاني بين الأحزاب الشيوعية وبياناتها ونشاطاتها البروتوكولية بما فيها مطالباتهم باطلاق سراح المناضلين الشيوعيين المعتقلين  في السجون العربية والعالمية كما في مطالبتهم بالحرية للشيوعي التونسي همة الحمامي في عدد 16/2/2002 في حين أن رفيقهم السابق رياض الترك كان معتقلا حينها على بعد كليومترات قليلة من مقر جريدتهم ولم يتم ذكره بكلمة ، ولاتنسى ( صوت الشعب ) المواد الاحتفالية بأعياد الميلاد _ رغم أنها بدعة امبريالية كما أعتقد _ للرفاق لينين وستالين وغيرهما من قادة البروليتاريا السوفييتية ، حتى وصل بهم التقديس للسوفييت إلى حد كتابة مقال يودعون به محطة مير الفضائية الروسية في عدد 1/4/2001 ، ولهذا ذكرت فيما سبق أنك لتظن الجريدة تصدر في روسيا السوفييتية لولا بعض الشكاوى المحلية الخجولة التي لاترقى لأن تشكل حملة على الفساد المستشري في سورية ، وأنشطة حزبهم وشبيبته المسماة (شبيبة خالد بكداش!!!!!! ) من قبيل ذر الرماد في عيون من يتهمهم بأنهم صوت الشعب السوفييتي وليس السوري ، لكن وللحق والتاريخ لابد من التنويه بالميزة الأولى والأساسية لـ ( صوت الشعب ) الغراء باعتبارها الصوت المعبر عن ديكتاتورية البروليتاريا وهي عداؤها السافر للديمقراطية التي تلاقي هجوما متواصلا باعتبارها بدعة امبريالية يجب النضال ضدها ، ويندرج ضمن هذه الحملة المبدأية ضد الديمقراطية الهجوم على صيغة النظم الديمقراطية ، كما في المقال الافتتاحي لعدد 18/2/2001 ( الديمقراطية كما يراها الشيوعيون ) ، أو الانفتاح الاقتصادي بكل صوره كما في المقال الافتتاحي لعدد 15/4/2001 ( النواب الشيوعيون يقولون لا للمصارف الخاصة ) ، أو الهجوم على المجتمع المدني في عدد 1/4/2001 وعدد 4/8/2001 ، ودعاته في سورية من أمثال الكاتبين ميشيل كيلو وعبد الرزاق عيد في عددي 1-18/2/2001 ، واعادة الاعتبار من وجهة نظرهم للطاغية الدموي ستالين في عدد 18/1/2001 ، وتمجيد مجرم الحرب ميلوسوفتش  في عدد 2/3/2002 ، لكني ورغم هذه الملاحظات وغيرها التي أسجلها على ( صوت الشعب ) أعتبرها وبجدية جريدة أمينة لنفسها ، مخلصة لأفكارها ، وخطابها يتطابق تماما مع حزبها التي تنطق بلسان حاله ومسيرته ومستقبله الذي شاهدناه على الشاشات الامبريالية مع أفول العهد الشمولي السوفييتي وإلى الأبد في أواخر القرن الماضي ،  وإن كان لايزال لدي تساؤل يخص اسم الجريدة عن الشعب الذي يقبل بأن تكون هذه الجريدة صوته !؟!

 

النور بضم النون لابفتحها

 

      رغم أن قيادات وكوادر جناح يوسف فيصل من الحزب الشيوعي السوري تربوا في مدرسة خالد بكداش ، إلا أنهم في انشقاقهم عنه حالوا أن يكونوا أكثر انفتاحا ، وأكثر مسايرة للتطور ، وفهما بأن العالم تغيّر ويتغيّر في كل لحظة ، وهذا الاختلاف بالاضافة إلى ضيق ذرعهم بالزعامة التاريخية ومدرسة عبادة الفرد ، دون أن ننسى العامل الشخصي الذي ربما يعود إلى ادراكهم بأنهم سيبقون مجرد أفلاك صغيرة تدور في فلك خالد بكداش هو مادعى تلك المجموعة للقيام بحركة انشقاق أنجبت الجناح الفيصلي من الحزب الشيوعي السوري ، دون أن يصل خلافهم واختلافهم عن الحزب الأم إلى مراجعة جوهرية للسياسات الخاطئة التي مارسوها على كل الأصعدة وعبر عقود طويلة ، أو إلى اعادة النظر في الفكر الذي تبنوه بطريقة طلاب المدارس الذين يحفظون دروسهم " صماً " كما حدث مثلا في الانشقاق الذي قاده في السبعينيات الأستاذ رياض الترك ، وعلى هذا الأساس يمكننا أن نصف التغيير الذي حصل لجناح يوسف فيصل من الشيوعيين بأنه تحسين في الطلاء والمظهر الخارجي ، مع المحافظة على الجوهر ، لكن خطوتهم الانفتاحية تجعلهم هلاميين غير محددي الهوية ، فهم لم يعودوا حزبا شموليا تماما ، وإن كانوا يلتقون مع ذلك النوع من الأحزاب في كثير من القضايا كالدفاع عن مجرم الحرب ميلوسوفيتش بحجة العداء لأمريكا على سبيل المثال ، ولم يصبحوا ديمقراطيين لأنه لاتزال لديهم قوائم سوداء تمنع التعامل مع هذا الكاتب أو ذاك بما في ذلك ذكر اسمه ، وقوائم بيضاء تمنح أوسمة الشرف والتكريم والتبجيل لأرباع موهوبين لمجرد انتمائهم إلى الحزب . هذا التأرجح تعكسه أكثر ماتعكسه مطبوعتهم الأسبوعية  ( النور ) التي رغم كونها أكثر مطبوعات أحزاب الجبهة شبها بالصحيفة ، إلا أنها غائبة الهوية لاندري ماهو سبب اصدارها ؟ فإذا لم تكن مشروعا تجاريا كما هو واضح من خلوها من الاعلانات وتدني رقم توزيعها ، ولم تكن مشروعا اعلاميا أو فكريا لانعدام الهوية الواضحة المعالم ، فما هو سبب اصدارها ؟ هل هي فسحة يتيحها الحزب لكوادره من المثقفين كي ينشروا صورهم ويتحول معلمي المدارس والمخرجين إلى صحفيين وكتاب ؟ أم أنها صوت ناطق باسم الحزب الذي يصدرها ؟ وإذا كان السؤال الأخير هو المبرر الأول لصدور ( النور ) كما أعتقد فلا يمكنك كقارئ للجريدة أن تحدد من خلال تعاملك معها هوية الجهة التي تصدرها ، ومشروعها الفكري ، وخطها السياسي ، إلا في بعض التعليقات على الحدث السياسي ، وبرؤية عامة جدا لاتختلف اطلاقا عما ينشر في صحف سورية الرسمية ، ولو فكرت بحذف عبارة ( يصدرها الحزب الشيوعي السوري ) من ترويستها ،  لأمكنك أن تضمها إلى قائمة الصحف الرسمية الثلاث التي تصدرها الدولة ، فهي تتبنى نفس الرؤية والموقف السياسي ، وتنشر نفس الصور تقريبا ، وتضم التحقيقات في الشؤون المحلية نفسها ، والتي يمكن نشرها في صحيفة رسمية بدون زيادة أو نقصان ، وتستكتب نفس كتاب الصحف الرسمية وحتى أنها تنشر ذات الصور التي تنشر لهم في الصحافة الرسمية ، وفيها ذات الأبواب والزوايا والمقالات وإن تبدلت أسماءها ، وأغلب محرريها من الذين يعملون في صحف الدولة أو يستكتبون بها ، وعلى ما أعلم أن بعض المسكتبين عندما ييأسون من نشر مقالاتهم في صحيفة رسمية يأخذون نسخة منها إلى (النور) فتنشرها ، ويقوم على اخراج ( النور ) الفني نفس مخرجي الصحف الرسمية مما يجعلهم يتأثرون بأسلوبهم ويكررونه ، ولو حاولنا اجراء تجربة بسحب عدة صفحات من ( النور ) وحشرها ضمن صفحات ( تشرين ) الرسمية مع حذف ترويستي الجريدتين لما اكتشف قارئ درجة ذكائه جيدة أي جسم غريب دخل على ( تشرين ) ، ومن هنا تظهر المشكلة الأساسية التي تعاني منها (النور)، وتتمثل في أنها بدل أن تقدم نفسها كصحيفة بديلة ، تصبح كمالة عدد حسب القول الدارج ، وبدلا من مطالبتنا الدائمة باختصار الصحف السورية الرسمية الثلاث إلى صحيفة واحدة كونها متشابهة ومتماثلة وواحدة في جوهرها وأدائها ، سنضطر للمطالبة باختصار صحف أربعة إلى واحدة !

 

صحافة جرائد الحائط : آفاق ، الميثاق ، الوحدوي

 

   لا أشك مطلقا في ذكاء القارئ الذي لن يخفى عليه أنني أتحدث في هذا القسم من المقال عن ثلاث صحف لا عن صحيفة واحدة ، ولكني درءا لأي التباس يمكن أن يخلقه عدم سماعه بأي من هذه الصحف الثلاث أردت التنويه والتبرير لتناولها دفعة واحدة ، بسبب تماثل مستواها وتواضعها مهنيا وسياسيا ومعلوماتيا وخبريا وآراء  ، فـ (آفاق) جريدة حركة الاشتراكيين العرب و (الوحدوي) جريدة حزب الوحدويين الاشتراكيين و (الميثاق) جريدة حزب الاتحاد الاشتراكي العربي تتشابه في كونها  مكتوبة ومبنية ومبوبة على طريقة جريدة الحائط المعروفة في المدارس و أفواج الكشافة والتي تعتمد القص واللصق في أغلب موادها ، وأي اختلاف بينها لايعدو عن كونه خلافا في أمزجة طلاب مدرسة عن أخرى ، بل بالعكس فلربما تجد في جرائد الحائط خاطرة لشاب أو فتاة يمكنك قراءتها والتعاطف مع مشاعر كاتبها ، أو تقرأ معلومة عامة منتقاة بعناية ، أما في هذه الصحف الثلاث التي يحتكر تحريرها محرر أو محرران في أفضل الأحوال ، يكتبان الجريدة كلها أو ينتقيان من كل روض زهرة دون تبويب أو هوية ، والمهم بالنسبة لها تسويد صفحات الجريدة وملئها ، ولذلك من الصعب أن تجد في هذه الصحف مايشدك إلا إذا كنت من هواة قراءة أخبار الأمناء العامين للأحزاب التي تصدر هذه الصحف أو تصريحاتهم أو تحليلاتهم السياسية أو مراجعات كتبهم ، وحتى لو عثرت على قصيدة شعرية فقراءتها ستكون أصعب بما لايقاس من قراءة أخبار أؤلئك الأمناء العامين ،  ولاتستطيع كقارئ أن تجد في أي من هذه الصحف الثلاث ولو موضوعا واحدا يغريك بقراءته ، ولو حاولت أن تجبر نفسك على القراءة ، لن تحظى بمعلومة جديدة ، أو رأي غير ماتعرفه مسبقا من الكليشيهات الشعاراتية الجوفاء وبأسلوب ممل خشبي كما لو أن القارئ الذي تتوجه إليه هذه الصحف ينتمي إلى فصيلة متخلفي العقول الذي ذكرهم الأستاذ غسان تويني في السطر الأخير من افتتاحيته المنشورة في جريدة النهار البيروتية 27/5/2003 ، لهذه الأسباب من العبث التعامل مع هذه الصحف الثلاث على أساس أنها نوع من الصحافة ، وأي محاولة لادراجها في خانة الاعلام ستجبرك حينها جدا لا هزلا على التعامل مع صحف سورية الرسمية الثلاث ( تشرين – البعث – الثورة )  على أساس أنها ( النيويورك تايمز والواشنطن بوست والفيغارو ) ، ولعل أول تعليق يخطر في ذهن من يتصفح تلك الصحف الثلاث هو استهجانه للأوراق والأحبار التي أهدرت في تحريرها وطباعتها !!

 

أخيرا ..

 

    لايمكننا فصل مشكلة الصحافة الحزبية أو الخاصة في سورية عن مشاكل الصحافة الرسمية ، فجميعها تحرر وتصدر في زمن مختلف عن عام 2003 الذي يعيش فيه العالم ، ومجرد رؤية الصحف السورية معروضة في أكشاك بيع الصحف تجعلنا ندرك أننا خارج عصرنا ، لأننا مانزال نحيا عصر ظهور الصحافة المكتوبة ، ونتناقش في أبسط بدهياتها من المهنية إلى الحرية ، وبينما يحتلنا العالم باعلامه قبل جيوشه مانزال محليا نناقش ماإذا كنا نريد الاعلام ملتزما أم لا ، وماإذا كنا نريد الحرية مسؤولة أم لا ، وفي اللحظة التي تنقل لنا فيها محطات التلفزيون الفضائية على الهواء مباشرة لحظة احتلال بغداد ، وتنقل لنا صفحات الويب على شبكة الانتريت أي معلومة ساعة حدوثها ، وتنشر الصحف العالمية وحتى بعض العربية ماينشر ومالاينشر ومايقال ومالايقال ، مانزال نتحدث عن اعلام للاستهلاك المحلي ، وبدعاوي الحفاظ على الهوية الوطنية نصبح خارج التاريخ ، وأشعر شخصيا وأنا أتابع كتابة مقالي لأناقش بجدية صحافة مايسمى بأحزاب الجبهة الوطنية التقدمية (وأسمع قربي صوت مذيع الأخبار في قناة الجزيرة ، وعلى مرمى يدي جهاز الريمونت كونترول لأتنقل من خلاله بين محطات العالم ، وبكبسة زر على الكومبيوتر الذي أكتب عليه مقالي أستطيع أن أفتح أكبر نافذة على المعلومات في العالم ) أشعر أنني أتحدث عن عالم انسان العصر الحجري ولا أبالغ !!

 

مجلة المحاور اللبنانية /عددمزدوج 83-84 /حزيران تموز 2003

موقع أخبار الشرق الالكتروني 13/7/2003

موقع سوريا المستقبل الالكتروني 16/7/2003